شهادات جنود إسرائيليين تكشف حقائق مرعبة
شهادات جنود إسرائيليين من حرب 1967 تكشف عن جرائم حرب ممنهجة ضد الفلسطينيين. اعترافات صادمة تبرز كيف تحولت الإنسانية إلى أداة للإرهاب والتطهير العرقي. استمع إلى روايات مؤلمة تعيد فتح الجراح القديمة. اقرأ المزيد على وورلد برس عربي.

شهادات جنود إسرائيليين من حرب 1967 وقائع لم تتغيّر
استمع إلى شهادات أربعة جنود إسرائيليين خدموا في غزة:
الجندي الأول: «لم تكن حياة البشر تعني شيئاً. كان بإمكانك أن تقتل، ولم يكن ثمة قانون. لن يقول لك أحد كلمة. لكنه ليس شعوراً جيداً. هو يقتل إنسانيتك قبل كل شيء.»
الجندي الثاني: «في البداية لم أكن مستعداً لإعدام عرب لا يقاومون أي مدنيين . ثم توصّلنا إلى أننا يجب أن نقتل. مررنا بعملية التوقف عن رؤيتهم كبشر.»
الجندي الثالث: «أمسكنا بشباب، صففناهم وأجهزنا عليهم. بأثر رجعي، يبدو الأمر جريمة قتل.»
الجندي الرابع: «كنا نجوب مخيمات اللاجئين في غزة وننفّذ عمليات تطهير... كل جندي كان هناك أنشأ 'معسكر اعتقال'، ولم يترددوا في قتل من يُسبّب أدنى اضطراب.»
لا، هذه الشهادات ليست جديدة. ولم يخدم أصحابها في غزة خلال الإبادة الجارية حالياً. هذه الروايات تعود إلى ما يقارب 60 عاماً، ونشرتها صحيفة Haaretz الإسرائيلية الأسبوع الماضي تحت عنوان «أُمرنا بالقتل».
اعترف جنود إسرائيليون جرى التحقيق معهم بُعيد حرب 1967 التي يُشار إليها عادةً بحرب الأيام الستة بأنهم وغيرهم ارتكبوا جرائم حرب بصورة اعتيادية، وأشاروا إلى أنهم فعلوا ذلك بأوامر صريحة من قادتهم.
جُمعت هذه الشهادات في كتاب بعنوان اليوم السابع: جنود يتحدثون عن حرب الأيام الستة، أعدّه أبراهام شابيرا، وإن كانت شهادات عديدة استُبعدت لأنها كانت بالغة الصدمة.
لا ينبغي أن تُقرأ هذه الوقائع باعتبارها مادة تاريخية فحسب. فهي تذكّر بجلاء بأن ما تمارسه إسرائيل خلال تدميرها شبه الكامل لغزة منذ نحو ثلاث سنوات من تسوية المنازل والمستشفيات والمدارس والجامعات والمخابز والمكاتب الحكومية بالأرض، ومن قتل عشرات الآلاف بل ومئات الآلاف على الأرجح من المدنيين الفلسطينيين، ومن تجويع السكان وحصارهم ليس إلا استمراراً لنمط راسخ في السلوك العسكري الإسرائيلي يمتد عقوداً.
لم يكن ثمة شيء «بدأ» في 7 أكتوبر 2023، حين اقتحمت حركة Hamas لفترة وجيزة «معسكر الاعتقال» الذي وصفه الجندي الرابع قبل 59 عاماً. بل وجدت إسرائيل في ذلك اليوم ذريعةً لإحياء قصة قديمة، قصة ظلّت تذبح فيها الفلسطينيين وتُهجّرهم منذ عقود. والفارق الرئيسي هذه المرة هو الحجم والمدة فحسب.
أتاحت واشنطن وعواصم غربية أخرى لإسرائيل الوقت والمساحة اللازمين لإتمام ما كانت قد حققته جزئياً في غزة من قبل. وقد مكّنتها القدرة النارية الهائلة التي توفّرها الذخائر الأمريكية الحديثة من تحقيق ما كان مجرد حلم في السابق: محو غزة من الخريطة.
سياسة التجويع
اعترف جنود 1967 الذين كشفوا الحقيقة بأن مهمتهم لم تكن «محاربة العدو» أو «القضاء على الإرهابيين» كما يسمّيه القادة الإسرائيليون اليوم بل كانت قتل المدنيين الفلسطينيين وإرهابهم تحت غطاء الحرب.
