وورلد برس عربي logo

تحديات الطبيبة اللبنانية في ظل الحرب والتمييز

تخرجت لين عزّ الدين من Harvard، لكن قصتها تتجاوز النجاح الأكاديمي. في خطابها، ربطت بين حياتها كطبيبة وظروف زملائها في لبنان وفلسطين، مُسلّطةً الضوء على الفوارق الظالمة. تعالوا لاكتشاف رسالتها الإنسانية القوية.

لين عزّ الدين، خريجة كلية الطب في Harvard، تبتسم بفخر مرتديةً زي التخرج، مع خلفية من الأشجار والمباني الأكاديمية.
تظهر خريجة كلية الطب بجامعة هارفارد، لين عز الدين، في صورة التقطت في بوسطن، الولايات المتحدة، في 28 مايو 2026 (لاما عودي/ميدل إيست آي)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين وقفت لين عزّ الدين أمام زملائها في كلية الطب بجامعة Harvard، كان يمكن لهذه اللحظة أن تُصاغ على النحو المألوف: امرأةٌ لبنانية تتخرّج طبيبةً من إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم.

لكنّ عزّ الدين اختارت أن تروي قصّةً مختلفة.

في خطابها خلال حفل التخرّج الأسبوع الماضي، تحدّثت عن الظروف والحدود والحظّ، وعن الخيط الرفيع الذي يفصل حياتها عن حياة طلاب الطب في لبنان وفلسطين أولئك الذين يحملون الطموح ذاته، لكنّهم يدرسون تحت أجواء الطائرات المسيّرة والقصف والتهجير.

ذلك الخيط لم يكن مجرّد استعارة بالنسبة إليها. فبينما كانت منهمكةً في دراستها في Harvard، دمّر صاروخٌ أمريكي أطلقته إسرائيل منزلَ عائلتها في بلدة عرب صاليم، قرية أمّها في جنوب لبنان، في أكتوبر 2024.

كانت تلك القرية التي اعتادت قضاء صيفها فيها، محاطةً بأبناء عمومتها وأقاربها وجدّيها حياة شمس الدين وعلي زيّور، اللذَين اضطُرّا لاحقاً إلى مغادرة بيتهما والانتقال إلى بيروت بعد أن هُدم.

وقد ظلّت عرب صاليم تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتكرّر، بما في ذلك في اللحظة التي كانت فيها عزّ الدين تُلقي خطابها الذي انتشر لاحقاً على نطاقٍ واسع في الفضاء الرقمي.

كان التناقض صارخاً: هي تقف في Harvard طبيبةً متخرّجة، بينما كانت القرية التي صنعت ذاكرتها الطفولية وذاكرة عائلتها تتعرّض للقصف.

هذا التناقض بالذات أصبح المحور العاطفي والسياسي لخطابها.

لم يكن الخطاب عن غزّة وحدها، ولا عن لبنان وحده، ولا عن عنف الحرب بمعزلٍ عن سياقه. كان عن معنى أن تصبح طبيباً داخل مؤسسةٍ نخبوية بينما تُحرم مجتمعاتٌ بأكملها من أبسط شروط الحياة.

من غزّة إلى الحرم الجامعي الأمريكي

قالت عزّ الدين بعد الخطاب: "أعلم أنّني لستُ هنا بفضل العمل الجاد وحده، أو لأنّني أستحقّ ذلك أكثر من غيري. ببساطة، كانت ظروفي مختلفةً جداً."

جاءت كلماتها في حفل التخرّج في لحظةٍ تحوّلت فيها Harvard، كغيرها من الجامعات الأمريكية، إلى ساحةٍ للصراع حول فلسطين والحرية الأكاديمية وضغوط المانحين واحتجاجات الطلاب وحدود الخطاب المؤسسي.

عبر الحرم الجامعية الأمريكية، واجه طلابٌ يطالبون بسحب الاستثمارات من شركاتٍ مرتبطة بالحرب الإسرائيلية على غزّة إجراءاتٍ تأديبية ومداهماتٍ أمنية وتعليقاً للقيد وتهماً بتجاوز حدود الاحتجاج السياسي إلى الفوضى أو معاداة السامية.

في Harvard تحديداً، كان هذا الجدل قد بلغ حفلَ التخرّج قبل عامٍ من ذلك، حين انسحب مئات الخرّيجين دعماً لزملاء مُنعوا من التخرّج بسبب مشاركتهم في اعتصامٍ مؤيّد للفلسطينيين.

