سن نادرة تنمو فوق العين تكشف لغز طبي فريد
مراهق هندي يعاني من ظهور سن ناضجة فوق عينه اليمنى في حالة طبية نادرة عالمياً جرت بنجاح جراحي. قصة استثنائية تكشف لغز نمو الأسنان خارج الفم وتفتح آفاقاً جديدة للبحث الطبي في وورلد برس عربي.

ظهور سنٍّ ناضجة تخترق الجلد فوق العين اليمنى لمراهقٍ هندي يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مشهدٍ من كتب الطب النادرة، لكنه ما جرى فعلاً مع صبيٍّ في السادسة عشرة من عمره في الهند، وانتهى بجراحةٍ ناجحة وحالةٍ طبية وُصفت بأنها الأولى من نوعها في العالم. القصة، التي وثّقها فريقٌ طبي في مستشفى Aravind للعيون ونُشرت في مجلة Ophthalmology عام 2026، تكشف كيف يمكن لعضوٍ من الفم أن ينمو في مكانٍ لا علاقة له به تشريحياً، وهو ما يُعرف طبياً بـ«السن المنتبذ» أو «الخارج عن مكانه» (Ectopic Tooth).
كيف بدأت القصة، ولماذا استغرق التشخيص أشهراً؟
بدأت الحالة بأعراضٍ لا تثير القلق: تورّمٌ غير مؤلم في الجفن العلوي الأيسر للمراهق، استمرّ لأشهرٍ قليلة دون أن يستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً. لكن الأمور تغيّرت حين ظهر نتوءان أبيضان حادّان فوق العين، وهو ما دفع الأهل، بعد نحو شهرٍ من ظهورهما، إلى التوجّه بالصبي إلى المستشفى.
وصفت الدكتورة ميغانا تانوار (Dr. Meghana Tanwar)، الاستشارية الطبية ، ما لاحظه الأطباء عند الفحص قائلة إن النتوءين كانا يتّسمان بـ«سطحٍ ناعم نسبياً وصلابةٍ عند الجس». هذا الوصف الإكلينيكي دفع الفريق الطبي في البداية إلى التفكير في احتمالين رئيسيين: إما وجود ورمٍ مسخي (Teratoma) وهو ورمٌ قد يحتوي على أنسجةٍ متعددة كالعظم والسن أو جسمٍ غريب مستقرّ داخل الجفن.
الحسم جاء عبر التصوير المقطعي المحوسب (CT)، الذي أظهر أن ما يظهر فوق عين الصبي ليس سوى جزءٍ من سنّ كاملة، متمركزة في «الحجاج العلوي» (Superior Orbit)، أي المنطقة الواقعة بين الجفن والحاجب. وتصف الدكتورة تانوار لحظة التشخيص بقولها: «كان تركيب سنٍّ منفردة في الحجاج العلوي واضحاً تماماً».
جراحة ناجحة، وسنٌّ لا تشبه ما توقّعه الأطباء
خضع المراهق لعمليةٍ جراحية لاستئصال السن المنتبذة، وكشفت الفحوصات بعد الاستخراج أنها سنّ ناب ناضجة (Mature Canine)، من دون أي ملامح تشير إلى ورمٍ مسخي، ما استبعد أحد الاحتمالين اللذين طُرحا في البداية. كما أظهرت الصور الإشعاعية عدم وجود أي أسنانٍ منتبذة أخرى في الجسم، وهو ما جعل الفريق الطبي يستبعد احتمال تكرار الحالة لدى المريض نفسه. وتقول الدكتورة تانوار في هذا الصدد: «بما أن التصوير الذي أُجري لم يُظهر وجود أي أسنانٍ منتبذة أخرى، فإن احتمال وجود سنٍّ إضافية لديه يبدو مستبعداً».
أما عن الطابع الاستثنائي للحالة، فتوضّح الطبيبة أن هذا النوع من الأسنان يقع خارج القوس السنية بشكلٍ كامل، وهو أمرٌ أندر بكثير من الحالات المعروفة سابقاً في الأدبيات الطبية، مضيفةً: «على حدّ علمنا، هذه هي أول وأوحد سنٍّ منتبذة يُبلَّغ عنها في الحجاج العلوي»، وأكملت: «كانت هذه حالةً أولى ليس فقط بالنسبة لنا، بل على مستوى العالم بأسره»، معترفةً بأن الفريق الطبي «فوجئ بها كثيراً».
أين تظهر الأسنان المنتبذة عادة، ولماذا هذه الحالة استثناء؟
لوضع الحالة في سياقها الوبائي الصحيح، تجدر الإشارة إلى أن الأسنان المنتبذة أي التي تنمو وتبزغ في مواضع غير طبيعية ليست نادرة تماماً حين يتعلّق الأمر بأضراسٍ داخل الفم؛ إذ تشير البيانات إلى أن الأضراس الدائمة الأولى المنتبذة تحدث لدى ما بين 2% و6% من الناس. لكن الأمر يختلف جذرياً حين تكون السن خارج القوس السنية بالكامل، كما في حالة هذا المراهق، وهو ما يجعلها أندر بكثير إحصائياً.
وقد سبق أن وثّقت الأدبيات الطبية حالاتٍ لأسنانٍ منتبذة في مواقع أخرى، من بينها التجويف الأنفي وأسفل الحجاج، إضافة إلى فتحتَي الأنف والذقن والجيب الفكّي العلوي وهو تجويفٌ يقع داخل عظم الخد. وتحمل الدكتورة تانوار خبرةً سابقة ذات صلة، إذ سبق أن رصدت سنّاً في محجر عين مريضٍ آخر، لكنها كانت جزءاً من «الكوريستوما السنيّة المنشأ» (Odontogenic Choristoma)، وهي كتلةٌ نادرة في محجر العين، أي حالةٌ مختلفة سريرياً عن حالة هذا المراهق التي خلت من أي علامات ورمية.
سبب لا يزال مجهولاً
رغم نجاح التشخيص والعلاج، يبقى السبب الكامن وراء ظهور هذه السن في مكانها غير الطبيعي لدى المراهق مجهولاً حتى الآن. وبشكلٍ عام، تربط الدراسات ظهور الأسنان المنتبذة بعدة عوامل محتملة، منها الاضطرابات النمائية، أو الرضوض الجسدية، أو الالتهابات، أو عوامل وراثية دون أن يكون بالإمكان الجزم بأيٍّ منها في هذه الحالة تحديداً.
هذا الغموض في السبب يُبقي الباب مفتوحاً أمام مزيدٍ من البحث في آليات نمو الأنسجة السنّية خارج مواضعها التشريحية المعتادة، خصوصاً أن التقرير، الذي أعدّه كلٌّ من تانوار وشارما وكيم ونُشر في مجلة Ophthalmology بمعرّف النشر الرقمي المنتهي بـ2025.12.020، يصف هذه الحالة بأنها الوحيدة من نوعها المسجّلة عالمياً حتى تاريخه. وتبقى الحالة تذكيراً بأن التصوير الإشعاعي الدقيق يظل الأداة الحاسمة في تمييز الأورام النادرة عن التشوهات النمائية، وهو فارقٌ يُحدّد مسار العلاج بأكمله.
أخبار ذات صلة

مرحلة الأحلام الحية في النوم مرتبطة بانخفاض خطر 83 مرضاً

تغيير غذائي بسيط يعكس مؤشرات العمر البيولوجي في أربعة أسابيع

تمرينات تقوّي العظام: ترتيب علمي للأفضل
