صراع الفضاء بين الأقمار الصناعية وحماية سماء الليل
تهديد جديد لسماء الليل من أسطول الأقمار الصناعية والمرايا المدارية التي قد تعطل الرصد الفلكي وتزيد التلوث الضوئي. علماء يطالبون الأمم المتحدة بحماية الفضاء وفق قواعد دولية تمنع ازدحام المدار وحماية سماء الليل وورلد برس عربي.

في سماء الليل التي اعتاد علماء الفلك قراءتها منذ قرون، تلوح اليوم مخاطر من نوعٍ مختلف: ليس الغيوم أو التلوث الجوي، بل أسطولٌ متزايد من الأقمار الصناعية والمرايا المدارية التي قد تحوّل العتمة الطبيعية إلى ساحةٍ مضيئة على مدار الساعة. هذا التهديد، الذي بدا حتى وقتٍ قريب مجرّد قلقٍ نظري لدى الفلكيين، يدفع الآن مجموعة من العلماء إلى طرق باب أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة.
مرآة في الفضاء تُشعل الجدل
الشركة الأمريكية Reflect Orbital، المتمركزة في كاليفورنيا، حصلت في يوليو على ترخيصٍ تجريبي من هيئة الاتصالات الفدرالية الأمريكية (FCC) لإطلاق قمرٍ صناعي يحمل اسم Eärendil-1، من المقرَّر أن يُطلَق في وقتٍ لاحق من هذا العام. المشروع بسيطٌ في تصوّره: مرايا مدارية تعكس ضوء الشمس نحو محطات الطاقة الكهروضوئية بعد الغروب، لتمديد ساعات توليد الطاقة الشمسية. لكن Eärendil-1 ليس سوى نموذجٍ أوّلي قد يمهّد لعشرات آلاف من المرايا المماثلة مستقبلاً، وهو رقمٌ يكفي، بحسب المنتقدين، لجعل الرصد الفلكي من الأرض شبه مستحيل على مستوى العالم.
هذا القلق ليس جديداً كلياً. فحملة العلماء التي تتصدرها اليوم مؤسسة Outer Space Institute وُلدت أصلاً في 2023 ردّاً على تمدّد التكتلات الساتلية الضخمة (megaconstellations) الموجَّهة لبثّ الإنترنت. غير أن الأشهر الاثني عشر الأخيرة أضافت طبقة استعجال جديدة، بعد إعلان شركات مثل SpaceX وGoogle وStarcloud عن خططٍ لبناء مئات آلاف من مراكز البيانات الفضائية، وهي منشآت تتطلب بدورها أعداداً هائلة من الأقمار الصناعية المتصلة.
حين يتعطّل التوافق الدولي
الطريق الطبيعي لتنظيم هذا النشاط كان يفترض أن يمرّ عبر لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (COPUOS)، وهي الهيئة المكلَّفة بالتفاوض حول قواعد التعاون الفضائي الدولي. لكن هذه اللجنة تعمل بقاعدة التوافق الكامل بين الدول المشارِكة، وهي القاعدة التي أفشلت مؤخراً مقترحاً لتشكيل مجموعة خبراء تراقب التلوث الضوئي الناتج عن الأقمار الصناعية، رغم دعم دولٍ من قبيل تشيلي وإسبانيا وسلوفاكيا وبلغاريا والجمهورية الدومينيكية وبيرو وجنوب أفريقيا لهذا المقترح.
يقول آرون بولي، الفلكي في جامعة كولومبيا البريطانية والمدير المشارك لمعهد Outer Space Institute: "تمرير أي شيء عبر COPUOS يمكن أن يكون بالغ الصعوبة، لأن اللجنة تعمل بالتوافق". ويضيف: "التوافق صعب المنال جداً، ولهذا تتعطّل كثير من المبادرات". من هنا، اتجه فريق بولي إلى مسارٍ مختلف: استصدار طلبٍ من الجمعية العامة للأمم المتحدة لمحكمة العدل الدولية بإصدار رأي استشاري يوضّح التزامات الدول المُطلِقة تجاه ازدحام المدار الأرضي وحماية سماء الليل من التلوث الضوئي المفرط.
آلية أقل تعقيداً من التوافق
الفرق الجوهري هنا في آلية التصويت. فبينما تتطلب COPUOS إجماعاً كاملاً، تكفي في الجمعية العامة نسبة 50% زائد صوتٍ واحد من الدول المصوِّتة لتمرير طلب الرأي الاستشاري، ويمكن لدولة عضو واحدة أن تتقدّم بمشروع القرار. يوضّح بولي: "لا تحتاج إلا إلى 50% زائد واحد من الدول المصوِّتة"، ويضيف: "هذا يجعل الأمر بالغ الصعوبة على دولةٍ واحدة لعرقلته. وإذا شعرت دولة، لأي أسبابٍ سياسية، بأنها لا تستطيع التصويت، فهي لا تزال عاجزة عن إيقاف القرار".
