مستقبل Starmer السياسي تحت المجهر في بريطانيا
يواجه رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer ضغوطًا متزايدة بعد فضيحة تعيين Mandelson، حيث تتزايد الدعوات لاستقالته وسط تساؤلات حول نزاهته. هل ستؤثر هذه الأحداث على مستقبله السياسي؟ اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

يواصل رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer مواجهة ضغوطٍ متصاعدة، وسط تساؤلاتٍ جدّية حول مستقبله في Downing Street، في ظلّ استمرار تداعيات قضية تعيين Peter Mandelson سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة.
كشفت تفاصيل حديثة أنّ Mandelson أخفق في اجتياز إجراءات التحقق الأمني المطلوبة لهذا المنصب، غير أنّ وزارة الخارجية تجاوزت هذا القرار تحت ضغطٍ من مكتب مجلس الوزراء لإتمام التعيين. وفي يوم الثلاثاء، نجا رئيس الوزراء من تصويتٍ برلماني كان من شأنه فتح تحقيق في ما إذا كان قد أضلّ مجلس العموم في هذا الشأن. ورغم نجاته، فإنّ التآكل المتواصل في الثقة لا يبدو أنّه في طريقه إلى التوقف.
وتشير تقارير إلى أنّ نوّاب حزب العمّال باتوا يضعون جدولاً زمنياً لرحيله، فيما يرى ما لا يقلّ عن 50 بالمئة من البريطانيين أنّه ينبغي له التنحّي. وقد انهمك المعلّقون السياسيون في رسم السيناريوهات وتحليل التداعيات؛ إذ وصفت إذاعة LBC ما يمرّ به Starmer بأنّه «يوم الحساب»، ورأى المحرّر السياسي لـ Sky News أنّ «نزاهته» باتت موضع تشكيك، فيما أشارت صحيفة The Guardian في افتتاحيّتها إلى أنّ حكمه السياسي بات تحت المجهر.
بيد أنّ الحقيقة هي أنّ رئيس الوزراء كان قد أخفق إخفاقاً ذريعاً على كلّ المستويات، حين دعم بلا قيدٍ ولا شرط الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وأسهم في تمكينها. كان ذلك وحده كافياً لإنهاء مسيرته السياسية، قبل أن تطفو هذه الفضيحة على السطح بوقتٍ طويل. وغياب أيّ محاسبةٍ مماثلة أو مطالبةٍ بالاعتذار يكشف عن حجم الانحطاط في معايير Westminster وأولويات الصحافة البريطانية، وإن كان ذلك لا يُخفّف من خطورة الفضيحة الراهنة.
«حيوانات بشرية»
في 11 أكتوبر 2023، خرج Keir Starmer على وسائل الإعلام ليؤيّد صراحةً حقّ إسرائيل في قطع الكهرباء والمياه عن غزة، وهو انتهاكٌ صريح للقانون الدولي. جاء ذلك بعد أيامٍ قليلة من إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك Yoav Gallant فرض «حصارٍ شامل» على غزة : قائلاً بلا مواربة: «نحن نتعامل مع حيوانات بشرية وسنتصرّف وفق ذلك».
ولم يكن Gallant استثناءً؛ إذ تسابق المسؤولون الإسرائيليون في إطلاق تصريحاتٍ مماثلة، لا تُخفي رؤيتهم للإبادة في غزة. وكان Starmer، بوصفه زعيماً للمعارضة آنذاك، قد أعلن منذ البداية دعمه للعقاب الجماعي للقطاع، ماضياً في مسارٍ لم يحد عنه.
وفي غضون أسابيع، بات جليّاً أنّ النيّة الإبادية ستقترن بقصفٍ منهجي مُحكم، يستهدف المحو لا الإضعاف. وكانت جثامين الشهداء الفلسطينيين المذبوحين تُخزَّن في شاحنات الآيس كريم وهي تتكدّس، فيما توقّفت المستشفيات عن العمل وأُجريت العمليات الجراحية دون تخدير، واستُعيض عن المطهّرات بالخلّ.
وفي اليوم الذي أعلنت فيه منظمة UNICEF أنّ غزة باتت مقبرةً للأطفال، كان Starmer يُلقي خطاباً يؤكّد فيه أنّ وقف إطلاق النار «ليس الموقف الصحيح»، وأنّ «الهدنة الإنسانية» وحدها هي «المقاربة المعقولة». وحين صوّت البرلمان على وقف إطلاق النار بعد أسابيع، أصدر المحامي الحقوقي السابق تعليماتٍ لحزبه بعدم دعم الاقتراح الداعي إلى إنهاء العقاب الجماعي للفلسطينيين، وكان عدد الشُّهداء قد تجاوز 10,000 شهيد آنذاك.
لم يُغيّر شيءٌ من موقفه: لا البثّ المباشر لعمليات تسوية المباني السكنية بصورة ممنهجة، ولا إبادة مجتمعاتٍ بأكملها ولا مجازر الأطفال، ولا التطهير العرقي الشامل. ولا يصمد الادّعاء بأنّ مواقفه بوصفه زعيماً للمعارضة لم تكن لتُحدث فارقاً؛ فبانحيازه المطلق إلى هذه الفظاعات الممنهجة، جنباً إلى جنب مع حزب المحافظين المتواطئ الحاكم آنذاك، أضاع فرصة أن يكون صوتاً معارضاً حقيقياً في بريطانيا حين كانت الحاجة إليه أشدّ ما تكون.
كان هذا الغياب التامّ للوضوح الأخلاقي، والدعم الخطابي الفاضح لوحده، كافياً لأن يُشكّل فضيحةً تحول دون توليّه رئاسة الوزراء لاحقاً. لم يحدث ذلك. وحين انتُخب رئيساً للوزراء في يوليو 2024، مضى في تصعيد موقفه: فتحوّل الدعم الخطابي إلى دعمٍ ملموس وغير مشروط لفظائع إسرائيل المتواصلة.
عتبة الإبادة الجماعية تُتجاوز
منذ البداية، كانت بريطانيا تُجري مئات رحلات المراقبة الجوية فوق غزة، جامعةً معلوماتٍ استخباراتية وناقلةً إيّاها إلى الجيش الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنّ الموقف الرسمي لوزارة الدفاع البريطانية أنّ هذه الرحلات تستهدف استعادة الرهائن، فإنّها كثيراً ما تزامنت مع المجازر الإسرائيلية، ممّا يكشف عن تورّطٍ لا يمكن إنكاره للمملكة المتحدة في تدمير غزة. وإذا كانت هذه الرحلات قد بدأت في عهد حكومة المحافظين، فإنّ السياسة لم تتغيّر مع Starmer؛ إذ باتت رحلات التجسّس تُنفَّذ بمعدّل يزيد على رحلةٍ واحدة يومياً منذ دخوله Downing Street.
وفي تلك الفترة، كانت شركة مقاولاتٍ عسكرية أمريكية استأجرتها بريطانيا لتنفيذ مهام المراقبة فوق غزة، تُحلّق ليلة ما قبل غارةٍ جوية إسرائيلية أدت إلى استشهاد أكثر من 30 فلسطينياً في مخيم النصيرات في ديسمبر 2024. وقبل ذلك بيومين فحسب، زار رئيس الوزراء القاعدة البريطانية في قبرص التي كثيراً ما انطلقت منها رحلات المراقبة، وقال للجنود: «العالم كلّه يعتمد عليكم»، ثم أضاف: «لا يمكننا بالضرورة أن نُخبر العالم بما تفعلونه».
