التمييز الأمني ضد العرب في إيطاليا يثير الغضب والاحتجاجات
وفاتان مأساويتان في إيطاليا تثيران جدلاً حول تعامل الشرطة مع العرب والمغاربيين وتكشفان عن التمييز الممنهج تحت شعار الأمن. هل المساواة في القانون مجرد نظرية؟ اكتشف المزيد عبر وورلد برس عربي.

وفاة عبد الرحيم فاكر في بولونيا، ومحمد أمين بسيود في كوزينتسا حادثتان لم تُشعلا موجة احتجاجات واسعة في إيطاليا فحسب، بل أعادتا إلى الواجهة نقاشاً قديماً لم يُغلق يوماً: كيف تتعامل أجهزة الأمن الإيطالية مع المجتمعات ذات الأصول العربية والمغاربية، وأين تقع الحدود الفاصلة بين إنفاذ القانون والتمييز الممنهج؟
في 19 يوليو، توفي عبد الرحيم فاكر، المغربي البالغ من العمر 42 عاماً، في بولونيا إثر تدخّل شرطيَّين وشخصٍ مدني لتقييده. كان أحد السكان قد أبلغ الشرطة بأن فاكر وهو في حالة من الضيق النفسي كان يدّعي أنه في خطر داهم ويركل أبواب المرائب. وثّق مقطع فيديو مصوَّر من شقّة مجاورة ما جرى بعد ذلك: فاكر مكبَّل اليدين، يُرشّ بالغاز المسيل للدموع، مُلقىً على الأرض تحت ثقل عناصر الشرطة قرابة سبع دقائق، يستغيث دون أن يُجيبه أحد. ومن اللافت أن متطوّعين من الصليب الأحمر الإيطالي كانوا حاضرين في المشهد طوال تلك الدقائق دون أن يتدخّلوا. انتشر الفيديو بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، وأشعل موجة غضب واسعة في صفوف المعارضة وشريحة من الرأي العام، فيما فتحت النيابة العامة تحقيقاً في تهمة القتل الخطأ.
بعد أربعة أيام من وفاة فاكر، مات محمد أمين بسيود، البالغ من العمر 25 عاماً والمولود في إيطاليا لأبوَين تونسيَّين، إثر سقوطه من شرفة الطابق الثالث خلال تفتيشٍ نفّذه عناصر من قوات Carabinieri في مدينة كوزينتسا جنوبي إيطاليا. وصف الناشطون المحليون ما جرى بأنه نتيجةٌ قاتلة أخرى لأساليب الشرطة في التعامل مع هذه المجتمعات، مطالبين بالحقيقة والمساءلة والعدالة. وأفادت والدة بسيود لوسائل الإعلام الإيطالية بأن ابنها كان يعاني الاكتئاب، وأن تكرار عمليات التفتيش أثار فيه رهباً متصاعداً، إذ كان يشعر بأن أحد عناصر الشرطة يُلاحقه ويُضايقه. وفتحت النيابة العامة تحقيقاً في ملابسات وفاته.
جاءت هاتان الحادثتان لتُجدّدا قضايا راسخة في ذاكرة المجتمع العربي في إيطاليا: يونس البوسطاوي الذي أردته رصاصة ضابط شرطة سابق عام 2021 في مدينة فوغيرا، ورامي الجمل البالغ من العمر 19 عاماً الذي توفي إثر مطاردة بوليسية في أواخر عام 2024 وأشعلت وفاتُه أسابيع من الاحتجاجات في ميلانو، وعبد الرحيم منصوري الذي قتله عنصر شرطة في يناير خلال عملية ضبط مخدّرات في حيّ Corvetto بميلانو.
«المساواة في النظرية، لا في التطبيق»
في بولونيا، خرج الآلاف في مسيرة تطالب بالعدالة لفاكر، ثم امتدّت الاحتجاجات إلى عدّة مدن إيطالية. وتحوّلت القضية إلى محطّة سياسية حادّة حين اندلعت مواجهات على هامش الاحتجاجات بين بعض المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب. وجد رئيس بلدية بولونيا Matteo Lepore، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الوسطي اليساري، نفسه في مواجهة ضغوط متعاكسة: اتّهمه نقابيو الشرطة والسياسيون اليمينيون بتشريع العنف ضدّ رجال الأمن، فيما رأت منظمات المجتمع المدني أن إدارته تعاملت مع سنوات من الإهمال في حيّ Pilastro الحيّ الشعبي الذي توفي فيه فاكر بمزيد من التأمين الأمني بدلاً من الاستثمار الاجتماعي المستدام.
واتّهم حزب «السلطة للشعب» الشيوعي كلاً من البلدية وحكومة رئيسة الوزراء Giorgia Meloni بتسريع عسكرة أحد أفقر أحياء بولونيا، مؤكّداً أن السياسات الأمنية التي تنتهجها السلطات المحلية والوطنية باتت تتعامل مع الأحياء الشعبية باعتبارها مشكلة نظام عام، عوضاً عن معالجة التفاوتات البنيوية التي شكّلتها على مدى عقود.
بالنسبة للعرب في إيطاليا، لا يمكن فصل وفاتَي فاكر وبسيود عن سياقٍ أشمل من التمييز، حيث تتشابك قضايا الشرطة والهجرة والمعارضة السياسية تحت مظلّة خطاب الأمن.
يقول عمر قريشي، المحامي المتدرّب الإيطالي المغربي: «لم يعد القانون يُعلن صراحةً عدم المساواة بين الناس. بدلاً من ذلك، يُفرز فئاتٍ استثنائية باسم الأمن. المساواة تبقى في النظرية، لا في التطبيق». ويرى قريشي أن تشريعات الطوارئ الصادرة باسم «السلامة العامة» التي تمنح السلطات وأجهزة الأمن صلاحياتٍ موسّعة للسيطرة على فئاتٍ بعينها أو معاقبتها باتت تُميّز بصورة متصاعدة ضدّ أصحاب الأصول الشرق أوسطية والأفريقية، الذين يُعامَلون كتهديداتٍ محتملة.
منذ وصول حكومة Meloni اليمينية المتطرّفة إلى السلطة عام 2022، أصدرت سلسلة من المراسيم التقييدية المتصاعدة رداً على احتجاجات الشوارع والجرائم البسيطة، التي كثيراً ما تُربط في النقاش العام بالمجتمعات العربية والمسلمة. ومن اللافت أن تدبيراً أُقرَّ في فبراير بات يُطبَّق للمرّة الأولى في قضية الضابطَين المتورّطَين في حادثة بولونيا، إذ يُتيح لهما تجاوز مسار التحقيق المعتاد.
يرى Emmanuele Jonathan Pilia، رئيس تحرير دار النشر المستقلّة D Editore، أن الأحداث الأخيرة تعكس تاريخاً أطول بكثير في أساليب الشرطة الإيطالية. ويقول : «استُخدم جهاز الشرطة الإيطالي تاريخياً لضبط الفئات التي تُعدّ هامشية. واليوم، تتّجه هذه المنطق ذاتها بصورة متصاعدة نحو الأحياء التي تقطنها أسرٌ عربية ومسلمة ومهاجرة». ويُشير Pilia إلى أن سنوات من الخطاب السياسي الذي يربط الهجرة والإسلام والأمن العام قد طبّع التعامل الأمني العنيف، وشرّع في الوقت ذاته العدائية تجاه المسلمين في الفضاء العام. ويستشهد بحوادث أخيرة تورّط فيها سياسيون في استهداف المسلمين علناً، من بينها قيام عضو البرلمان الأوروبي عن حزب Lega اليميني المتطرّف Silvia Sardone بتصوير امرأة ترتدي النقاب في تورينو وإخبارها بأن تنتقل إلى إسلام آباد.
«ضغطٌ متصاعد»
بالنسبة لمن يعيشون هذا الواقع مباشرةً، لم يعد الشعور بأن الهوية العربية باتت مقرونة بالإجرام والتهديد مجرّد جدل سياسي مجرّد، بل تحوّل إلى قلقٍ يومي متجذّر.
تقول رجاء ابنو، الناشطة الإيطالية المغربية في مركز Lambretta الاجتماعي بميلانو: «بعد مقتل يونس البوسطاوي، انكسر شيءٌ ما. أدرك كثيرٌ منّا أننا لم نعد نُرى أوّلاً بوصفنا مواطنين، بل بوصفنا عرباً». وتُضيف: «المجتمع العربي في إيطاليا يرزح تحت ضغطٍ متصاعد، ليس فقط بسبب السياسات الأمنية التقييدية المتزايدة، بل أيضاً بسبب صمت شريحة واسعة من المعارضة السياسية».
أما Camilla Ponti، المعالجة النفسية الإيطالية المتخصّصة في قضايا السجون والهجرة والعنصرية المؤسّسية، فترى أن هذه العملية تبدأ قبل أن تتدخّل الشرطة بكثير. تقول : «قبل أن يتحوّل العنف إلى مؤسّسي، يتحوّل إلى ثقافي. حين يُصوَّر غير البيض باستمرار على أنهم خطيرون، تُصبح إنسانيتهم المنقوصة أمراً مألوفاً». وتؤكّد Ponti أن المنطق ذاته يُغذّي نظام احتجاز المهاجرين في إيطاليا، وتوسيع نطاق تطبيق تشريعات الأمن ضدّ المجتمعات المستهدفة بالتمييز وضدّ الناشطين المتضامنين مع فلسطين.
احتجاجات غزة و«الإرهاب»
منذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، أصبح التضامن مع فلسطين ساحةً أخرى تتشكّل وفق منطق السياسات الأمنية، إذ اعتُقل عددٌ من المنظّمين العرب واحتُجزوا بتهم «الإرهاب».
ترى الصحفية الإيطالية الباكستانية Sara Tanveer أن الإعلام يقع في قلب هذه العملية. وتقول : «لا يزال الصحفيون الإيطاليون يُعانون من صعوبة في الاعتراف بتحيّزاتهم الخاصة. في أغلب الأحيان، لا يظهر العرب والمسلمون إلا من خلال قصص الجريمة والإرهاب والأمن». وتُلاحظ أن تغطية قضايا من قبيل قضية فاكر تُبرز في الغالب الاتّهامات الموجّهة للضحايا على حساب ملابسات وفاتهم ومخاوف ذويهم، ممّا يُرسّخ الشكّ بدلاً من التعاطف. وينسحب الأمر ذاته، وفق قولها، على تغطية قضايا الناشطين الفلسطينيين المعتقلين في إيطاليا، حيث كثيراً ما تُنقل التحقيقات المستندة في معظمها إلى استخبارات إسرائيلية دون تمحيصٍ كافٍ، ممّا يُعزّز الربط الراسخ بين الهوية الإسلامية و«الإرهاب».
بالنسبة لكثير من الناشطين والمحامين والصحفيين، لم تفتح وفاة فاكر نقاشاً جديداً حول عنف الشرطة، بل أعادت إحياء نقاشٍ قائمٍ في إيطاليا منذ عقود. يستحضر هذا النقاش قضايا رمزية سابقة، من بينها مقتل كارلو جوليانّي، الناشط اليساري الذي أرداه رصاص الشرطة خلال احتجاجات قمّة مجموعة الثماني في جنوة عام 2001، وقضية ستيفانو كوكّي الذي فارق الحياة عام 2009 إثر تعرّضه للضرب على أيدي عناصر Carabinieri أثناء اعتقاله بتهمة حيازة مخدّرات، وكشفت قضيّته عن إخفاقاتٍ جسيمة في منظومة المساءلة الأمنية. وكان لتوقيت وفاة فاكر دلالةٌ لافتة: إذ جاءت في اليوم الذي كان فيه المتظاهرون يتجمّعون في جنوة لإحياء ذكرى مقتل جوليانّي.
أخبار ذات صلة

مجلس لندن يسعى لقطع العلاقات مع حيفا احتجاجاً على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين

مدّعون يسعون لإسقاط تهمة عن زعيم عمالي كاليفورني اعتُقل في احتجاج هجري

الهند تأمر بحملة مصادرة كتب واسعة في مكتبات كشمير
