سر مرتنيت الحاكمة التي حكمت مصر قبل آلاف السنين
هل حكمت مرتنيت مصر القديمة كملكة فعلية قبل خمسة آلاف عام؟ دراسة رقمية جديدة تكشف تفاصيل على ختم طيني مفقود وتعزز جدلًا أثريًا حول دورها السياسي بين الحُكم والإدارة في أقدم دولة موحدة في التاريخ تابع التفاصيل مع وورلد برس عربي

هل حكمت امرأةٌ مصر القديمة قبل نحو خمسة آلاف عام، في وقتٍ كانت فيه الدولة الموحّدة حديثة العهد بالتأسيس؟ هذا السؤال، الذي ظلّ يراوح مكانه في أروقة علم المصريات لعقود، عاد إلى الواجهة هذا الشهر بفضل إعادة تحليل رقمية لصورة أثرية شبه منسية، نُشرت نتائجها في عدد سبتمبر من مجلة «Prague Egyptological Studies». والمثير في القصة ليس فقط ما تكشفه الصورة، بل أنّ الجدل حولها يتمحور حول أدلة يستحيل التحقق منها مباشرة، لأنّ القِطَع الأصلية اختفت منذ عقود ولم يُعثر عليها حتى اليوم.
ختم الطين الذي اختفى: من التنقيب إلى الصورة الوحيدة
القصة تبدأ في أربعينيات القرن الماضي، حين عثر عالم الآثار William B. Emery في موقع سقارة على 13 «سدادة طينية» حول فتحة أحد أعمدة المقابر. وسدادات الطين هذه لم تكن زخرفية، بل أختامًا وظيفتها تحديد هوية مالك الغرض الذي كانت تُغلقه، وكانت كل سدادة تحمل أربعة «سِرِخات» وهي تصميمات رمزية تُكتب فيها أسماء الحكّام حصرًا، ولا تُستخدم لغيرهم.
قرأ إمري اثنين من السِرِخات الأربعة على أنّهما يحملان اسم الملك جِر (Djer)، ورجّح أنّ السِرِخين الآخرين يعودان إلى مرتنيت (Meretneith)، وهي التهجئة الأشهر لاسمٍ يُكتب أيضًا Merneith أو Meret-Neith. نشر إمري صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لإحدى هذه السدادات في مقالة علمية سنة 1954، لكنّ جودتها التقنية كانت ضعيفة. والأهم أنّ السدادات الثلاث عشرة جميعها اختفت بعد التنقيبات، كما فُقدت اللوحة الزجاجية الأصلية للصورة، ما جعل تلك الصورة المطبوعة الأثر الوحيد الباقي من الاكتشاف بأكمله. مصير القطع، بحسب الباحثة سوزان كيلي، يبقى ببساطة «مجهولًا».
ماذا تكشف التقنية الرقمية؟
هنا يدخل الجهد الجديد. أعادت الباحثة سوزان كيلي، المتخصصة في علم المصريات في جامعة Macquarie في أستراليا، بالتعاون مع الفنية كريستال ميلر، وهي تقنيّة تعمل في الجامعة نفسها وتُتابع دراسة الماجستير في علم الآثار الحيوي (bioarchaeology)، معالجة الصورة الفوتوغرافية القديمة رقميًا، بحثًا عن تفاصيل لم تكن واضحة في النسخة الأصلية.
النتيجة، بحسب الباحثتين، كانت لافتة. تقول كيلي إنّ «تقنيتنا كشفت أنّ العلامات الموجودة في الجزء الخاص بالاسم داخل السِرِخ الثاني والثالث تتوافق مع العلامة الرئيسية المستخدمة لكتابة اسم مرتنيت». بعبارة أخرى، تدّعي الدراسة أنّ التحسين الرقمي أعاد إلى الظهور تفاصيل تدعم قراءة إمري الأصلية لأحد سِرِخَي مرتنيت، وليس فقط جِر.
وتضع الدراسة، المنشورة رسميًا ضمن عدد Prague Egyptological Studies 36 لعام 2026، هذه النتيجة في سياق أوسع، إذ تقترح كيلي وميلر أنّ مرتنيت «ربما كانت تتمتع بميزة الصعود إلى منصّة الحُكم والنزول عنها بحسب ما تقتضيه البيئة السياسية»، أي أنّها لم تكن بالضرورة ملكة بالمعنى التقليدي الثابت، بل شخصية انتقلت بين موقع الحاكمة الفعلية وأدوار نافذة أخرى داخل الأسرة الملكية، حسبما فصّلت كيلي في مقالة توضيحية نشرتها في The Conversation.
اعتراض من برلين
غير أنّ هذه القراءة لم تمرّ دون معارضة. المؤرخة إيفا-ماريا إنجل، الباحثة في جامعة هومبولت في برلين، والتي لم تشارك في الدراسة الجديدة، تفحّصت النتائج ورفضت الاستنتاج الأساسي. تقول إنجل إنّ «الختم لا يذكر سوى اسم الملك جِر، وأنّ مرتنيت غير مذكورة فيه على الإطلاق». هذا الخلاف يلخّص طبيعة النزاع العلمي هنا: كلا الفريقين ينظر إلى الصورة الرقمية نفسها، لكنهما يخرجان بقراءتين متعارضتين لعلامات غير مكتملة على أثرٍ لم يعد الأصل الفعلي له موجودًا للفحص المباشر. وهذا بالضبط ما يجعل الحسم النهائي صعبًا: فالدليل الوحيد المتاح هو صورة لصورة، لا القطعة الأثرية نفسها.
ومع ذلك، لا تنكر إنجل مكانة مرتنيت السياسية، إذ تصفها بأنها كانت «قوية سياسيًا»، وتشير إلى أنها «كانت لها مقبرة بين ملوك سبقوها وملوك لحقوها» وهي ملاحظة تحمل دلالة مهمة، لأنّ موقع المقبرة وحجمها وطريقة بنائها يضعانها ضمن سياق ملكي واضح، بصرف النظر عن الجدل حول السِرِخات.
أدلة أخرى تتجاوز الجدل حول الختم
الجدل حول السدادة الطينية ليس القصة كلها. فمنقوشات أخرى، لا تستخدم صيغة السِرِخ المخصّصة للحكّام، تصف مرتنيت بلقب «أم الملك»، وتضعها على رأس إدارات من بينها الخزانة الملكية أي أنها كانت تتولى مسؤوليات إدارية وازنة بعيدًا عن أي التباس في القراءة. كذلك جاءت تنقيبات عام 2023 لتؤكد أنّ مقبرة مرتنيت تطابق في حجمها وطريقة بنائها مقابر الحكّام، وهو مؤشر مادي مستقل عن جدل الصور والنقوش.
أما علاقة مرتنيت بالملك جِر فتبقى غير محسومة؛ يُحتمل أنه كان والدها، ويُحتمل أنّ الاثنين تقاسما الحكم في مرحلةٍ ما. والفرضية الأكثر تداولًا تقول إنّ مرتنيت تولّت الوصاية على العرش لصالح ابنها دِن (Den)، الذي ربما كان صغيرًا جدًا على الحكم المستقل حين تولت هي زمام الأمور، وإنّ نقوشًا في مواقع أخرى تشير إلى أنها كانت تتصرّف نيابة عنه خلال صغره. وربما كان دِن نفسه، بعد أن كبر وتولى الحكم، هو من أشرف على دفنها.
يبقى السؤال مفتوحًا لأنّ الحلقة الأضعف في السلسلة كلها السدادات الطينية الثلاث عشرة واللوحة الزجاجية الأصلية غير موجودة، وكل ما تبقى هو صورة واحدة أعيد تحليلها بتقنيات لم تكن متاحة في زمن إمري. وطالما بقيت القطع الأصلية مفقودة، فإنّ الجدل بين قراءة كيلي وميلر وقراءة إنجل سيظل مسألة تأويل لصورة، لا فحص لأثر، وهو ما يجعل ملف مرتنيت أحد أكثر ملفات علم المصريات المبكر انفتاحًا على مراجعات مقبلة، كلما تطورت أدوات التحليل الرقمي للأرشيف الفوتوغرافي القديم.
أخبار ذات صلة

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري

الأقمار الصناعية : هل تستطيع الأمم المتحدة إيقاف الكارثة القادمة؟