ولم يتحرّج كثير من الجنود من الإفصاح عن السبب. كانت مهمتهم نشر الرعب، وهو جزء لا يتجزأ من مساعي إسرائيل لطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من آخر ما تبقّى من وطنهم، أي الأراضي التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي عام 1967 وضمّها بصورة غير مشروعة.
كان ذلك يُنظر إليه باعتباره فرصةً جديدة لإتمام حملة التطهير العرقي التي بدأتها الميليشيات الصهيونية بجدية عامَي 1947 و1948، حين انسحبت سلطات الانتداب البريطاني من فلسطين. وبنهاية تلك الحملة، كان نحو 80 بالمئة من الفلسطينيين قد طُردوا من منازلهم داخل حدود الدولة اليهودية المُعلنة حديثاً.
انتهى المطاف بكثيرين منهم في مخيمات لاجئين في دول مجاورة كلبنان وسوريا. غير أن بعضهم فرّ إلى الجيوب المتبقية من فلسطين التاريخية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة أي 22 بالمئة من وطنهم الذي أبقت عليه الأردن ومصر بعيداً عن التقدم الإسرائيلي عام 1948.
رأت القيادة الإسرائيلية في حرب 1967 فرصةً ثانية: لاستيعاب ما تبقّى من فلسطين التاريخية وتوطين المستوطنات اليهودية فيها، وتوسيع عملية التطهير العرقي للتخلص من السكان الأصليين.
بعد أسابيع من استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، أوضح رئيس الوزراء آنذاك Levi Eshkol لمجلس وزرائه من أين يجب أن تبدأ عمليات الترحيل. قال: «نحن مهتمون بإفراغ غزة أولاً».
وأدرك أن التطهير العرقي لغزة يجب أن يسير بصمت تحت الضغوط الدولية، حتى لا يستقطب الانتباه. واستبقاً لحصار غزة الذي استمر 16 عاماً منذ 2007، اقترح أن الفلسطينيين يمكن إجبارهم على مغادرة غزة «تحديداً بسبب الاختناق والسجن» الذي تفرضه إسرائيل.
ويمكن الإسراع في برنامج التطهير العرقي، كما اقترح، بحرمان السكان من الضروريات كالمياه. قال: «ربما إذا لم نعطِهم ما يكفي من الماء، لن يكون لديهم خيار، لأن البساتين ستصفرّ وتذبل».
وفي هذا السياق، بعد 40 عاماً، راحت إسرائيل تحسب الحد الأدنى من السعرات الحرارية المسموح بإدخالها إلى غزة كي يزداد سكانها سوءاً تدريجياً في تغذيتهم. أو كما أوضح المستشار الحكومي الرفيع Dov Weisglass عام 2006: «الفكرة هي وضع الفلسطينيين على حمية، لكن دون أن نجعلهم يموتون جوعاً».
وبعد سبعة عشر عاماً من فرض تلك «الحمية» على غزة، حين اقتحمت Hamas بصورة مؤقتة ذلك الحصار، انتهز رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu وجنرالاته اللحظة. دمّروا تلك «البساتين» وحوّلوا «الحمية» إلى حصار تجويع شامل جريمة ضد الإنسانية يطلب المحكمة الجنائية الدولية بسببها محاسبة Netanyahu و وزير دفاعه السابق Yoav Gallant.
استهداف الأبرياء
أدرك المؤرخون الفلسطينيون منذ أمد بعيد جرائم 1967، وإن لم يُصغَ إليهم. أما المؤرخون الإسرائيليون فاحتاجوا وقتاً أطول بكثير لبدء تجميع الصورة حين أُتيح لهم الاطلاع على أجزاء من الأرشيف العسكري الإسرائيلي.
يكشف تحقيق Haaretz الجديد، المستند إلى أبحاث معهد Akevot، تفاصيل القسوة التي رافقت عمليات تهجير الفلسطينيين الجماعية منذ 1967.
كما تورد الصحيفة: «يُظهر البحث التاريخي أن إسرائيل طردت وأجلت نحو 300,000 عربي من الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان السورية. وكما في 1948، شمل التهجير قتل المدنيين وبثّ الرعب في المجتمعات العربية والنهب وفي نهاية المطاف التدمير».
وبعد أن نجحت إسرائيل عام 1967 في تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين مجدداً، كانت المهمة التالية كما في 1948 منعهم من العودة.
رصد Uri Avnery، الصحفي وعضو البرلمان الإسرائيلي، شهادات جنود كانوا متواجدين على الحدود مع الأردن ومصر التي طُرد إليها الفلسطينيون. وكانت مهمة هؤلاء الجنود قتل أي عائلات فلسطينية تحاول العودة إلى منازلها.
وإليك شهادة أحد الجنود التي أوردتها Haaretz ودوّنها Avnery في سيرته الذاتية: «أغلقنا هذه المعابر وتلقّينا أوامر بإطلاق النار للقتل دون إنذار مسبق. وبالفعل كانت تُطلق مثل هذه الطلقات كل ليلة على رجال ونساء وأطفال، حتى في الليالي المقمرة حين كان بالإمكان التعرف على العابرين. أي التمييز بين الرجال والنساء والأطفال.
«في الصباح كنا نخرج لمسح المنطقة، ونقتل بأمر صريح من الضابط الحاضر من كانوا لا يزالون أحياء، بمن فيهم المختبئون والجرحى. وبعد الانتهاء من القتل كنا نغطّي الجثث بالتراب في انتظار وصول جرّافة».
يحذّر المبلّغون الإسرائيليون اليوم من أن هذه العقيدة العسكرية لم تتغيّر. فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، كشفت تحقيقات متعددة أن إسرائيل تسعى لإخفاء جرائمها بدفن ضحاياها المدنيين سراً في مقابر جماعية، بما يُشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي.
فعلت ذلك حين أقدم جنودها على مجزرة بحق فلسطينيين كانوا يسعون للحصول على مساعدات قبل عام، وكذلك حين أعدم الجنود 15 عاملاً في الطوارئ الفلسطينية في كمين نُصب لسيارات الإسعاف في مارس 2025.
وتذكّر جندي آخر ضايقته سياسة إطلاق النار للقتل عام 1967 محادثةً مع قائده: «سألت الضابط: وإذا سمعت أطفالاً يبكون، هل أطلق عليهم النار أيضاً؟ كان الجواب: لا تكن فتاة».
وليس في ذلك أي استثناء. فقد استشهدعلى يد إسرائيل أكثر من 1,000 رضيع في غزة دون السنة الأولى من العمر منذ 7 أكتوبر 2023، وليس كلهم بضربات جوية مجهولة الهوية.
سمح الجيش الإسرائيلي لخمسة أطفال خُدَّج في مستشفى الناصر بالموت والتحلل داخل حاضناتهم بعد أن سيطر جنوده على المبنى أواخر عام 2023.
وعلم القادة الإسرائيليون كذلك أن أول من سيموت جراء حصار المساعدات هم الأكثر هشاشةً. ارتقى أطفال رضّع برداً أو جوعاً حين حُرم السكان من المأوى وحليب الأطفال والغذاء، وعجزت أمهاتهم عن إرضاعهم لنقص التغذية الحاد الذي يعانين منه.
كما أشار الجندي الثاني، تحثّ العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجنودَ على التوقف عن رؤية الفلسطينيين، حتى الأطفال الرضّع منهم، كـ«بشر». حياتهم تُعدّ بلا قيمة.
ماضٍ مألوف
استشهد على يد جنود إسرائيليون طفلاً فلسطينياً رضيعاً آخر الأسبوع الماضي في الضفة الغربية، بعد أن نصبوا كميناً لسيارة كان يقودها محاضر من جامعة بيت لحم يُدعى فهد أبو هيكل، في مدينة الخليل الخاضعة لاحتلال بالغ القسوة.
أطلق أحد الجنود النار على السيارة وهي تتباطأ حتى تقف، من مسافة لا تتجاوز أمتاراً قليلة، وهو ما يعني أنه كان قادراً على رؤية من بداخلها. أدت الرصاصة إلى استشهاد طفل أبو هيكل ذي الأشهر السبعة، سام، وأصابت زوجته التي كانت تحمله. وشاهد ابنه البالغ من العمر 11 عاماً، الذي كان في السيارة أيضاً، أخاه الرضيع يُفارق الحياة نازفاً.
يقتل الجنود الإسرائيليون الأطفال الفلسطينيين منذ عقود. ومع ذلك لم يُثر شيء من هذا ذرّةً واحدة من الغضب الذي أبدته وسائل الإعلام والسياسيون الغربيون بالإجماع إزاء الادعاء الإسرائيلي المُلفَّق تماماً بأن Hamas قتلت 40 طفلاً رضيعاً في 7 أكتوبر 2023.
لم تكن حملة الترحيل الإسرائيلية عام 1967 في غزة والضفة الغربية ارتجالاً، ولا رد فعل آني. فوفقاً لـHaaretz، كانت السياسة مُخطَّطاً لها بعناية قبل سنوات طويلة.
منذ 1948، كانت إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ عمليات ترحيل إضافية والاستيلاء على ما تبقّى من الوطن الفلسطيني، الأراضي التي حُرمت منها لإتمام مشروعها الاستيطاني العنيف.
وفّرت حرب 1967 ضد مصر وسوريا والأردن الذريعة اللازمة.
اعترف Ishai Amrami، قائد الكتيبة الرفيع في تلك الحرب، لاحقاً: «هذا الشيء الذي عشته بنفسي كان محاولةً لنقل جماعي للسكان».
وكما تلاحظ Haaretz: «كان الفلسطينيون مجرد متفرجين في هذه القصة. كتب وزير الدفاع Moshe Dayan في مذكراته أن الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية لم يشاركوا في الحرب، وأنها لم تكن حربهم. ومع ذلك كانوا هم من دفع ثمنها».
شرعت إسرائيل في التدمير الجماعي للمجتمعات الفلسطينية، كما فعلت بعد 1948، حتى لا تبقى منازل يعود إليها الفلسطينيون. غير أن إسرائيل كما تشير Haaretz وقعت ضحية نجاحها العسكري السريع.
«كانت هذه إحدى الحالات النادرة في تاريخ الصراع التي اضطرت فيها إسرائيل إلى التراجع تحت وطأة ضغط دولي شديد».
لا يحتاج المرء إلى تأكيد أن هذا الضغط الدولي كان غائباً بصورة مؤلمة على مدار السنوات الثلاث الماضية. اختار القادة الغربيون الجدد، كرئيس الوزراء البريطاني Sir Keir Starmer الذي كان يُعدّ ذات يوم محامياً بارزاً في مجال حقوق الإنسان، تبرير الأجندة الإبادية الصريحة لإسرائيل ضد فلسطينيي غزة، مسمّياً إياها «دفاعاً عن النفس».
على خلاف أسلافهم في الستينيات، اختار القادة الغربيون اليوم ووسائل إعلامهم منح إسرائيل الوقت والمساحة الدبلوماسية اللازمين فضلاً عن توفير الأسلحة والاستخبارات لتدمير غزة. ولم تكن الإبادة الجماعية لتتحقق دون هذا الدعم.
ومدفوعةً بهذا الإفلات من العقاب، سعت إسرائيل إلى نشر التدمير خارج حدودها، بنجاح محدود في إيران وأكبر منه بكثير في جنوب لبنان.
وبينما يُسارع السياسيون الغربيون و وسائل إعلامهم إلى نسيان غزة، تواصل إسرائيل ضغطها المتواصل وتكريس المعاناة هناك. يتوسّع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يُحدّد السيطرة العسكرية الإسرائيلية على القطاع المدمَّر منطقة محظورة على الفلسطينيين من نصف المساحة إلى 70 بالمئة تدريجياً.
يُعصر أهل غزة حرفياً خارج أنقاض وطنهم، فيما تتخبّط إسرائيل بحثاً عن دولة ثالثة مصر أو ربما أرض الصومال مستعدة لاستقبالهم.
استئصال السياق
كما قال عالم الكونيات الأمريكي الشهير Carl Sagan: «يجب أن تعرف الماضي لتفهم الحاضر».
وهذا بالضبط هو السبب في أن السياسيين الغربيين و وسائل إعلامهم حرصوا بعناية على بتر الماضي، واستئصال السياق والخلفية كحملات التطهير العرقي الإسرائيلية عامَي 1948 و 1967 التي تفسّر السلوك الإسرائيلي في الحاضر، في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.
والجمهور الغربي المحروم من تاريخ المنطقة يسهل التلاعب به ودفعه إلى الاعتقاد بأن الفظائع الإسرائيلية ليست إلا رداً «متناسباً» كما يُزعم على هجوم Hamas في أواخر عام 2023.
لقد حُجبت حقيقة واضحة: أن إسرائيل تستغل منذ ما لا يقل عن ثمانية عقود كل فرصة تجدها لطرد الفلسطينيين من وطنهم.
لم يكن هجوم Hamas في أكتوبر 2023 نقطة تحوّل أو قطيعة، كما يُقدَّم في الغرب في أغلب الأحيان.
في عام 1967 أي قبل 56 عاماً من هجوم Hamas أشار Eshkol إلى أن أحداثاً غير متوقعة قد تُعجّل ببرنامج إسرائيل الخفي للتطهير العرقي. قد تأتي لحظة في المستقبل ما أسماه «حلاً ترفاً غير متوقع» تتمكّن فيها إسرائيل من تحقيق حلمها بفلسطين خالية من الفلسطينيين.
قال لمجلس وزرائه: «ربما يمكننا أن نتوقع حرباً أخرى، وحينها سيُحلّ هذا المشكل. لكن هذا نوع من 'الترف'، حل غير متوقع».
مع إضافة السياق الغائب، كما فعلت Haaretz الإسرائيلية في مقالتها الجديدة، تتحوّل الصورة كلياً.
تبدو أحداث 7 أكتوبر 2023 أقل شبهاً بالهمجية المجردة، وأكثر شبهاً بردّ فعل يائس، آخر ما في الجعبة، على عقود من الفظائع الإسرائيلية المُصمَّمة لجعل حياة الفلسطينيين لا تُطاق عبر الإفقار والحصار والتجويع والقتل حتى يفرّوا من وطنهم أو يرتقوا فيه.
ومع إضافة السياق الغائب، يبدو «الردّ» الإسرائيلي المزعوم في غزة ذلك الاجتياح الإبادي كما هو في حقيقته: امتداداً لحملة التطهير العرقي الممتدة ثمانية عقود. بل هو فصلها الأخير. خاتمتها.
كتب David Ben Gurion، الأب المؤسس لإسرائيل، إلى ابنه عام 1937، قبل أحد عشر عاماً من قيام الدولة: «يجب أن نطرد العرب ونأخذ أماكنهم».
وفي تدوينة بيومياته خلال عمليات الترحيل الجماعي عام 1948، لخّص Ben Gurion المزاج السائد بين جنرالاته: «إذا اتهمنا عائلة يجب أن نؤذيها دون رحمة. النساء والأطفال دون رحمة. وإلا فهذا ليس رداً فعّالاً. خلال العملية، لا حاجة للتمييز بين المذنب وغير المذنب».
كان الهدف توظيف الخوف سلاحاً، لجعل الفلسطينيين يرهبون البقاء في وطنهم.
لاحظ Mordechai Maklef، أحد القادة الرفيعين في الجيش الإسرائيلي الوليد، بعد عامين في 1950، المنطق الكامن وراء سياسة إسرائيل: «من المستحيل طرد 114,000 شخص كانوا يعيشون في الجليل دون الإرهاب».
وحتى لو تجاهلنا الروايات الفلسطينية من تلك الحقبة، فإن الأجزاء الصغيرة من الأرشيف الإسرائيلي التي فُتحت حتى الآن أمام المؤرخين الإسرائيليين توثّق مجازر واغتصاباً ممنهجاً للفلسطينيين عام 1948.
في أفلام إسرائيلية حديثة كفيلم «طنطورة» القرية التي شهدت مجزرة فظيعة بحق الفلسطينيين يؤكد رجال مسنّون خدموا جنوداً إسرائيليين آنذاك ما تكشفه الوثائق الأرشيفية، ويروون كيف شهدوا شخصياً اغتصاب فتيات فلسطينيات.
تجدر الإشارة إلى أن الاغتصاب الممنهج مستمر حتى اليوم فيما تُسمّيه منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية B'Tselem بـ«شبكة معسكرات التعذيب» الإسرائيلية.
هذه الاغتصابات التي باتت تستخدم في أحيان كثيرة كلاباً مدرَّبة لهذا الغرض انتشرت على نطاق واسع بات يستحيل إخفاؤه. وقد وصلت أخيراً وبعد تأخر كبير إلى وسائل الإعلام الرئيسية كـNew York Times، مما أثار موجة احتجاجات وتهديدات من Netanyahu بـرفع دعاوى قضائية.
وقد وصل الانتهاك الجنسي إلى حد أن ناشطين دوليين في مجال السلام تعرّضوا لاغتصابات ممنهجة حين اعتُقل المئات منهم الشهر الماضي في المياه الدولية قبالة قبرص، فيما كانوا في طريقهم إلى غزة لكسر الحصار الإبادي الإسرائيلي.
تريد إسرائيل نشر الخوف؛ من فلسطين ذاتها إلى كل من يرغب في إبداء التضامن مع شعبها.
وبالكاد أشار السياسيون الغربيون و وسائل إعلامهم إلى هذه الجرائم الفظيعة التي طالت مواطنيهم أنفسهم. لماذا؟ لأن الاعتراف بتلك الجرائم يعني الإقرار بأن فظائع أشد وطأة تُمارَس بحق الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي.
سجون التواطؤ
غزة ليست شذوذاً. إنها تنسجم انسجاماً تاماً مع استراتيجية عسكرية إسرائيلية ممتدة ثمانية عقود. والغربيون لا يعلمون بذلك فحسب لأن طبقتهم السياسية والإعلامية عملت بجهد مضنٍ لإبقائهم في الجهل.
لو عرف الغربيون ما حدث حقاً للفلسطينيين على مدى أكثر من 80 عاماً أولاً على يد الحركة الصهيونية ثم على يد الدولة الإسرائيلية ربما لمتلأت صفوف مسيرات الاحتجاج أكثر فأكثر، لتصبح هذه التظاهرات مستحيلة التجاهل سياسياً.
لو عرف الغربيون ما حدث حقاً للفلسطينيين، ربما انضمّوا إلى الناشطين الذين يسعون إلى تعطيل مصانع الأسلحة الإسرائيلية، كـElbit Systems، التي تعمل علناً في دول غربية كبريطانيا. وربما تمكّنوا بذلك من قطع إمدادات الطائرات المسيّرة وغيرها من الأسلحة المستخدمة في قتل أهل فلسطين ولبنان.
وبدلاً من الآلاف، ربما كان عشرات أو مئات الآلاف مستعدين لرفع لافتة في المملكة المتحدة احتجاجاً على الإبادة، ولقبول الاعتقال بوصفهم «داعمين للإرهاب»، مما سيُربك منظومة السجون ويجعل نظام «العدالة» البريطاني المزعوم موضع سخرية.
ومسلّحون بالمعرفة بدلاً من أن يُخدَّرهم الجهل، قد يركب مزيد من الغربيين القوارب مشكّلين أسطولاً يستحيل على وسائل الإعلام الغربية تجاهله. لكن الأهم من كل ذلك، لو فُهم السياق الحقيقي لو عُرف نمط إسرائيل الممتد عقوداً في القتل والاغتصاب وتهجير الفلسطينيين ربما استيقظ الغربيون على حقيقة أن طبقتهم السياسية والإعلامية ليست فاعلاً أخلاقياً. إنها لا تدافع عن قيم حضارة متفوقة. وليست حارسةً للقانون الدولي والنظام الديمقراطي الليبرالي.
إنهم محتالون. أو بدقة أكبر، يعملون داخل بنى سياسية ومالية تجعل قول الحقائق التي ستهزّ منظومة السلطة في الغرب تلك التي تُثري نخبة ضئيلة عبر آلة حرب مربحة تحمي أرباحاً هائلة لصناعات الوقود الأحفوري أمراً مستحيلاً.
هذه المنظومة تدفع بعض الفلسطينيين إلى قبور مبكرة، وآخرين إلى معسكرات الاعتقال أو المنفى أو الفاقة.
وفي الوقت ذاته، تدفع بنا في الغرب إلى سجون بلا جدران مادية سجون الجهل والتواطؤ، أو سجون المعرفة والعجز.
في كلتا الحالتين، كما قال الجندي الأول، تجد إنسانيتنا تتبلّد. قلوبنا تتحجّر أو تتكسّر. والتحدي الذي نواجهه هو ذاته الذي يواجهه الفلسطينيون: إيجاد طريق للخروج من حصارنا.
أخبار ذات صلة

تقرير جديد: إسرائيل تمارس تطهيراً عرقياً ضد البدو الفلسطينيين

مجموعات حقوقية نطالب بالإفراج عن النشطاء المؤيدين لغزة المعتقلين في ليبيا

محكمة إندونيسية تدين 4 عسكريين في هجوم بحمض على ناشط وتسجنهم