وهذا ليس سوى قمّة جبل الجليد في ما يخصّ تغذية حكومة Starmer لآلة القتل الإسرائيلية. ففي الأشهر الأولى من توليّه، رخّصت حكومته صادراتٍ من المعدات العسكرية إلى إسرائيل تفوق ما رخّصه المحافظون خلال السنوات الثلاث السابقة مجتمعةً. وحين تعذّر توريد بعضها علناً، جرى ذلك سرّاً ودون انقطاع. فرغم الحظر الجزئي الرمزي على تراخيص الأسلحة في سبتمبر 2024، تبيّن أنّ بريطانيا واصلت إرسال بضائع عسكرية إلى إسرائيل، من بينها قطع غيار لطائرات F-35 المقاتلة.
وزاد الطين بلّةً أنّ Starmer، في موازاة توفيره المراقبة والأسلحة التي كانت تمزّق الأجساد الفلسطينية دون رحمة، تعامل مع أيّ انتقادٍ للأفعال الإسرائيلية بازدراءٍ بارد. ففي نوفمبر 2024، حين سأله النائب المستقل Ayoub Khan في البرلمان عن تعريفه للإبادة الجماعية وما إذا كان ينطبق على غزة، ردّ بحسمٍ: «أنا على دراية تامّة بتعريف الإبادة الجماعية، ولهذا السبب بالذات لم أُشر إلى هذا الوضع بوصفه إبادةً جماعية».
في تلك المرحلة، كان المجتمع الدولي لحقوق الإنسان وعددٌ كبير من علماء الإبادة الجماعية قد خلصوا منذ أمدٍ بعيد إلى أنّ العتبة قد تجاوزت، وكانت إسرائيل تقف أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية بالذات. وفي تلك الإجراءات، جرى التنبيه تحديداً إلى خطاب رئيس إسرائيل Isaac Herzog الاستفزازي، الذي قال عن الفلسطينيين في غزة: «هذا شعبٌ بأكمله مسؤول»، وأضاف: «سنقاتل حتى نكسر عمودهم الفقري»، فيما وقّع على صواريخ ستنهمر على غزة. لم يَحُل شيءٌ من ذلك دون أن يمدّ Starmer له السجّادة الحمراء، ويصافحه، ويمنحه كامل شرعية استقبالٍ في Downing Street في ديسمبر الماضي.
يدان ملطّختان بالدم الفلسطيني
في كلّ منعطفٍ حاسم، حين كانت اللحظة تستدعي المحاسبة والتحرّك العاجل، اختار Starmer المسار الذي يُعزّز مكانة إسرائيل. حيث كان الضغط مطلوباً، قدّم غطاءً دبلوماسياً متيناً. وحيث كان حظر الأسلحة الشامل ضرورةً، اختار هو وفريقه إبقاء الترسانة الإسرائيلية ممتلئة.
وكما أوضحت Francesca Albanese، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة: «المملكة المتحدة تنتهك التزاماتها بموجب القانون الدولي بعدم مساعدة دولةٍ ترتكب انتهاكاتٍ دولية».
كان المحامي المتمرّس الذي يكمن في Keir Starmer يعلم ذلك. ومع ذلك، مضى في دعمه الثابت للجريمة الكبرى في هذا العصر دون استثناء.
يداه ملطّختان بدمٍ فلسطيني لن ينمحي، والسجلّ التاريخي سيظلّ شاهداً على ذلك إلى الأبد.
أمّا اليوم، وفي مواجهة فضيحةٍ مختلفة، فهو يتعهّد بالمقاومة وإنقاذ ولايته وإن كان ذلك قد لا يكفي في نهاية المطاف. غير أنّ ثمّة ما يشبه الخيط الفضّي: كلّما أسرع في مواجهة هذا الحساب السياسي، كان أمامه وقتٌ أطول للاستعداد للحساب الأخلاقي الحقيقي القادم في لاهاي.
أخبار ذات صلة

السفير البريطاني بواشنطن: العلاقة الخاصة الوحيدة للأمريكيين هي "على الأرجح" مع إسرائيل

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان يخاطب اتحاد أكسفورد الأسبوع المقبل

وحدة بريطانية تُغلق ملفّ انتهاكات إسرائيل المحتملة للقانون الدولي
