ستارشيب تحقق النجاح المداري وتمهد لمهمات القمر والمريخ
بعد 13 محاولة فاشلة نجحت مركبة Starship من SpaceX في بلوغ المدار الأرضي ونشر 26 قمراً صناعياً من شبكة Starlink، ما يمهد الطريق لرحلات مأهولة إلى القمر والمريخ ويعزز طموحات استكشاف الفضاء المستقبلية وورلد برس عربي.

بعد ثلاثة عشر محاولة سابقة، تمكّنت مركبة Starship التابعة لشركة SpaceX أخيراً من بلوغ المدار الأرضي، في رحلةٍ حملت اسم Flight 14 وانطلقت من قاعدة Starbase في جنوب ولاية تكساس يوم 28 سبتمبر. الحدث لا يمثّل مجرّد اختبارٍ تقني إضافي، بل محطّة فاصلة في مسار مركبةٍ يُفترض أن تحمل رواد الفضاء إلى القمر ثم إلى المريخ خلال السنوات المقبلة.
الإقلاع تمّ الساعة 8:48 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (1248 بتوقيت غرينتش، أو 7:48 صباحاً بتوقيت تكساس)، وسط وصفٍ من الشركة لمنظومة Starship وSuper Heavy بأنها "أكبر وأقوى مركبة إطلاق بُنيت على الإطلاق". لكنّ الرحلة لم تسِر دون عقبات: أحد محركات المرحلة العلوية الستة تعطّل أثناء الإقلاع، ما دفع فريق التحكم إلى إلغاء عملية الدخول المداري مبدئياً، قبل أن يعود ويُراجع القرار بعد دقائق ويسمح للمركبة بمواصلة مسارها نحو المدار.
كيف انتقلت المركبة من التعطّل إلى المدار؟
بعد نحو سبع دقائق من الإقلاع، نفّذت المعزّز Super Heavy هبوطاً محكوماً في خليج المكسيك، رغم تعرّضها لعدّة حالات إيقاف تشغيل في محركاتها لم تؤثر في نجاح الهبوط. وفي المرحلة العلوية، أطلقت المركبة المعروفة باسم Ship 41 محرّك Raptor واحداً بعد نحو 25 دقيقة من الإقلاع لإتمام الدخول المداري، لتصل فعلياً إلى المدار الأرضي المنخفض بعد نحو 30 دقيقة من الانطلاق.
عند تلك اللحظة، أعلنت غرفة التحكم في المهمة: "Starship is orbital" (ستارشيب في المدار)، فيما كتب الرئيس التنفيذي لشركة SpaceX، إيلون ماسك، عبر منصته: "أول رحلة مدارية ناجحة لـStarship!". وقبل تأكيد النجاح، كان المتحدث باسم الشركة دان هويت قد لخّص أجواء الترقّب بقوله: "لم نستسلم بعد. سنبقى... على حافة مقاعدنا".
ماذا كانت تحمل المركبة، ولماذا يهمّ ذلك مستقبل الإنترنت الفضائي؟
الهدف الأساسي المعلن لرحلة Flight 14 لم يكن الدخول المداري وحده، بل أيضاً نشر 26 قمراً صناعياً من الجيل الجديد Starlink V3، وهي أقمار النطاق العريض المتطوّرة التابعة لشبكة SpaceX. وكان من المقرّر أن تبدأ عملية النشر عند الدقيقة 34 من الرحلة، وتستمر على مدى 30 دقيقة. ثلاثة من هذه الأقمار السبعة والعشرين مزوّدة بكاميرات مخصّصة لمسح جسم المركبة نفسها، إذ يعتزم مهندسو SpaceX دراسة الصور الملتقطة لتحسين تصميم الدرع الحراري الذي يحمي المركبة أثناء العودة إلى الغلاف الجوي.
هذه التفصيلة الصغيرة تكشف عن منطق تراكمي يحكم برنامج Starship بأكمله: كل رحلة تُستثمر لتحسين الرحلة التالية. ويُذكر أن منظومة Starlink، في مخططها الأوسع، تستهدف بناء كوكبة ضخمة قد تضمّ نحو 100,000 قمر صناعي، وهو رقم يمنح فكرةً عن حجم الطموح التجاري الذي يقف خلف هذه الرحلات التجريبية المتكرّرة.
بعد إتمام عملية النشر، كان مقرّراً أن تبقى المركبة في المدار نحو ثماني ساعات إضافية، قبل أن تهبط في المحيط الهادئ قبالة سواحل تشيلي، لتصل بذلك مدة الرحلة الكاملة إلى نحو 9 ساعات و50 دقيقة وهي أطول رحلة تختبرها Starship حتى الآن، وتحمل الرقم 14 ضمن سلسلة رحلات الاختبار، والثالثة التي تستخدم فيها الشركة الإصدار Version 3 من المركبة، المصمَّم خصيصاً لنشر الأقمار الصناعية والوصول إلى القمر والمريخ.
من اللافت أنّ هذا الهبوط قبالة تشيلي يمثّل موقعاً جديداً كلياً، إذ كانت الرحلات المدارية الفرعية السابقة تستهدف المحيط الهندي قبالة غرب أستراليا. أما رحلة Flight 13 في يوليو، فقد نشرت أقمار Starlink V3 أيضاً، لكن على مسارٍ دون مداري، ما جعل تلك الأقمار تسقط سريعاً إلى الأرض دون أن تدخل الخدمة وهو ما يجعل نجاح Flight 14 في بلوغ المدار الفعلي نقلة نوعية حقيقية وليست مجرّد تكرار لتجربة سابقة.
لماذا يراقب برنامج أرتميس هذه الرحلات بهذا القدر من الحذر؟
تكمن الأهمية الأعمق لهذه الرحلة في ارتباط Starship ببرنامج ناسا (NASA) لاستكشاف القمر، «أرتميس» (Artemis)، الذي اختار هذه المركبة لتكون أول عربة هبوط مأهولة ضمن مهمّاته. يهدف البرنامج إلى إقامة قاعدة قرب القطب الجنوبي للقمر خلال نحو خمس سنوات. ووفق الجدول الزمني الحالي، تخطّط SpaceX لأن تحمل المركبة رواد مهمة Artemis III إلى المدار الأرضي المنخفض في منتصف عام 2027، على أن تتبعها مهمة Artemis IV بعد عام واحد لتنزل بالرواد قرب القطب الجنوبي للقمر مباشرة. كما اختارت ناسا شركة Blue Origin أيضاً كمزوّد آخر لمركبات الهبوط المأهولة، فيما لا يزال من غير الواضح أيّ من المركبتين ستُستخدم فعلياً في مهمة Artemis IV.
غير أنّ الطريق إلى هذه المهمات المأهولة لا يزال طويلاً من الناحية التقنية. فمشروعات القمر والمريخ تتطلّب إطلاق عدّة ناقلات وقود للتزويد المداري بالوقود، وهي عملية لم تُختبر بعد فعلياً من قبل SpaceX. كما لم تُجرِ الشركة حتى الآن أي محاولة "التقاط" للمركبة العلوية Ship عبر ذراع برج الإطلاق، رغم نجاحها في تنفيذ ثلاث عمليات التقاط للمعزّز Super Heavy في رحلات اختبار سابقة وهي تقنية تهدف إلى تسريع إعادة استخدام المركبات وخفض كلفتها. ويبقى أيضاً تركيب أنظمة دعم الحياة شرطاً لازماً قبل أي رحلة مأهولة مثل Artemis IV، إضافة إلى ضرورة تكرار النجاح في رحلات غير مأهولة عديدة قبل السماح بصعود رواد الفضاء على متنها.
من الناحية الفنية البحتة، تبلغ Starship ارتفاعاً قدره 407 أقدام (124 متراً)، وقادرة على حمل أكثر من 110 أطنان (100 طن متري) إلى المدار الأرضي، وهي مصمّمة بالكامل هي والمعزّز Super Heavy لإعادة الاستخدام السريع والمتكرّر. وتربط تصريحات الشركة، وتصريحات ماسك تحديداً، هذه القدرات بفكرة استيطان المريخ بكلفةٍ اقتصادية مجدية، وإن ظلّ هذا الطرح حتى الآن أقرب إلى رؤية طويلة المدى منه إلى خطة تنفيذية مكتملة الأركان.
نجاح Flight 14 في بلوغ المدار يمنح SpaceX دليلاً ملموساً على تقدّم برنامجها، لكنه لا يُنهي سلسلة الاختبارات المقبلة. فبين إثبات إمكانية التزوّد بالوقود خارج الأرض، وتجربة التقاط المركبة العلوية بذراع البرج، وتركيب أنظمة دعم الحياة، لا تزال محطات حاسمة تفصل هذه المركبة عن أول رحلة تحمل بشراً فعلياً نحو القمر.
أخبار ذات صلة

منصة Nvidia الجديدة لضبط وكلاء الذكاء الاصطناعي الشاردة

شاحنات القمامة بالهيدروجين في لايبزيغ تفشل في الاختبار الفعلي

من يتحمّل المسؤولية حين يخرج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟
