الجفاف يكشف استنزاف المياه الجوفية في حوض كولورادو
كشف جديد يوضح أن الحوض الأعلى لنهر كولورادو استنزف ضعف كمية المياه الجوفية مقارنة بالحوض الأدنى رغم اعتقاده الأكثر صموداً بسبب الثلوج. دراسة تكشف تحديات الجفاف وتأثيره على مستقبل المياه في النهر مع تحذير من استمرار فقدان الموارد. وورلد برس عربي

استنزف الحوض الأعلى لنهر كولورادو خلال جفاف 2020–2022 نحو 4.2 ميل مكعب (17.5 كيلومتراً مكعباً) من مياهه الجوفية، في مقابل نحو 2.3 ميل مكعب (9.4 كيلومتر مكعب) فقدها الحوض الأدنى. الفارق يقارب الضعف، ويتعارض مع الافتراض الشائع بأن المنبع الجبلي الأغزر ثلجاً هو الطرف الأكثر قدرة على الصمود. وهذه هي خلاصة دراسة جديدة عن المياه الجوفية في أحد أكثر الأنهار استنزافاً في الولايات المتحدة، وتهمّ كل من يتابع ملف الجفاف وإدارة المياه الجوفية وشحّ المياه.
يضم الحوض الأعلى ولايات كولورادو ونيو مكسيكو ويوتا ووايومنغ. أما الحوض الأدنى فيشمل أجزاء من نيفادا وكاليفورنيا وأريزونا. وبحسب تقديرات منظمة American Rivers، يعيش نحو 30 مليون نسمة من أصل 40 مليوناً يعتمدون على مياه النهر في الحوض الأدنى. بذلك يكون الحوض الذي يضم الكتلة السكانية الأكبر هو الأقل خسارة نسبياً في هذه الفترة، لكنّ هذا لا يعني أنه بمنأى عن المشكلة.
لماذا كان الحوض الأعلى «الأكثر صموداً» في الحسابات القديمة؟
تقول Esther Oyedele، طالبة الدكتوراه في علوم الأرض بجامعة Virginia Tech والمؤلفة الأولى للدراسة، في حديثها إلى موقع Live Science: «يُنظر تاريخياً إلى حوض نهر كولورادو الأعلى على أنه أكثر قدرة على الصمود لأنه يتلقى هطولاً أكبر، ولا سيما الثلوج في جبال الروكي».
ويدعم السياق هذا التصور. فالحوض الأدنى أقل مطراً وثلجاً، وبالتالي أقل تغذية لمخزونه الجوفي (التغذية هنا تعني تعويض المياه من مصادر أخرى). كما تزيد فيه معدلات التبخر عموماً، ويبقى الطلب على المياه كبيراً. غير أن أرقام 2020–2022 تقول شيئاً مختلفاً. وتضيف Oyedele: «أعتقد أن الخلاصة المهمة أنه لا ينبغي افتراض أن الحوض الأعلى سيبقى صامداً نسبياً لمجرد أنه تلقى تاريخياً مقداراً أكبر من الأمطار وذوبان الثلوج».
كيف قيست خسائر المياه الجوفية؟
اعتمد الباحثون على بيانات الأقمار الاصطناعية والبيانات الهيدرولوجية لتقدير استنزاف المياه الجوفية في حوض كولورادو بين 2004 و2023. وشملت المدخلات قياسات المياه السطحية ورطوبة التربة والمخزون المائي في الثلوج، إضافة إلى ملاحظات مهمتين فضائيتين: Gravity Recovery and Climate Experiment وخليفتها Follow-On.
وأظهرت النتائج أن الاستنزاف استمر على مدى عقدين وتسارع في 2019. وبلغ إجمالي الخسائر في فترة الدراسة 14 ميلاً مكعباً (58.3 كيلومتر مكعب)، أي ما يعادل حجم المياه في 25 مليون حوض سباحة أولمبي.
ثم جاء الجفاف الممتد ثلاث سنوات من 2020. فقد قلّص الغطاء الثلجي في جبال الروكي، وزاد التبخر، ورفع الطلب على المياه في الحوض كله. وتُنشر الدراسة في Water Resources Research ضمن المجلد 62 العدد 10، وقد أعدّها E. O. Oyedele وS. Werth وG. Carlson. وصدرت في 13 أكتوبر، وتحمل في مرجعها سنة 2026، ويمكن الاطلاع عليها عبر المعرّف الرقمي للدراسة (10.1029/2025WR041695).
لماذا خسر الأعلى أكثر؟ سؤال بلا جواب حاسم
لا يزال سبب ارتفاع خسائر الحوض الأعلى غير واضح، بحسب Oyedele. لكن الدراسة تطرح عدة تفسيرات محتملة:
قرب الحوض الأعلى من الجبال واعتماد طبقاته الجوفية عليها في التغذية. وقد يكون تراجع تساقط الثلوج في 2020–2022 أثّر في تغذيته الجوفية تحديداً.
كانت طبقاته الجوفية قبل الجفاف تتغذى خلال الفترات الرطبة أكثر من الحوض الأدنى.
ربما كان مستوى المياه الجوفية في نقطة البداية أعلى، فجاء هبوطه خلال الجفاف أحدّ.
واستخدم الفريق أساليب إحصائية متقدمة لفحص العلاقة بين المياه الجوفية والسطحية. ففي الحوض الأعلى تحركت مستويات المياه الجوفية في الاتجاه ذاته الذي تحركت فيه المياه السطحية، مع تأخر طفيف. وتوحي هذه الأنماط بأن خسائر الجفاف الجوفية ناجمة عن تراجع التغذية وزيادة الضخ من الطبقات الجوفية.
أما في الحوض الأدنى فكانت الروابط بين المياه الجوفية والسطحية أضعف وأكثر تعقيداً. وفي بعض فترات 2004–2023 سبقت خسائر المياه الجوفية تراجعَ المياه السطحية. تقول Oyedele: «هذا التمييز مهم لأنه يشير إلى أن استنزاف المياه الجوفية ليس مجرد استجابة مباشرة لنقص المياه السطحية». وتضيف: «قد يكون لاستخدام الإنسان للمياه، وبخاصة الاستخراج المستمر للمياه الجوفية، دور كبير أيضاً». وتصف المياه الجوفية في الحوض الأدنى بأنها كانت تُستخدم بإفراط بصورة مستمرة.
ما الذي تعنيه هذه الأرقام لمستقبل النهر؟
ما قد لا يظهر في العنوان أن المياه الجوفية تتراجع في خلفية أزمة معروفة أصلاً. فتدفق نهر كولورادو أقل بنسبة 35% من متوسطه في القرن العشرين. ويُعزى ذلك إلى الاحترار العالمي وإلى الإفراط في توزيع المياه بموجب وثيقة عام 1922. وفي أغسطس بلغت بحيرتا Mead وPowell، وهما أكبر خزانين في الولايات المتحدة، مستويين قياسيين في الانخفاض.
الإشارة الأضعف هنا هي أن المياه الجوفية، التي تُعدّ عادةً احتياطاً يُلجأ إليه عند الجفاف، تتآكل هي الأخرى. وتؤكد Oyedele أن المياه الجوفية والسطحية مترابطتان: فالأولى تدعم جريان الأنهار، والأنهار بدورها تغذي الطبقات الجوفية. ولذلك توصي بإدارتهما معاً لا بمعزل إحداهما عن الأخرى، وتقول إن المياه الجوفية يمكن أن تكون سنداً احتياطياً في الجفاف، لكن لا ينبغي التعامل معها كمورد لا ينضب.
وعن المرحلة المقبلة تقول: «قد يؤدي استمرار الاحترار وتغيّر الغطاء الثلجي وطول فترات الجفاف وتزايد الطلب على المياه إلى ضغط إضافي على موارد المياه الجوفية في الحوضين». وتتوقف الاستجابة الجوفية مستقبلاً على أربعة عوامل: الأمطار وذوبان الثلوج واستهلاك المياه وقرارات الإدارة. ثلاثة منها طبيعية لا يتحكم بها البشر. أما الرابع، أي قرارات الإدارة، فهو الوحيد الذي يملك صانعو القرار التأثير فيه. والسؤال المفتوح هو: هل ستُدار مياه الحوضين، الجوفية والسطحية، كنظام واحد قبل أن يستنفد الجفاف المقبل ما تبقى من الاحتياطي؟
أخبار ذات صلة

تغيّر المناخ يُعيد تشكيل جغرافيا الأرض حرفياً

الأقمار الصناعية تكشف موجات الحرّ القياسية في أوروبا: رسالةٌ من الفضاء

غابات كاليفورنيا الحمراء تتصارع مع الحرارة والضرر الحقيقي غير واضح بعد
