السيلوسيبين يحمي أعصاب مرضى السرطان من الألم
مركب السيلوسيبين في الفطر السحري قد يحمي أعصاب مرضى السرطان من مضاعفات العلاج الكيميائي المؤلمة التي تؤدي إلى تخفيض الجرعات أو إيقاف العلاج. اكتشف كيف قد يغير هذا البحث مستقبل علاج الاعتلال العصبي مع وورلد برس عربي.

ما بين الثلث والنصف من مرضى السرطان الذين يتلقّون أنواعاً معيّنة من العلاج الكيميائي يواجهون مضاعفةً مؤلمة قد تُجبر الأطباء على تخفيض الجرعة أو إيقاف العلاج كلياً وهي مفارقة قاسية: الدواء الذي يُفترض أن ينقذ الحياة يُعطّل نفسه بنفسه. هذه المضاعفة هي الاعتلال العصبي المحيطي الناجم عن العلاج الكيميائي (CIPN)، وقد ظلّت لعقود بلا وقاية فعّالة. لكنّ دراسةً نُشرت في الثالث من سبتمبر 2026 في مجلة Science تفتح باباً لم يُطرق من قبل: مركّب السيلوسيبين (Psilocybin)، المادة الفعّالة في ما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد يحمي الأعصاب من هذا الضرر.
ما الذي يفعله العلاج الكيميائي بالأعصاب؟
الاعتلال العصبي الناجم عن العلاج الكيميائي ليس مجرد إزعاج هامشي. أعراضه تشمل الألم، والتنميل، وفرط الحساسية للبرودة واللمس، وقد تصبح دائمة. فضلاً عن ذلك، يرفع هذا الاعتلال خطر السقوط والكسور لدى المرضى، ويُضعف جودة حياتهم بصورة ملموسة. وصف الدكتور Thomas Strouse، أستاذ الطب النفسي السريري في جامعة UCLA والمتخصّص في أبحاث الاعتلال العصبي، الأمر بكلمتين مقتضبتين: "إنّها مشكلة كبيرة، وخطيرة."
الآلية البيولوجية خلف هذا الضرر باتت أوضح: أدوية مثل السيسبلاتين (Cisplatin) تُلحق ضرراً بالميتوكوندريا محطّات إنتاج الطاقة في الخلايا وتُتلف المسارات الدقيقة التي تنتقل عبرها هذه الميتوكوندريا داخل الأعصاب. حين تتوقّف هذه الحركة، تُحرم نهايات الأعصاب من الطاقة اللازمة لعملها، فتبدأ الأعراض.
كيف يعمل السيلوسيبين على حماية الأعصاب؟
في التجارب التي أُجريت على الفئران، أُعطيت جرعتان من السيلوسيبين قبل 9 أيام و2 يوم من الجلسة الأولى للعلاج الكيميائي. النتيجة كانت لافتة: الفئران التي تلقّت السيلوسيبين أظهرت حمايةً من الاعتلال العصبي امتدّت طوال ستّ جولات من العلاج الكيميائي. الحماية تجلّت في الحفاظ على نهايات الأعصاب، وتقليص فرط الحساسية للبرودة واللمس.
الآلية لا تتعلّق بالطاقة الميتوكوندرية الإجمالية، بل بشيء أدقّ: السيلوسيبين حافظ على حركة الميتوكوندريا وإنتاجها للـ ATP داخل امتدادات الأعصاب تحديداً. وقد تأكّد الباحثون من هذه النتائج أيضاً على خلايا عصبية حسّية بشرية وأعصاب محيطية بشرية اختُبرت خارج الجسم (ex vivo).
الأهمّ أنّ هذا الأثر الوقائي يعتمد على مستقبل السيروتونين 5-HT2A وهو المستقبل ذاته الذي يُفسّر التأثيرات الهلوسينوجينية للسيلوسيبين. وهنا تظهر نقطة مثيرة: مركّب TBG، وهو مادة تُنشّط المستقبل 5-HT2A دون أن تُسبّب هلوسة، أثبتت هي الأخرى فاعليةً في حماية الفئران من الاعتلال العصبي. هذا يعني أنّ التأثير الوقائي قد لا يستلزم بالضرورة الخاصية الهلوسينوجينية وإن ظلّت المسألة غير محسومة علمياً.
من يقود هذا البحث وما الخطوة التالية؟
الدكتور Moran Amit، الجرّاح والباحث في مجال السرطان بمركز MD Anderson Cancer Center في تكساس، هو أحد المؤلّفين الرئيسيين للدراسة. يوضح أنّ فريقه توجّه نحو السيلوسيبين منذ وقت مبكر لسبب محدّد: "ركّزنا عليه في مرحلة مبكرة لأنّه كان الأكثر فاعليةً." لكنّه يُقرّ في الوقت ذاته بالقيد الجوهري: "المسألة الأساسية هي أنّه لم يُختبر قطّ لهذا الغرض تحديداً بطريقة منهجية على البشر."
هذا القيد هو ما يدفع الفريق الآن إلى الإعداد لتجربة سريرية على البشر في MD Anderson، ضمن برنامج علم أعصاب السرطان (Cancer Neuroscience Program) الذي يُعنى بالتفاعلات بين السرطان والجهاز العصبي وجودة حياة المرضى.
ثمّة تحفّظات ينبغي استحضارها قبل أي استنتاج مبكّر: الدراسة أُجريت على الفئران باستخدام السيسبلاتين تحديداً، وأدوية العلاج الكيميائي الأخرى قد تُسبّب الاعتلال العصبي عبر آليات مختلفة، ما يعني أنّ النتائج لا يمكن تعميمها آلياً. كذلك لا تزال العلاقة بين التأثير الهلوسينوجيني للسيلوسيبين والأثر الوقائي العصبي غير واضحة المعالم.
بالنسبة لمرضى السرطان في منطقتنا العربية وشمال أفريقيا، حيث تُشكّل محدودية الخيارات العلاجية والأعباء الاقتصادية لمضاعفات العلاج الكيميائي ضغطاً مضاعفاً، تبقى نتائج هذه الدراسة في مرحلة ما قبل السريرية لكنّها تُشير إلى أنّ الوقاية من الاعتلال العصبي قد تكون ممكنة بيولوجياً. التجربة السريرية القادمة في MD Anderson ستكون الاختبار الحقيقي الأوّل: هل ما نجح في الفئران سيصمد أمام تعقيد الجسم البشري؟
أخبار ذات صلة

لحم النعام بديل للحم البقر: قصة رجل كنتاكي تحدّى حساسيته الغذائية

الحصبة تودي بحياة رضيع عمره ستة أسابيع.. التحقيق الرسمي يؤكد بعد تشكيك كينيدي

تقارير: كينيدي أمر بحذف وفيات الحصبة؛ مراكز السيطرة تواصل عدّها سراً