المقترح تحديداً يستهدف تفسير معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، وبالأخص المادة التاسعة منها التي تُقرّ مبدأ "الاعتبار الواجب" (due regard)، والذي يُلزم الدول بأن تحترم في أنشطتها الفضائية مصالح الدول الأخرى وأنشطتها. وهو المبدأ الذي يرى الفلكيون أنه يوفّر الأساس القانوني الكافي لمحاسبة الدول المُطلِقة للأقمار الصناعية والمرايا المدارية، بعد سنواتٍ من محاولاتٍ غير موفَّقة للتفاوض مباشرة مع مشغّلي هذه الأنظمة والحكومات المرخِّصة لها.
سابقة فانواتو: كيف تحوّل رأي غير مُلزِم إلى سلاح قانوني
القصة ليست بلا سابقة. فقد حصلت دولة فانواتو، جزيرة صغيرة في جنوب المحيط الهادئ، على دعمٍ واسع في 2023 لطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول التزامات الدول في مواجهة تغيّر المناخ. المحكمة أصدرت رأيها في يوليو 2025، مؤكِّدة أن على الدول منع الضرر المناخي الذي يقع على الدول الهشة والأجيال القادمة، مع إمكانية مواجهة تبعاتٍ قانونية عند التقصير في تلك الالتزامات. وفي مايو 2026، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً مستنداً إلى ذلك الرأي.
المهم في هذه السابقة أن نشطاء المناخ استخدموها فعلياً في محاكم محلية حول العالم، ومن ذلك القضية التي رفعتها جماعات حملات ضد شركة النفط الفرنسية TotalEnergies، حيث طلبت من محكمةٍ في باريس إلزام الشركة بالإفصاح عن مخاطرها المناخية. وفي يونيو الماضي، حكمت المحكمة الباريسية بإلزام TotalEnergies بهذا الإفصاح، في مثالٍ عملي على كيفية تحويل رأي استشاري غير مُلزِم إلى أداة تأثير قضائي حقيقي.
هنا يشير روبن ج. فرانك، الخبير في القانون والسياسة الدولية والمستشار القانوني السابق لدى ناسا، إلى الحدود الحقيقية لهذه الآلية: "محكمة العدل الدولية لا تملك آلية تنفيذ، فآراؤها الاستشارية أقرب إلى أداةٍ دبلوماسية". لكنه يضيف: "مع ذلك يمكن أن تكون بالغة القيمة. فهي تساعد على رفع الوعي بالقضية، وتمنح الدول المتشابهة في الرؤية فرصةً للتعاون، وتحمل سلطة أخلاقية معيّنة. وفي النهاية، غالباً ما تكون مصلحة الدولة الذاتية في الالتزام بالمعايير الدولية". ويؤكد فرانك أن "استخدام رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري في الدعاوى القضائية المحلية يحمل ثقلاً كبيراً"، وأنه "قد يساعد في إقناع المحاكم المحلية بالامتثال له عملياً، ويمكن أن يُحدث تأثيراً كبيراً".
ما الذي يمكن أن يتغيّر فعلياً؟
بولي نفسه لا يعوّل على تحوّلٍ فوري في السياسات الأمريكية. يقول: "حتى وإن لم يكن مُلزِماً قانونياً، فإن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يحمل سلطة استثنائية"، مضيفاً أن "بإمكان أحدٍ، مثلاً، الاستناد إليه لإثارة نزاعٍ فعلي". وفي وصفه لحدود التأثير المباشر، يقول: "محكمة العدل الدولية لن تخبر الولايات المتحدة بعدد الأقمار الصناعية التي يمكنها إطلاقها أو لا يمكنها"، لكنه يستدرك: "لكن مع مرور الوقت، يمكن أن يُغيّر ذلك الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع ترخيص الأقمار الصناعية عموماً".
هذا التمييز بين التأثير القانوني المباشر والتأثير التراكمي على السياسات هو ما يجعل مبادرة معهد Outer Space Institute مراهنةً طويلة النفس أكثر من كونها حلاً سريعاً. فمصير المقترح يتوقّف أولاً على قدرة دولة عضو في الأمم المتحدة على حشد التأييد اللازم لطلب الرأي الاستشاري، ثم على استعداد المحاكم المحلية والهيئات التنظيمية، مثل هيئة الاتصالات الفدرالية الأمريكية، للاستئناس بما ستقوله محكمة العدل الدولية حين تتحدّث، إن تحدّثت، عن واجب الدول في حماية سماء الليل من الازدحام المداري والتلوث الضوئي.
أخبار ذات صلة

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري

صورة عمرها 72 سنة تكشف أسرار «مرتنيت» التي حكمت قبل 5 آلاف سنة
