وورلد برس عربي logo

أزمة العنف في جنوب أفريقيا وغياب الأمن الاجتماعي

إطلاق النار الجماعي في جوهانسبرغ يكشف عن أزمة عميقة في الأمن، حيث تسيطر عصابات الجريمة على الأحياء الفقيرة. في ظل غياب الثقة بالشرطة، تتفاقم مشكلة الأسلحة غير المشروعة، مما يهدد حياة الملايين. تفاصيل أكثر على وورلد برس عربي.

منطقة عشوائية في جوهانسبرغ تظهر آثار العنف، مع أشجار جافة ومساكن متداعية، تعكس أزمة الأمن والجريمة المنظمة في الأحياء الفقيرة.
يجلس الناس خارج طوق أمني، في موقع حادث إطلاق نار جماعي في مستوطنة غير رسمية في ضاحية كليفلاند بجوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، يوم الأربعاء، 10 يونيو 2026.
رجال إنقاذ وشرطة يحملون جثة من موقع إطلاق نار جماعي في مستوطنة عشوائية بجوهانسبرغ، حيث أسفر الحادث عن مقتل 12 شخصاً.
حمل رجال الشرطة جثمان شخص على نقالة بعد إطلاق نار جماعي في مستوطنة غير رسمية في ضاحية كليفلاند بجوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، يوم الأربعاء، 10 يونيو 2026. (صورة: ثيمبا هاديبي)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

إطلاق النار الجماعي الذي شهدته مستوطنة عشوائية في جوهانسبرغ هذا الأسبوع، وأودى بحياة 12 شخصاً وأصاب 15 آخرين على الأقل، ليس حادثةً معزولة بل هو حلقةٌ في سلسلة طويلة من أعمال العنف التي تضرب أفقر أحياء جنوب أفريقيا، وتكشف عن أزمة عميقة في منظومة الأمن.

لم تُسجَّل أي اعتقالات حتى الآن، وهو ما بات مألوفاً في مثل هذه الجرائم. ما يعنيه هذا للمواطن الجنوب أفريقي هو أن عصابات الجريمة المنظّمة تعمل في مساحات يغيب عنها القانون فعلياً.

الجريمة المنظّمة تملأ فراغ الدولة

يقول خبراء إن عمليات إطلاق النار الجماعي الأخيرة ومنها حادثتان في ديسمبر الماضي خلّفتا أكثر من 20 قتيلاً تقع بصورة شبه منتظمة في مناطق فقيرة بعيدة عن مراكز المدن، حيث تستغل العصابات المنظّمة ضعف الإضاءة وبطء استجابة الشرطة وانعدام الأمن.

يقول جيكوب موفوكينغ، أستاذ علم الجريمة في جامعة جنوب أفريقيا: «تستغل عصابات الجريمة هذه الظروف صراحةً لإخفاء الأسلحة وتنفيذ عمليات الاغتيال والاختفاء في الظلام».

جنوب أفريقيا تُسجّل من أعلى معدّلات الجريمة العنيفة في العالم؛ إذ تُظهر أحدث الإحصاءات السنوية ما يزيد على 60 جريمة قتل يومياً في المتوسط. والغالبية العظمى من هذه الجرائم تقع في المناطق الفقيرة والمستوطنات العشوائية، في حين تتمتّع الأحياء الثرية بمعدّلات أدنى بكثير وهو انعكاسٌ مباشر للتفاوت الاجتماعي العميق الذي تعانيه البلاد منذ عقود.

عصابات التعدين غير المشروع

تُشكّل عصابات التعدين غير القانوني ظاهرةً متجذّرة في جوهانسبرغ وما حولها، وهي المدينة التي تمتلك بعضاً من أضخم احتياطيات الذهب في العالم. تُعرَف هذه العصابات بـ«زاما زاما» (Zama Zamas)، وهي كلمة زولو تعني تقريباً «المجازفين» أو «الباحثين عن الحظ».

تتّخذ هذه العصابات من الأحياء الفقيرة وضعيفة التغطية الأمنية قواعدَ لها، وتخوض معارك نفوذ مع عصابات منافسة أو تلجأ إلى العنف للإبقاء على سيطرتها. وكثيراً ما تضمّ في صفوفها مهاجرين من دول مجاورة يقيمون في جنوب أفريقيا بصورة غير نظامية، وهو ما يجعل تتبُّعهم أمراً عسيراً.

يشرح موفوكينغ السبب: «لا هوية قانونية، ولا عنوان مسجَّل، ولا بصمات أصابع أو حمض نووي (DNA) في قواعد البيانات. هم في الواقع أشباح».

وتقدّر الحكومة الجنوب أفريقية خسائرها من التعدين غير المشروع بأكثر من 3 مليارات دولار سنوياً. وقد كانت ظاهرة «زاما زاما» أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الرئيس سيريل رامافوزا إلى تفويض نشر قوات الجيش في الشوارع لمدة عام في مناطق محدّدة لمكافحة الجريمة المنظّمة وهو إجراءٌ استثنائي نادراً ما تلجأ إليه الدول ذات المؤسسات الأمنية الراسخة.

وقد أفاد سكّان الحيّ الذي شهد إطلاق النار هذا الأسبوع بأن عصابات التعدين غير المشروع كانت تنشط فيه علناً. وأشارت الشرطة إلى أن الدافع لم يُحدَّد بعد، غير أن هذه العصابات تبقى في صلب التحقيق.

ملايين السلاح خارج السيطرة

تفرض جنوب أفريقيا قيوداً صارمة على امتلاك الأسلحة النارية بصورة قانونية، لكن الدراسات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني تُقدّر عدد الأسلحة غير المشروعة المتداولة بما بين 2 و3 ملايين قطعة في بلدٍ يبلغ عدد سكّانه 62 مليون نسمة. وتُعدّ الأسلحة النارية السبب الأول للوفاة في جرائم القتل بفارق كبير.

يقول ويلم إلس، المحلّل في معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا، إن تدفّق الأسلحة غير المشروعة يتضافر مع إخفاقات الشرطة ليُفرز بيئةً مثاليةً للإجرام: «لقد أوجدنا في جنوب أفريقيا ظروفاً مواتيةً جداً للجريمة العنيفة وللعصابات المنظّمة كي تعمل دون رادع. لدينا كمٌّ هائل من الأسلحة غير المسجّلة التي لا تُحكم الشرطة السيطرة عليها».

أزمة ثقة مع الشرطة

لا يقتصر الأمر على شُحّ الموارد؛ فقد باتت الشرطة الجنوب أفريقية تواجه أزمة مصداقية حادّة جرّاء اتهامات متكرّرة بالفساد والتواطؤ مع عصابات الجريمة المنظّمة. العام الماضي، كشف أحد قادة الشرطة الإقليميين عن تورّط كبار الضبّاط والمسؤولين مع المجرمين، ممّا دفع الرئيس رامافوزا إلى الإعلان عن تحقيق وطني شامل. وقد أسفر ذلك عن موجة اعتقالات طالت ضبّاطاً رفيعي المستوى، فضلاً عن تعليق مهام وزير الشرطة والمفوّض الوطني للشرطة.

المحقّق الخاص ومتخصّص الأمن مايك بولهويس يرى أن هذا الفساد ينعكس مباشرةً على العمل الميداني في المناطق المتضرّرة: «الناس لا يثقون بالشرطة، ولا يثقون بالسلطات، ولا يثقون ببعضهم البعض». وهذا الانعدام للثقة يجعل جمع المعلومات الاستخباراتية من المجتمعات المحلية شبه مستحيل وهو الوقود الذي تحتاجه أي عملية أمنية فعّالة.

أخبار ذات صلة

Loading...
طبيب يرتدي نظارات وقميصًا أبيض، يقف في ممر مستشفى، يعكس جهود مكافحة تفشي فيروس الإيبولا في الكونغو.

حالات الإيبولا في شرق الكونغو تتجاوز 782 والوفيات تبلغ 181

تتصاعد أزمة الإيبولا في الكونغو، حيث ارتفع عدد الحالات المؤكّدة إلى 782، مع 181 وفاة. فيروس بونديبوغيو النادر يواصل انتشاره في إقليم إيتوري، مما يُعقّد جهود السيطرة. تابعوا تفاصيل هذه الكارثة الصحية وكيف تؤثر على السكان.
Loading...
طفل يلعب بين أنقاض المباني المدمرة في غزة، حيث تكشف الصورة عن آثار الحرب والدمار الكبير الذي خلفته.

آلاف الفلسطينيين تحت الأنقاض في غزة قد لا يُعرّفون أبداً، تحذّر الصليب الأحمر

تحت أنقاض غزة، يتوارى مصير آلاف الشهداء الذين قد لا تُعرف هويتهم أبداً، مما يثير قلق المنظمات الدولية. تابعوا القصة المأساوية التي تكشف عن تحديات الانتشال وأثر الزمن على الهوية.
Loading...
صورة لطالبة اللجوء الهايتية Daphy Michel، التي توفيت في ظروف مأساوية بعد الإفراج عنها من الاحتجاز، محاطة بالنباتات.

وفاة امرأة من الإنهاك و البرد في بيتسبرغ بعد إطلاق سراحها من احتجاز الهجرة: جريمة قتل

في قصة إنسانية مؤلمة، تُصنَّف وفاة طالبة اللجوء الهايتية Daphy Michel كقتل عمد، مما يثير تساؤلات حول مسؤولية دائرة الهجرة. اكتشف المزيد عن هذه القضية وما ينتظر عائلتها من خطوات قانونية.
Loading...
مشهد يعكس حياة الناس في غزة، حيث يظهر رجل وامرأة يتحدثان وسط مجموعة من الأشخاص، مع وجود عناصر أمنية في الخلفية.

ناجٍ من الإبادة في غزة: الجروح تبقى حتى بعد النجاة

تترك التجارب القاسية آثارًا عميقة في نفوسنا، تمتد عبر الأجيال، حيث تتجلى معاناة العيش في ظروف قاسية. اكتشف كيف تشكل هذه الذكريات هويتنا، وشاركنا تجاربك. اقرأ المزيد لتغوص في عمق هذا الموضوع المؤثر.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية