كاري بين الأمومة والرعب في إعادة سرد معاصرة
في هذا المقال من وورلد برس عربي نكشف كيف أعاد مايك فلاناغان بناء قصة كاري من الداخل ليقدمها كمسلسل معاصر يركز على التنمر والعلاقة المعقدة بين الأم وابنتها عبر أداء إنساني عميق للممثلة سامانثا سلويان.

على مائدة العشاء، بين تنظيف الأطباق وحديثٍ عابر، يُطلق مايك فلاناغان سؤالاً لا يبدو كأنّه مهنيّ على الإطلاق: "ما رأيك في كاري؟" هكذا تصف الممثلة سامانثا سلويان اللحظة التي بدأ فيها أحد أكثر مشاريع فلاناغان طموحاً يتشكّل ليس في غرفة اجتماعات، بل في مطبخ منزل، بين صديقَين اعتادا أن يتشارك أحدهما أفكاره قبل أن تتّخذ شكلاً نهائياً. تقول سلويان: "كنّا نتناول العشاء وننظّف، وهو كان يستعدّ ويقول شيئاً من هذا القبيل". وتضيف، واصفةً دهشتها المتكرّرة أمام هذه اللحظات: "أكون دائماً أقول، 'لا أفهم... ماذا تقصد؟'".
لكنّ فلاناغان لم يكن يطرح السؤال على سلويان وحدها، بل على نفسه أولاً: "لماذا أُخرج كاري الآن؟" رواية ستيفن كينغ الصادرة عام 1974 سبق أن تحوّلت إلى فيلمٍ شهير أخرجه برايان دي بالما عام 1976، بأداءٍ لا يُنسى من بايبر لوري في دور مارغريت وايت. فما الذي يمكن أن يُضيفه فلاناغان إلى حكايةٍ استقرّت في الذاكرة الجماعية لعشّاق الرعب منذ نصف قرن تقريباً؟
إعادة بناء الحكاية من الأساس
الإجابة، بحسب سلويان، لا تكمن في إضافة مؤثّرات أو تعديل أحداث، بل في إعادة صياغة الهيكل الداخلي للقصّة بالكامل. تصف الممثلة عمل فلاناغان بعبارةٍ بصريّة دقيقة: "لقد أنزل كلّ شيء حتى الأعمدة، ثمّ أعاد بناء البنية من جديد". هذه ليست المرّة الأولى التي يقترب فيها فلاناغان من عالم كينغ؛ فقد سبق له أن حوّل روايتَي "لعبة جيرالد" (Gerald's Game) و"الطبيب نوم" (Doctor Sleep) إلى فيلمَين لاقيا إشادة نقدية واسعة. لكنّ "كاري" هذه المرّة ليست فيلماً واحداً، بل مسلسلاً قصيراً (miniseries)، وهو شكلٌ يمنح فلاناغان مساحة زمنية أوسع لتفكيك شخصياته وإعادة تركيبها.
المسلسل يُعيد تقديم "كاري" كحكايةٍ معاصرة عن التنمّر المدرسي، لكنّ المحور الحقيقي الذي يشغل سلويان هو العلاقة بين الأمّ والابنة. تلعب سلويان دور مارغريت وايت، الأمّ المتديّنة التي تقف على الضدّ من ابنتها كاري، لكنّها تصرّ على أنّ نسختها من الشخصية أكثر إنسانية من كلّ ما سبق. "ما فعله مايك مع كاري هو الكثير من عنصر الرعب: نحن نتابع الناس في هذا المسار ونرى كلّ هذه اللحظات التي كان بإمكانهم فيها أن يتصرّفوا بهذه الطريقة، لكنّهم بدلاً من ذلك اختاروا أن يتصرّفوا بتلك الطريقة الأخرى"، تقول سلويان.
أمّ متعصّبة، لا شريرة مسطّحة
الفارق بين مارغريت وايت وشخصية أخرى لعبتها سلويان سابقاً بيف كين في "قدّاس منتصف الليل" (Midnight Mass) يبدو أساسياً في فهمها للدورَين. فبيف، كما تصفها سلويان، شخصية تسعى وراء مجدها الخاص بأنانية وانفراديّة ودهاء: "بيف تسير في طريقٍ نحو مجدها الخاص بطريقةٍ أحاديّة التفكير جداً، أنانية جداً، ومتلاعبة جداً". أمّا مارغريت، فتحميها دوافع مختلفة تماماً: "لكنّ مارغريت تحمي ابنتها التي تحبّها. وفي فعلها ذلك، يُهيّئ مايك كلّ هذه اللحظات وهما تتفاعلان مع هذا العالم الجديد كلّياً على كاري، والذي تعمّدت مارغريت أن تُبعد نفسها عنه طوال خمسة عشر عاماً. وهناك كلّ هذه الفرص التي كان بإمكانها فيها أن تتعلّم أو تنخرط أو تشارك. بدلاً من ذلك، هي تختار دائماً العنف، أن تقاوم، أن تحاول التدمير، أن تُقوّض، أن تتلاعب".
هذا التمييز الدقيق بين شخصيتين قد تبدوان، من بعيد، متشابهتين في تطرّفهما الديني، هو ما تحرص سلويان على إبرازه. بيف، في "قدّاس منتصف الليل"، سلّحت قيمها الدينية حتى غدت أكثر رعباً من مصّاصي الدماء الذين اجتاحوا تلك البلدة الساحلية. مارغريت، على النقيض، لا تسعى لمجدٍ شخصي، بل لحماية ابنتها بطريقةٍ مشوّهة ومدمِّرة في آنٍ واحد.
وتشرح سلويان كيف توازنت بين خطورة الشخصية وضرورة إبقاء كاري عالقةً نفسياً: "ما كنت قلقة منه كممثلة هو كيف أنسج هذا الخيط بين كون مارغريت خطيرة بشكلٍ ملموس، وأنّني أردت حقاً أن تظلّ كاري عالقة". وتضيف موضحة أنّ كاري يجب أن تبقى محاصرة بين عالمَين لا مفرّ منهما: "تحتاج إلى أن تكون عالقة بين هؤلاء الأطفال في المدرسة وبين بيتها، ولا مكان تذهب إليه. لذا كان بإمكاني أن أحبّ كاري، لكن لم يكن بإمكاني أن أكون محبّة بالطريقة التي تحتاجها. لذا كان عليّ أن أتأكّد من أنّ مارغريت وهذا مكتوبٌ بهذه الطريقة، لكن أيضاً في أدائي يمكنها أن تقطع كاري عن نفسها وعن حبّها حين لا تفعل كاري ما تحتاجه مارغريت منها. ذلك التهديد بانتزاع الحبّ".
من بيت عائلة فنية إلى عالم فلاناغان
لفهم كيف وصلت سلويان إلى هذا المستوى من التماهي مع شخصيات معقّدة كهذه، لا بدّ من العودة إلى بداياتها. وُلدت لأبوَين عملا كممثلَين مساندَين، وشجّعاها منذ الصغر على الانخراط في العالم من حولها. تقول عن تلك النشأة: "وُلدت في هذا العالم، وبما أنّني تربّيت على يد ممثلَي شخصيات مساندة، فأنت محاطة بقصصٍ رائعة حقاً وبكلّ أنواع الناس المختلفة". لكنّ هذه الحياة لم تكن خالية من القلق: "قد تتعرّف عليهم على الشاشة، لكنّهم ليسوا أناساً يسيرون في الحياة وقد شوّهتهم الشهرة. لكنّ نمط الحياة بدا مخيفاً جداً لأنّه كان غير متوقّع وغير آمن بطرقٍ كثيرة".
مسيرة سلويان نفسها حملت أدواراً متكرّرة في مسلسلَي "سكاندال" (Scandal) و"غرايز أناتومي" (Grey's Anatomy)، إضافةً إلى ظهورها في الموسم الأول من "ذا بِت" (The Pitt)، حيث جسّدت دور أمٍّ ثكلى فقدت ابنها إثر جرعةٍ زائدة من الفنتانيل. لكنّ علاقتها مع مايك فلاناغان بدأت قبل ذلك بسنوات، تحديداً في فيلم "هَش" (Hush) عام 2016، لتستمرّ لاحقاً عبر "مسكن تل هاوس" (The Haunting of Hill House) و"سقوط بيت أشر" (The Fall of the House of Usher). وتربط سلويان أيضاً صداقة قديمة بكيت سيغل، زوجة فلاناغان ومعاونته الدائمة، إذ تصفهما بأنّهما "أفضل صديقتَين" منذ عشرينياتهما وهو ما يفسّر، ربما، لماذا تسمع سلويان عن مشاريع فلاناغان في مراحلها الأولى، أحياناً فوق مائدة العشاء نفسها.
ورغم هذا القرب المهني والشخصي، تقول سلويان إنّ وصولها إلى دور بيف كين لم يكن أمراً متوقّعاً بناءً على أعمالها السابقة معه: "أحد الأشياء الرائعة بخصوص بيف، حين قال لي مايك، 'أنا أفكّر فيكِ لهذا الدور'، لم يكن هناك أيّ شيء فعلته من أجله يمكن أن يُشير إلى أنّ هذه شخصية يمكنني أداؤها". وتصف تجربة قراءة الدور لأوّل مرّة بأنّها كانت مثيرة ومرعبة في آنٍ واحد. لكن في اللحظة التي قرأتها فيها، فهمت كيف تتحدّث، كيف تتحرّك، ما هي حكايتها. مع هاتين الشخصيتَين، مارغريت وبيف، الرابط هو بالطبع مايك فلاناغان، الذي كتب أناساً طيّبين وسيّئين ومعقّدين. إنّه يكتب أناساً نتعرّف عليهم".
سخاء العصر في صناعة المحتوى
تختصر سلويان علاقتها بمشاريع فلاناغان بعبارةٍ تحمل دهشة متجدّدة: "ما زلت مذهولة بشيءٍ لم أرَه أو أكن جزءاً منه من قبل". وهذه الدهشة، في نظرها، ليست حكراً على تجربتها الشخصية، بل انعكاسٌ لمرحلةٍ يشهدها قطاع الإنتاج التلفزيوني بأكمله، حيث يفتح اتساع حجم المحتوى المُنتَج اليوم أبواباً لم تكن متاحة من قبل: "هذا مثير. هناك الكثير ممّا يُقال عن حجم المحتوى الذي يُصنَع الآن، لكنّ هذا يعني أيضاً أنّ هناك أشياء أكثر بكثير لتكون جزءاً منها، هذا مؤكّد".
وبين مارغريت وايت التي تخنق بحبها المفرط لابنتها كلّما خالفت كاري توقّعاتها، وبيف كين التي سلّحت إيمانها لخدمة طموحها الشخصي، تبدو سلويان قد وجدت في عالم فلاناغان مساحةً نادرة لممثلة: شخصياتٌ لا تُختزل إلى "شريرة" أو "ضحية"، بل إلى بشرٍ كاملين يحملون تناقضاتهم كما يحملها أيّ إنسانٍ حقيقي. يبقى السؤال معلّقاً حتى عرض المسلسل: هل ستنجح إعادة البناء هذه في جعل جمهورٍ يعرف "كاري" منذ عقود يرى في مارغريت وايت، للمرّة الأولى، أمّاً قبل أن تكون وحشاً؟
أخبار ذات صلة

نتفليكس تُعيّن بيتر رايس رئيساً للمحتوى بعد رحيل بيلا باجاريا

اكتشاف الأفلام المنسيّة: مدير الفن في الجونة يضع البحث في الصدارة

منتدى آسيا للتلفاز يطلق منطقة الذكاء الاصطناعي والدراما القصيرة