ومنذ ذلك الحين، باتت طريقة الجامعة في التعامل مع النشاط الحقوقي المرتبط بغزّة جزءاً من نقاشٍ وطني أوسع حول ما إذا كانت الأكاديميا الأمريكية تحمي حرية الرأي أم تُعاقب عليها حين يتعلّق الأمر بفلسطين.

دخل خطاب عزّ الدين هذا الفضاء المشحون لا بوصفه أداءً سياسياً، بل شهادةً شخصية. تحدّثت بوصفها طبيبةً وامرأةً لبنانية، وشخصاً يُدرك تماماً أنّ مسيرته لم تتشكّل بالجهد وحده، بل بالحظّ أيضاً ذلك الحظّ الذي حُرم منه كثيرون.

ربطت عزّ الدين مسيرتها في الطب بطلابٍ في لبنان وفلسطين يشاركونها الإصرار ذاته والانضباط ذاته والتفاني ذاته في خدمة الطب، لكنّهم يسعون إلى تحقيق ذلك الحلم وسط بنيةٍ تحتية منهارة وتهديدٍ دائمٍ بالموت.

قالت : "الفارق الوحيد بيني وبين طلابٍ يشاركونني الحلم ذاته وأخلاقيات العمل ذاتها والتفاني ذاته في الطب، هو أنّهم اضطُرّوا إلى مطاردة ذلك الحلم في ظروفٍ لا ينبغي لأيّ طالبٍ أن يتحمّلها."

بالنسبة لعزّ الدين، كان ذلك التناقض يهدف إلى إعادة الوجوه إلى أناسٍ كثيراً ما يُناقَشون بوصفهم أرقاماً أو ضحايا أو مشكلاتٍ سياسية. مستشهدةً بالناشطة الحقوقية الأفروأمريكية Assata Shakur، قالت إنّ إلغاء الإنسانية شرطٌ مسبقٌ للعنف.

نقلت عزّ الدين عن Shakur قولها: "الناس الذين يعيشون في أماكن أخرى ليس لهم وجوه. إلغاء الإنسانية شرطٌ أساسي لمعظم أشكال العنف."

وأضافت أنّ ذلك هو السبب في أهمّية المقارنة؛ أرادت أن تُذكّر أقرانها وزملاءها ومعلّميها بأنّ الناس الذين يُقتلون أو يُهجَّرون أو يُحرمون من أبسط شروط الحياة ليسوا مجرّد تجريدات.

قالت: "نحن بشرٌ لنا وجوه وعائلات وأحلام. حياتنا ليست أقلّ امتلاءً ولا أقلّ قداسةً ولا أقلّ استحقاقاً من حياة غيرنا."

"عملنا لا يبدأ وينتهي عند سرير المريض"

أحدث الخطاب صدىً واسعاً لأنّه جاء من داخل إحدى المؤسسات الأكثر ارتباطاً بالنجاح المهني النخبوي. لم تكن عزّ الدين تتحدّث من خارج المنظومة، بل من قلبها، في اللحظة التي كانت تُرحَّب فيها بها في أعرق مهنٍ في تلك المنظومة.

هذا ما جعل رسالتها أكثر حدّةً. فبالنسبة إليها، لا يمكن فصل الطب عن المنظومات التي تحدّد مَن يحظى بالأمان والرعاية والغذاء والحركة والمأوى والمستشفيات.

قالت : "الطب علمٌ اجتماعي، والسياسة ليست سوى الطب على نطاقٍ واسع. عملنا لا يبدأ وينتهي عند سرير المريض."

وأكّدت أنّ صحّة المريض تتشكّل قبل وصوله إلى الطبيب بكثير.

قالت: "صحّة المريض تتحدّد بما إذا كان يملك مسكناً ومياهاً نظيفةً وغذاءً وأماناً وحرية تنقّلٍ وإمكانية الوصول إلى مستشفىً لم يُقصف أو تُجفَّف موارده. لذا حين تُقرّر الخيارات السياسية مَن يُسمح له بالعيش بكرامة ومَن يُحرم من أبسط شروط البقاء، لا يستطيع الأطباء التظاهر بأنّ الطب والسياسة منفصلان."

كانت كلماتها أيضاً تحدّياً للتعليم الطبّي ذاته. في قاعات الدراسة، يتعلّم الطلاب التعرّف على إلغاء الإنسانية بوصفه خطراً داهماً، ويتشرّبون لغة العدالة الصحية والعنف البنيوي والصدمة والمحدّدات الاجتماعية للصحة. لكنّ غزّة كشفت كما أشارت عزّ الدين كم يمكن لتلك المبادئ أن تتلاشى سريعاً حين تصبح الأرواح المعنيّة "غير مريحةٍ سياسياً".

هذا التناقض يُلاحق كثيراً من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأمريكية منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزّة. أصدرت الجامعات بياناتٍ وشدّدت قواعد الاحتجاج وحقّقت مع طلابٍ وتفاوضت مع المعتصمين و واجهت تمرّداً من المانحين وانجرّت إلى معارك في الكونغرس و وسائل الإعلام حول معاداة السامية وحرية التعبير.

كان تدخّل عزّ الدين مهمّاً لأنّه رفض اعتبار الصمت موقفاً محايداً.

حين سُئلت عمّا إذا كانت تشعر بوجود مخاطر شخصية أو مهنية جرّاء الجهر برأيها، وضعت نفسها في سياقٍ تاريخيٍّ أطول من أشخاصٍ عُدَّت مواقفهم الأخلاقية خطيرةً في زمانهم.

قالت: "الجهر بالرأي في لحظات الظلم لم يكن سهلاً قطّ في وقته." وأشارت إلى شخصياتٍ من أمثال Malcolm X وAssata Shakur وNelson Mandela وMartin Luther King Jr، مُلاحِظةً أنّ جميعهم أُدينوا قبل أن يُحتفى بهم لاحقاً.

قالت: "الوضوح الأخلاقي يكون في الغالب أكثر كُلفةً قبل أن يصبح مقبولاً على نطاقٍ واسع."

ثمّ استحضرت الناشطة والمفكّرة الأفروأمريكية Audre Lorde: "صمتكِ لن يحميكِ."

من الكلمات إلى الفعل

إن كان الخطاب قد استقطب التأييد، فلأنّ كثيرين سمعوا فيه لا غضباً فحسب، بل مسؤوليةً أيضاً. لم تكن عزّ الدين تطلب من الأطباء أن يتحوّلوا إلى سياسيين، بل كانت تطلب منهم الإقرار بأنّ للطب تبعاتٍ سياسية حين تُحرم شعوبٌ بأكملها من الشروط الضرورية للبقاء.

قالت: "في السنوات القليلة الماضية، لم يكن الذين ذكّروني بسبب دخولي الطب أساتذتي أصحاب المئات من المنشورات والألقاب المرموقة."

بدلاً من ذلك، استشهدت بطلاب طبٍّ من أمثال عزّ لولو في غزّة، الذي استشهدت عائلته في غارةٍ إسرائيلية على منزلهم، وبأطباءٍ من أمثال الجرّاح البريطاني الفلسطيني البارز الدكتور غسّان أبو ستّة، "الذين أظهروا شجاعةً وتفانياً و وضوحاً أخلاقياً في ظروفٍ يعجز معظمنا عن تخيّلها."

وأضافت: "في نظري، هم يجسّدون أعمق معنى لما يعنيه أن تكون طبيباً."

سرعان ما تجاوز الصدى الذي أحدثه الخطاب حدود الإطراء والانتشار الرقمي. أطلقت عزّ الدين حملةً على GoFundMe لدعم الحوامل والمواليد والأسر النازحة في لبنان بالمستلزمات العاجلة، من حليب الأطفال والحفّاضات والمراتب والبطانيات والمستلزمات الطبية الأساسية وغيرها من الاحتياجات المعيشية.

لكنّها ترى في الحملة أكثر من مجرّد إغاثةٍ طارئة.

قالت: "ذكّرتني بعدد الناس في الولايات المتحدة الذين يبحثون فعلاً عن طريقةٍ للمساعدة، وبمقدار القوّة الكامنة حين يصبح جمع التبرّعات منظّماً وراسخاً في المجتمع ومسؤولاً أمام الناس على أرض الواقع."

ربّما يكون هذا المرحلةَ التالية لما بدأ خطاباً في حفل تخرّج: تحويل لحظة الوضوح الأخلاقي إلى بنيةٍ دائمة للدعم.

على المدى البعيد، تطمح عزّ الدين إلى بناء شيءٍ أكثر رسوخاً: منظّمةٌ شعبية تستجيب للاحتياجات العاجلة في لبنان، وتُسهم في الوقت ذاته في تمكين المزيد من أبناء مجتمعاتٍ كمجتمعها من الوصول إلى مؤسساتٍ كـHarvard والطب وغيرها من مواقع النفوذ.

قالت: "لأنّنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ منّا في هذه الغرف."

لم يحسم خطاب عزّ الدين التناقضات التي أسمتها. Harvard لا تزال Harvard. الأكاديميا الأمريكية لا تزال ساحةً متنازَعاً عليها بعمق. وغزّة لا تزال اختباراً لما إذا كانت المؤسسات التي تُدرّس الأخلاق والطب والقانون وحقوق الإنسان والخدمة العامة قادرةً على تطبيق تلك المبادئ حين يكون الضحايا "غير مريحين سياسياً".

لكنّ خطاب عزّ الدين كان مهمّاً لأنّه اخترق راحة الاحتفال. أصرّ على أنّ القسم الطبّي لا يعني شيئاً إن وقف عند باب العيادة. وطرح السؤال: ماذا يعني أن تصبح طبيباً في عالمٍ تُحمى فيه بعض المستشفيات وتُقصف أخرى، وتُتخرَّج فيه بعض الفئات إلى المجد الأكاديمي بينما يدرس آخرون تحت أجواء الطائرات المسيّرة، وتُحزن عليها المؤسسات بينما تُبرَّر أرواحٌ أخرى بالخطاب السياسي؟

في جوهره، كان مضمون رسالتها بسيطاً: الطب ليس علاج الجسد الذي أمامك فحسب. هو رفض المنظومات التي تقرّر أنّ بعض الأجساد أقلّ استحقاقاً للرعاية.

وفي بيئةٍ جامعية تعلّم فيها كثيرون ثمن الكلام عن فلسطين ولبنان، اختارت لين عزّ الدين أن تتكلّم على أيّ حال.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة ترتدي حجابًا ملونًا، واقفة في زاوية غرفة ذات جدران وردية، تعكس معاناتها بعد الإفراج عنها من الاختطاف والاعتداء.

النساء يروين قصصاً عن الاغتصاب والفدية في حرب السودان المستمرة

في قلب الفوضى والحرب في السودان، تتكشف مآسي النساء اللواتي تعرضن للاختطاف والاعتداء. قصص مؤلمة عن العبودية الجنسية والفدية تتطلب منا الوقوف معهن. اكتشفوا المزيد عن هذه الظاهرة المروعة وكيف يمكننا دعمهن.
حقوق الإنسان
Loading...
ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، يتحدث أمام الكونغرس حول إعادة توطين الأفغان، مع التركيز على التحديات السياسية والإنسانية.

الولايات المتحدة تواصل مفاوضات إعادة توطين الأفغان بينما يدافع روبيو عن استقبال جنوب أفارقة بيض

بينما تتزايد المخاوف بشأن مصير أكثر من 1,000 أفغاني، تواصل الولايات المتحدة محادثاتها لإعادة توطينهم. هل ستفي أمريكا بوعدها لهؤلاء الذين خدموا بجانب جنودها؟ اكتشف التفاصيل المثيرة في هذا المقال.
حقوق الإنسان
Loading...
صورة تظهر مدرباً يتحدث مع حكم خلال مباراة NBA، مع شعار طيران الإمارات على زي الحكم، تعكس الشراكة بين NBA والإمارات.

الدعوات تتجدّد: الرابطة الأمريكية لكرة السلة والإمارات في الميزان قبل النهائيات

في ظل الأضواء الساطعة لنهائيات الـ NBA، تتشابك الرياضة مع السياسة في شراكات مثيرة للجدل مع الإمارات. هل ستستمر هذه العلاقات رغم الانتهاكات الإنسانية؟ اكتشف المزيد عن تأثير هذه الشراكات على مستقبل الرياضة.
حقوق الإنسان
Loading...
أفراد فلسطينيون مقيدون ومعصوبو الأعين يرتدون ملابس بيضاء، برفقة جندي إسرائيلي مسلح، في سياق اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان.

إسرائيل تُدرج في «قائمة الأمم المتحدة السوداء» لجرائم العنف الجنسي في مناطق النزاع

في خطوة جديدة ، أدرجت الأمم المتحدة إسرائيل في القائمة السوداء المتعلقة بالعنف الجنسي في النزاعات. اكتشف تفاصيل هذا القرار .
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية