وفاة الأطفال والحصبة بين الحقيقة والتلاعب السياسي
وفاتان لطفلين من مجتمع الأميش بسبب الحصبة تثير جدلاً بين الأطباء والضغط السياسي الذي أدى لحذف بيانات رسمية من CDC ما يهدد الثقة بالمعلومات الصحية ويبرز خطر التلاعب السياسي على صحة الأطفال وضرورة حماية التطعيم وشفافية البيانات وورلد برس عربي

طفلةٌ في السادسة من أسابيع عمرها، تنتمي إلى مجتمع الأميش في مقاطعة Lancaster بولاية بنسلفانيا، فارقت الحياة في منزلها حول الثامن عشر من أغسطس 2026، وقد أكّد طبيب الشرعية المختصّ أنّ الحصبة كانت السبب المباشر لوفاتها. لم تكن هذه الوفاة حادثةً معزولة؛ إذ أعلنت الجهات الصحية في الولاية عن وفاةٍ ثانية لرضيعٍ من المجتمع ذاته، ليتحوّل الحدثان معاً إلى بؤرة توتّرٍ بين المسؤولين الصحيين وأصحاب الخطاب المعادي للتطعيم، في مشهدٍ يكشف كيف يمكن للسياسة أن تتسلّل إلى أكثر الملفّات الصحية حساسيةً.
طفلتان ووفاتان: ما الذي حدث بالضبط؟
الطفلة الأولى كانت تعاني من حالةٍ وراثية نادرة تُعرف بـ"صغر الرأس القاتل لدى الأميش" (Amish Lethal Microcephaly)، وهي اضطرابٌ ناجمٌ عن طفرةٍ في جين SLC25A19 الضروري لنموّ الدماغ. تُصيب هذه الحالة نحو واحداً من كلّ 500 مولودٍ من أبناء مجتمع Old Order Amish في بنسلفانيا، ولا يتجاوز عمر معظم المصابين بها ستّة أشهر. بيد أنّ طبيب الشرعية Stephen Diamantoni أكّد صراحةً أنّ الحصبة كانت سبب الوفاة، على الرغم من الحالة الوراثية القائمة. وقال في تصريحاته: "أعتقد أنّها كانت في الثامن عشر من أغسطس".
الوفاة الثانية كانت لمولودٍ ذكرٍ جاء إلى الدنيا وأمّه تصارع الحصبة بشكلٍ حادّ. نقلت مجلة The Atlantic عن أمّه أنّها "أصبحت مريضةً للدرجة التي لم تستطع فيها الكلام إلّا بهمسٍ خافت، ولم يكن لديها 'ذرّةٌ واحدة من الطاقة' حين دخلت في المخاض". وُلد الرضيع بنبضٍ لكنّه لم يتنفّس، وتوفّي في غضون ثلاثين دقيقة. أثبتت الفحوصات الطبية إصابته بالحصبة مع وجود دليلٍ على عدوى رئوية. غير أنّ طبيب الشرعية في هذه الحالة أسند الوفاة إلى تمزّقٍ في الطحال لا إلى الحصبة مباشرةً، وهو ما اعترض عليه خبير اللقاحات والأمراض المعدية عند الأطفال Paul Offit من مستشفى Children's Hospital of Philadelphia، مشيراً إلى أنّ الحصبة بحدّ ذاتها قد تُسبّب تضخّم الطحال وترفع خطر تمزّقه، دون أن يُقدَّم أيّ تفسيرٍ بديل وجيه لهذه الوفاة.
حين تُمحى البيانات بضغطةٍ سياسية
ما جعل هاتين الوفاتين قضيةً تتجاوز الحدود الطبية هو ما أعقبهما من تدخّلٍ سياسي مباشر. نشرت CDC في البداية بيانات الوفاتين وفق الآلية المعتادة المستندة إلى بيانات الولايات، ثمّ أقدمت على حذفهما من صفحتها الإلكترونية العامّة بعد ضغوطٍ مارسها الناشط المعادي للتطعيم Robert F. Kennedy Jr.، الذي طالب مديرة CDC Erica Schwartz بإزالة هذه الوفيّات من قاعدة البيانات العامّة، زاعماً أنّ بنسلفانيا ربّما اخترعت هذه الوفيّات. وباتت صفحة بيانات الحصبة على موقع CDC تُفيد بأنّه لا توجد سجلّات وفياتٍ لعام 2026 تُشير إلى الحصبة بوصفها السبب الجوهري، في حين ظلّت الوفيّات مُدرجةً في قاعدة البيانات الداخلية للمركز.
هذا التناقض بين ما يُعلَن وما يُحفظ ليس تفصيلاً إجرائياً؛ إنّه يمسّ جوهر الثقة في المنظومة الصحية. حين تُحذف وفياتٌ مؤكّدة من الواجهة العامّة استجابةً لضغطٍ سياسي، يصبح المواطن أمام فجوةٍ بين المعلومة الرسمية والحقيقة الموثّقة، وهي فجوةٌ تُغذّي بالضبط خطاب الشكّ الذي يروّج له المعادون للتطعيم.
الحاكم يردّ والسؤال يبقى مفتوحاً
في 25 أغسطس 2026، خرج حاكم بنسلفانيا Josh Shapiro ليؤكّد علناً وفاة الطفلة بسبب الحصبة، وليوجّه انتقاداً حادّاً لـKennedy، قائلاً: "لقد آن الأوان منذ أمدٍ بعيد لأن يتوقّف RFK عن العبث بأرواح الناس، وأن يُبلَّغ عن هذه الوفيّات بدقّةٍ على لوحة بيانات CDC، وأن يستمع إلى توجيهات الخبراء الطبيين الفعليين حتّى يحصل الناس على معلوماتٍ دقيقة يناقشونها مع مقدّمي الرعاية الصحية الذين يثقون بهم، وليتمكّنوا من حماية أنفسهم وأطفالهم على أفضل وجهٍ من هذا المرض القاتل."
تجدر الإشارة إلى أنّ مقاطعة Lancaster لا تمتلك دائرةً صحية محلية مستقلّة، وتعتمد على وزارة الصحة الولائية في متابعة بيانات الوفيّات، وهو ما أضاف تأخيراً في وصول التقارير إلى طبيب الشرعية Diamantoni.
ما تكشفه هذه القضية يتجاوز حدود بنسلفانيا. في منطقتنا العربية، حيث تشهد بعض الدول عودةً لبؤر الحصبة في مجتمعاتٍ ذات تغطية تطعيمٍ منخفضة، يُذكّرنا هذا المشهد بأنّ الخطر المزدوج يتمثّل في المرض نفسه من جهة، وفي تآكل الثقة بالبيانات الصحية الرسمية من جهةٍ أخرى. حين تُحذف وفيّاتٌ موثّقة من قواعد البيانات العامّة، لا يُطمأنّ الناس؛ بل يُفتح الباب أمام كلّ من يريد أن يقول إنّ "الأرقام مزوَّرة". السؤال الذي يظلّ معلّقاً: كيف تستعيد المؤسّسات الصحية ثقتها حين تُفرّط فيها تحت وطأة الضغط السياسي؟
أخبار ذات صلة

لحم النعام بديل للحم البقر: قصة رجل كنتاكي تحدّى حساسيته الغذائية

تقارير: كينيدي أمر بحذف وفيات الحصبة؛ مراكز السيطرة تواصل عدّها سراً

السيلوسيبين قد يحمي من أعراض العلاج الكيميائي الجانبية، وفق دراسة أولية
