كشمير الجديدة تحولات تغير وجه الأرض والهوية
مرّت سنوات على إلغاء الوضع الخاص بكشمير وتحولت القوانين لتغيير التركيبة الديموغرافية والسياسية. السكان الأصليون يعانون من فقدان حقوقهم وسط توسع الهندي في الأراضي والبنية التحتية في كشمير وورلد برس عربي.

سبع سنوات مرّت على إلغاء الوضع الدستوري الخاص بكشمير الخاضعة للإدارة الهندية، غير أن التحولات التي طرأت على قوانين تملّك الأراضي وحقوق الإقامة وهياكل الحوكمة لم تتوقف عن إعادة تشكيل المنطقة. يصف المنتقدون هذه التحولات بأنها استراتيجية متعددة المحاور تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية والمشهد السياسي في كشمير.
في 5 أغسطس 2019، أقدمت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) القومي اليميني الحاكم على إلغاء المادة 370 والمادة 35A من الدستور الهندي، وهما المادتان اللتان كانتا تمنحان جامو وكشمير حكماً ذاتياً وضمانات دستورية. أعقب ذلك هجومٌ قانوني شامل أفضى إلى إعادة هيكلة جذرية للمنطقة المتنازع عليها، التي تتوزع أجزاؤها بين الهند وباكستان والصين.
قسّمت الحكومة الهندية المنطقة بصورة أحادية الجانب إلى إقليمَين اتحاديَّين، هما جامو وكشمير ولاداخ، فأخضعتهما بذلك للحكم المباشر من نيودلهي.
أعلنت حكومة مودي أن الهدف من هذه الخطوة هو دمج كشمير بصورة أوثق مع الهند، وتشجيع الاستثمار والتنمية، والحدّ من التطرف المسلح.
بيد أن نيودلهي ما لبثت أن أصدرت في غضون أشهر قليلة قواعد إقامة جديدة، تتيح لكل من أقام في المنطقة خمسة عشر عاماً، أو درس فيها سبع سنوات، أو شغل مناصب معينة في الحكومة المركزية، الحصول على وضع الإقامة الدائمة. وجاءت تعديلات لاحقة لتخفّف القيود المفروضة على شراء الأراضي.
وبحسب الأرقام الرسمية التي قُدِّمت إلى جمعية جامو وكشمير، صدر خلال عامَين أكثر من 1.25 مليون شهادة إقامة، من بينها 83,742 شهادة مُنحت لأشخاص لم يكونوا مؤهّلين سابقاً للحصول على وضع المقيم الدائم.
يرى السكان أن هذه الإجراءات أفضت إلى حرمان واسع النطاق للسكان الأصليين من حقوقهم، إذ بات الوافدون من خارج المنطقة يتمتعون بحرية الوصول إلى مواردها.
تقول جان، 35 عاماً، وهي مقيمة في المنطقة طلبت الاكتفاء بذكر اسمها الأول: "ما تغيّر في هذه السنوات السبع هو الحضور المرئي للتفاوت الاقتصادي. لا أتذكر كشمير بهذا القدر من التفاوت من قبل. حين تمرّ بالمركز التجاري الذي يُضخَّم الحديث عنه في لال تشوك، تلمح وهجاً من مدينة ملوّنة. لكن ما إن تخطو إلى حي ميسوما المجاور وتسلك دروب المدينة القديمة، حتى تصطدم بكشمير الحقيقية: طرق غارقة بالمياه، وناس يقودون العربات كسبيلٍ للعيش، وكلاب ضالة تفوق عدد البشر."
وأضافت أن التحولات باتت أكثر جلاءً منذ 2019: "قبل ذلك، كانت ثمة قوانين تحول دون امتلاك أي شخص أكثر من 12 فداناً من الأرض، مما أبقى كشمير على طابعها الاشتراكي. لم يكن مسموحاً لأحد ببناء كوخ صغير على أرض زراعية. أما اليوم، فالأمر مباحٌ للجميع. تستطيع شركات البناء الهندية أن تشقّ طريقها عبر حقول الأرز وبساتين التفاح لتشييد خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة، التي تُشوّه كشمير التي عرفناها في طفولتنا. هذه البنية التحتية مُصمَّمة لخدمة الجيش أكثر مما تخدمنا. والفقراء منّا هم الأكثر عجزاً في مواجهة اندفاعة 'كشمير الجديدة' وما تحمله من تحولات جارفة. نحن ببساطة نُقتلع من أرضنا."
ما المادة 370؟
كانت المادة 370 من الدستور الهندي إحدى الأحكام التي أُرسيت حين انضمت كشمير إلى الهند في أعقاب التقسيم عام 1949. وعلى مدى سبعين عاماً، شكّلت الرابط الدستوري بين هذه المنطقة ذات الغالبية المسلمة والاتحاد الهندي.
حظرت هذه المادة على غير الكشميريين تملّك الأراضي، حمايةً للبيئة الهشّة للمنطقة ومواردها، مع تنظيم سوق العمل لصالح الأبناء المحليين، وتوفير ضمانات دستورية لصلاحيات سياسية محدودة. وعملت هذه المادة جنباً إلى جنب مع المادة 35A، التي منحت جمعية كشمير التشريعية صلاحية تحديد هوية "المقيمين الدائمين" وحظر استيطان الوافدين من خارج المنطقة بصفة دائمة.
في 2019، ألغت حكومة BJP المادة 370 بصورة أحادية، وقسّمت المنطقة إلى إقليمَين اتحاديَّين يخضعان للحكم الفيدرالي المباشر.
وفي مارس 2020، صدر قانون إقامة جديد يمنح وضع الإقامة لكل من أقام في المنطقة خمسة عشر عاماً، أو درس فيها سبع سنوات، أو عمل لصالح الحكومة المركزية فيها. ثم جاء في أكتوبر 2020 قرارٌ آخر أسقط حتى هذا الشرط فيما يخص الأراضي غير الزراعية.
وفي غضون عامَين، صدر أكثر من 1.25 مليون شهادة إقامة في المنطقة، منها أكثر من 83,000 شهادة مُنحت لأشخاص لم يكونوا في السابق من رعايا الإقليم.
أوضحت السلطات أن شهادة الإقامة مخصّصة "للتقدم إلى الوظائف"، وأنها لا تمنح في حد ذاتها حقوق تملّك الأراضي أو حق التصويت. غير أن تعديلات قانون الأرض جعلت الحصول على شهادة الإقامة غير ضروري أصلاً لشراء معظم العقارات.
يقول أبو بكر، 42 عاماً، مقيم في سريناغار عاصمة المنطقة ورجل أعمال يتابع عن كثب مسار السياسة الإقليمية: "منذ إلغاء المادة 370، ظلّت الأرض محور الجدل السياسي والشعبي في كشمير." ويضيف أن من أبرز المبادرات الحكومية فتح الأراضي أمام الشركات في مختلف أرجاء المنطقة: "بحجة تيسير الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، أُتيح للمستثمرين وصولٌ أوسع إلى الأراضي، ثم أعقب ذلك سلسلة من التعديلات القانونية طالت قوانين الأرض والزراعة والغابات." ويلفت إلى أن هذه الإجراءات، التي قُدِّمت باعتبارها إصلاحات، غيّرت أيضاً الوضع القانوني لكثير من السكان المقيمين في المناطق الحرجية أو بالقرب منها: "في حالات عديدة، صُنِّفت الأراضي التي يشغلها هؤلاء السكان على أنها تعدٍّ، مما أفضى إلى حملات إخلاء قسري. الأمثلة كثيرة."
وأشار أبو بكر إلى أن برنامج الحكومة لتوزيع الأراضي على الأسر المشرّدة أعاد إشعال الجدل الحادّ حول "التغيير الديموغرافي"، وهو هاجسٌ راسخ في الخطاب السياسي الكشميري.
إعادة هيكلة السيطرة
دافع رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن قرار الإلغاء، واصفاً إياه بأنه تصحيحٌ تاريخي طال انتظاره. وأكد حزب BJP أن الخطوة ستُسهم في تطهير المنطقة من نخبة سياسية محلية فاسدة، والحدّ من التطرف المسلح، وجلب التنمية والاستثمار الخاص لتنشيط الاقتصاد المحلي.
في فبراير 2021، أصدر فريق من المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة بياناً أفاد بأن قواعد الإقامة المعدَّلة أُدخلت "دون التشاور مع السكان المحليين"، محذّراً من أن الإسراع في منح شهادات الإقامة للوافدين ينطوي على خطر "تدهور الأوضاع الحقوقية الشاملة للسكان الأصليين".
أما آثر ضياء، الأنثروبولوجية السياسية، فترى أن هذه التحولات ينبغي قراءتها في سياق مسارٍ سياسي أشمل: "في أعمالي، أصف هذا بالديناميكية الزمنية التكرارية للاستيطان الاستعماري (settler colonialism)، حيث تتراكم التغييرات المتعاقبة عبر الزمن وتتعزّز بعضها بعضاً، لتصبّ في نهاية المطاف في إعادة هيكلة السيطرة على الأرض والتمثيل السياسي والسيادة الأصلانية (Indigenous sovereignty)، وهذا بالضبط ما نشهده."
وأضافت: "يُتيح الاستعمار الاستيطاني بوصفه إطاراً تحليلياً فهمَ كيف تُجسّد التغييرات في إعادة الهيكلة القانونية وسياسات نزع الملكية والهندسة الديموغرافية والتحشيد العسكري المتصاعد والتحوّل الجذري في أسلوب الحوكمة بنيةً متطورة ومتماسكة، لا سياساتٍ منفصلة ومتشتتة."
وخلصت إلى أن الأثر التراكمي لهذه التحولات كان "بالغ الأثر في الحياة اليومية"، مشيرةً إلى "تصاعد حالة اللايقين والخوف العميق على الأرض، وتراجع التمثيل السياسي، وتكميم أفواه الصحافة والناشطين ومنظمات المجتمع المدني."
إعادة رسم الخريطة السياسية
إلى جانب إصلاحات الأراضي، أعادت نيودلهي رسم الدوائر الانتخابية للمرة الأولى منذ عام 1995. رفعت لجنة تحديد الدوائر (Delimitation Commission) عدد مقاعد الجمعية التشريعية من 83 إلى 90، خصّصت خمسة من الدوائر الست الإضافية لمنطقة جامو ذات الغالبية الهندوسية، ومنحت كشمير الوادي ذات الغالبية المسلمة دائرةً واحدة فحسب. كما دمجت اللجنة مناطق متباعدة جغرافياً عبر سلاسل جبلية في دوائر برلمانية موحّدة، في تعديلٍ يبدو مصمَّماً لإمالة الثقل السياسي لصالح حلفاء نيودلهي.
وعلى الرغم من إجراء انتخابات محلية أفضت إلى تشكيل حكومة منتخبة، فإن هذه الحكومة تعمل في ظل قيود مشددة؛ إذ جُرِّدت المنطقة من وضع الولاية الكاملة، وباتت الصلاحيات التشريعية والإدارية الجوهرية في يد نيودلهي.
والواقع أن الوضع الميداني لم يشهد الانتعاش الاقتصادي الموعود ولا تراجعاً في حدة التمرد المسلح. ففي مايو 2025، شنّ مسلحون مجهولون هجوماً في وادي بيسران بباهلغام، أودى بحياة 26 سائحاً في واحدة من أشد الهجمات على المدنيين دموية منذ سنوات. وفي الشهر الماضي، اغتيل ضابط شرطة أثناء تأدية مهامه الأمنية في لال تشوك بأنانتناغ، وأعقب ذلك حملة أمنية مكثفة أسفرت عن احتجاز أكثر من 3,500 شخص في مختلف أرجاء المنطقة.
يقول محمد أمين، 55 عاماً، أحد سكان المنطقة: "نعاني من معدلات بطالة مرتفعة في صفوف الشباب، وهم يتجهون نحو المخدرات." وتبلغ نسبة البطالة في كشمير نحو 6.7 بالمئة، أي ضعف المعدل السائد في الهند. ويُضاف إلى ذلك ما يصفه المراقبون بمسعى ممنهج لإخضاع المثقفين عبر الرقابة، امتدت حتى إلى المناهج الدراسية.
'تجريدٌ سياسي شامل'
في حين تؤكد نيودلهي أن التغييرات الدستورية حسّنت الحوكمة والاستثمار والاندماج، يرى المنتقدون أنها أعادت رسم المشهد السياسي والقانوني والديموغرافي لكشمير من أساسه.
بعد سبع سنوات من إلغاء المادة 370، لا تزال هذه الروايات المتضاربة تُحدّد ملامح النقاش حول مستقبل المنطقة.
يرى محمد جنيد، الأستاذ في Massachusetts College of Liberal Arts، أن التحولات التي أعقبت 2019 صُمِّمت استراتيجيةً لتجريد الكشميريين تجريداً سياسياً شاملاً بوصفهم شعباً. وقال : "الهدف هو إيصال كشمير إلى مرحلة يُضطر فيها أبناؤها إلى المطالبة بما كان موجوداً من قبل، أو حتى التخلي عن المطالبة أصلاً، بدلاً من السعي إلى حقوقهم السياسية التاريخية بوصفهم شعباً. هذا التجريد جزءٌ من التاريخ الأوسع للسيطرة الاستعمارية على كشمير."
وأضاف جنيد أن تاريخ هذه المسارات "في أماكن وأزمنة أخرى يُخبرنا بأن ما يجري في كشمير يستحضر وجوهاً عديدة من الاستعمار الاستيطاني. آثار أحداث 2019 تتكشّف تدريجياً، في ظل حوكمة يمارسها بيروقراطيون استعماريون يتعاملون مع السكان كمحميّين لا حول لهم ولا قوة في إدارة شؤونهم."
أخبار ذات صلة

إطلاق الرصاص المطاطي على الطلاب في دلهي: من "ساحة اختبار" كشمير إلى العاصمة

الحزب الهندي الجديد يشنّ هجوماً على حكومة مودي بعد فضيحة الامتحانات الوطنية

الحركة الشبابية الهندية "الصرصور" تتعهد بمواصلة الاحتجاجات رغم قمع الشرطة
