بطارية قابلة للتحلل تشغل الأجهزة الطبية داخل الجسم
ابتكر باحثون بطارية قابلة للتحلل تشغل الأجهزة الطبية القابلة للبلع داخل الأمعاء دون الحاجة لجراحة لاستخراجها، مع تحكم دقيق في عمرها الوظيفي وقدرة تشغيل فعالة أثبتت نجاحها في تجارب على الخنازير وورلد برس عربي

تخضع آلاف الأجهزة الطبية القابلة للبلع سنوياً لبروتوكولات معقّدة تحسبًا لبقاء مكوّناتها الكهربائية عالقة داخل الجهاز الهضمي، إذ تتطلّب البطاريات التقليدية المستخدمة فيها تغليفاً مانعاً للتسرّب كي لا تتلف الأنسجة المحيطة، وهو قيدٌ يحدّ من حجم هذه الأجهزة ومن انتشار استخدامها. وصف باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بمشاركة زملاء من جهات بحثية أخرى، في دراسة نُشرت الاثنين 21 سبتمبر في مجلة Nature Chemical Engineering، نموذجاً جديداً لبطارية شبيهة بالورق قابلة للتحلّل الحيوي، صُمّمت خصيصاً لتشغيل أجهزة طبية مؤقتة داخل الأمعاء دون الحاجة إلى استخراج البطارية جراحياً بعد انتهاء مهمّتها. الدراسة اختبرت النموذج في الخنازير فقط لمدة تصل إلى ثلاثة أيام، وما زالت سلامته وفعاليته عند الإنسان غير مثبَتتين، وهو تمييزٌ يجدر التوقّف عنده قبل الحديث عن أي تطبيق سريري قريب.
كيف تُصمَّم بطارية تتحلّل داخل الجسم؟
الأجهزة القابلة للبلع، من كاشفات النزيف إلى موزّعات الأدوية وأدوات تحفيز الأنسجة والأعضاء، تحتاج إلى مصدر طاقة يشغّل دوائرها الكهربائية. لكنّ البطارية، وفق الباحثين، هي المكوّن الذي يستهلك الحجم الأكبر داخل هذه الكبسولات، ما يجعل تصغيرها هدفاً مركزياً في هذا المجال.
يعتمد النموذج الجديد على قطبٍ سالب (أنود) من سبيكة المغنيسيوم، وقطبٍ موجب (كاثود) مكوّن من ثالث أكسيد الموليبدنوم والكربون المنشّط، يفصل بينهما إلكتروليت قابل للتحلّل الحيوي يسمح بتوليد التيار الكهربائي. الجديد في هذا التصميم أنّ ألياف السليلوز النانوية (cellulose nanofibrils) تربط مكوّنات البطارية الرقيقة والمُخلخلة الشبيهة بالورق، بخلاف نماذج سابقة استخدمت مواد رابطة أكبر حجماً، بحسب ما أشارت إليه دراسة سابقة على البطاريات القابلة للتحلّل التي استُخدمت فيها مواد مماثلة في الأجهزة الطبية والقابلة للارتداء المؤقتة.
أمّا العنصر الذي يمنح الباحثين تحكّماً في مدة تشغيل البطارية، فهو طبقة من شمع النحل تبطّئ تحلّلها في حمض المعدة، وبعض النماذج حصلت إضافةً على طبقة من شمع الكانديليلا (candelilla wax) المستخرج من شجيرة صحراوية تُعرف علمياً بـ Euphorbia antisyphilitica، لتوفير حماية أطول. وقد أوضح جيوفاني ترافيرسو (Giovanni Traverso)، مدير مختبر الهندسة التحويلية بمعهد MIT والمشارك في الدراسة، أنّ «البنية الورقية تحسّن من متانة البطارية والتحكّم في تحلّلها مع بقائها قادرة على توليد الكهرباء»، مضيفاً أنّ «طبقة الشمع ليست مجرّد تغليف»، بل هي «عنصر تصميم أساسي يتحكّم في العمر الوظيفي» للبطارية.
طوّر الفريق نسختين من البطارية: نسخة أصغر تناسب حجم كبسولة جيلاتين معيارية، ونسخة أكبر موجّهة لأجهزة تتطلّب قدراً أعلى من الطاقة. في الاختبارات المعملية، ولّدت النسخة الصغرى نحو 1.77 فولت، وخزّنت وأطلقت طاقة قدرها 2 ميلي أمبير/ساعة لكل سنتيمتر مربع، وهي قدرة كافية لتشغيل أجهزة إلكترونية منخفضة الاستهلاك. أمّا النسخة الأكبر، فولّدت نحو 1.84 فولت بسعة قصوى بلغت 3.5 ميلي أمبير/ساعة.
من المخبر إلى معدة الخنزير: ثلاثة أيام من التشغيل
انتقل الباحثون من الاختبار المعملي إلى نموذج حيوانيّ، فوضعوا النموذجَين داخل كبسولات مطبوعة ثلاثية الأبعاد، وأدخلوهما إلى معدة خنازير عبر منظار داخلي. عملت البطاريتان لمدة تصل إلى ثلاثة أيام قبل أن تتحلّل، مع تراجع تدريجي في الجهد والسعة تماشياً مع التحلّل. فقد سجّلت النسخة الأكبر جهداً تراوح بين 1.8 و1.6 فولت في اليوم الأول، ثم انخفض إلى نحو 1.45 فولت في اليوم الثالث، في حين تراجع جهد النسخة الأصغر من 1.7 إلى 1.35 فولت على مدى الأيام الثلاثة.
الأهمّ من الأرقام أنّ البطارية أثبتت قدرتها على تشغيل أجهزة فعلية داخل الجسم الحيّ: النسخة الصغرى شغّلت وسم تعريف بالراديو (RFID) تجريبياً وُضع في مريء الخنازير، واستطاع جهاز استقبال كشفه من مسافة تصل إلى 5 أقدام (1.5 متر)، إضافةً إلى رصد لحظة تناول الخنازير للدواء وهي تقنية استُخدمت مسبقاً في تجارب على البشر ضمن دراسات مشابهة حول أجهزة الاستشعار بالراديو. أمّا النسخة الأكبر، فشغّلت كبسولة تجريبية قابلة للبلع لتحفيز المعدة كهربائياً، وهي التقنية ذاتها التي تُستخدم حالياً لدى مرضى خزل المعدة الشديد (gastroparesis)، حالةٍ تتسبّب في تباطؤ إفراغ المعدة عند الإنسان. أدّى التحفيز في التجربة إلى ارتفاع مستوى هرمون الجريلين المحرّض على الشهية في الدم، دون أي ضرر ظاهر في موضع التحفيز.
مع تحلّل البطارية والمكوّنات القابلة للتحلّل الحيوي داخل الخنازير، خرجت لوحة الدائرة الكهربائية وهي المكوّن غير القابل للتحلّل بشكلٍ طبيعي مع الفضلات، ما يقلّل من مخاوف بقاء أجزاء غريبة داخل الجسم لفترات طويلة.
ماذا قال العلماء؟
رحّب رضا قدسي (Reza Ghodssi)، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية في جامعة ميريلاند وغير المشارك في الدراسة، بالنتائج قائلاً: «أنا متحمّس جداً لهذا العمل»، وأضاف أنّ «البطارية هي المكوّن الذي يستهلك أغلب الحجم داخل الجهاز القابل للبلع، فأي حلّ يوفّر القدرة اللازمة مع تصغير حجم الكبسولة يُعدّ واعداً للغاية». لكنّه لم يخفِ محدودية النموذج الحالي، محذّراً بأنّ «القدرة لا تزال منخفضة»، وأنّ التقنية «تحتاج إلى قدرة أعلى بمقدار رتبة كاملة كي تصبح أكثر جدوى».
من جهته، أشار جون روجرز (John Rogers)، عالم المواد في جامعة نورث وسترن وغير المشارك في الدراسة أيضاً، إلى الجانب الأكثر لفتاً للنظر في التجربة، قائلاً: «من اللافت جداً أنّ البطارية استطاعت العمل بشكل مستقرّ وموثوق مع مرور الجهاز كاملاً عبر الجهاز الهضمي في نموذج حيواني كبير»، مضيفاً أنّ «جعل كل مكوّن في الجهاز قابلاً للامتصاص الحيوي (bioresorbable) قد يزيل خطر بقاء مكوّن عالق في الجهاز الهضمي».
الطريق إلى التجارب البشرية لا يزال طويلاً
يبقى التحكّم الدقيق في عمر البطارية التحدّي الأكبر الذي حدّده الباحثون أنفسهم؛ فتباين طريقة تلامس الطبقات، وتوزيع الإلكتروليت، وسماكة طبقة الشمع، كلّها عوامل تؤثر على مدة العمل الفعلية، وهو ما يعمل الفريق حالياً على ضبطه من خلال توحيد عملية التصنيع وتعديل طبقات الشمع، بهدف الوصول إلى فترات تشغيل مضبوطة تتراوح بين ساعات وأيام بحسب الاستخدام المطلوب. تخطّط المجموعة البحثية أيضاً لإجراء اختبارات أطول تحاكي ظروف الجهاز الهضمي البشري بدقة أكبر، على أن تبدأ أولى التجارب السريرية المحتملة لنظام الوسم بالراديو خلال نحو عامين من الآن.
من منظور الصحة العامة، تظلّ هذه النتائج، على أهميتها، محصورة في نموذجٍ حيواني محدود العينة (خنازير فقط)، ولم تُنشر بعد أي بيانات تخص السلامة أو الفعالية على البشر، وهو تمييزٌ ضروري بين ما هو اكتشاف علمي واعد وما هو إجماع طبّي جاهز للتطبيق. فإذا نجحت هذه الفئة من البطاريات القابلة للتحلّل في تجاوز عقبة القدرة المحدودة التي أشار إليها قدسي، فقد تفتح الباب أمام أجهزة استشعار وتحفيز أصغر حجماً وأقل تدخّلاً، مما ينعكس مستقبلاً على تقنياتٍ مثل تحفيز المعدة المستخدم فعلياً في علاج خزل المعدة، أو أنظمة تتبّع الالتزام الدوائي عبر وسوم الراديو. لكنّ الفارق بين نجاح تجربة على الخنازير لثلاثة أيام، وبين اعتماد سريري آمن للبشر، لا يزال فارقاً واسعاً يتطلّب سنوات من الدراسات الإكلينيكية المتدرّجة قبل أن يصل إلى أي مريض.
أخبار ذات صلة

فهم المجال المغناطيسي للأرض قد يساعد في علاج الزهايمر والشلل الرعاش

نمو سن في الجفن: حالة نادرة تحيّر الأطباء

عدوى دودة الدماغ: تأكيد التشخيص بعد نمو ذيول للبيض في الاختبار المخبري
