وورلد برس عربي logo

زيارة الشيباني تكشف مستقبل العلاقات السورية اللبنانية

زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت تؤكد حرص دمشق على استقرار لبنان ورفض التدخل العسكري مع حزب الله وسط ضغوط أمريكية متصاعدة وتطورات في العلاقات بين دمشق وبيروت وحزب الله في ظل تحولات إقليمية معقدة وورلد برس عربي

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يلتقي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في بيروت لمناقشة العلاقات اللبنانية السورية وحزب الله.
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري يلتقي بوزير الخارجية السوري أسعد الشيابي في بيروت بتاريخ 2 يوليو 2026 (محمد عزاقير/رويترز)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

زيارة الشيباني إلى بيروت لم تكن بروتوكولاً دبلوماسياً عادياً. الزيارة الرسمية الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان حملت من الدلالات ما يفوق بكثير ما أعلنته جداول الأعمال الرسمية.

خلافاً لزيارته الأولى إلى بيروت عقب سقوط الديكتاتور بشار الأسد، تضمّنت هذه الزيارة لقاءً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل والحليف السياسي الأقرب لحزب الله. وجاء هذا اللقاء في خضمّ تصريحاتٍ مثيرة للجدل أطلقها الرئيس الأمريكي Donald Trump، أوحى فيها بأن سوريا قد يُطلب منها «التكفّل» بحزب الله، وسط ضغوطٍ متصاعدة على دمشق لتضطلع بدورٍ في مواجهة الجماعة اللبنانية.

بالنسبة لبيروت، أتاحت الزيارة طمأنينةً إضافية بأن الإدارة السورية الجديدة لا تنوي الاستجابة لتلك الضغوط بالتدخّل العسكري في لبنان. أما بالنسبة لدمشق، فقد وفّرت فرصةً لشرح حجم الضغوط التي تواجهها، مع إيصال رسالةٍ مفادها أن حزب الله قادرٌ على المساهمة في منع مزيدٍ من التصعيد إذا عالج التوتّرات القائمة على الحدود اللبنانية السورية.

مسؤولٌ لبناني رفيع التقى الشيباني خلال الزيارة أفاد بأن الزيارة جرى تنسيقها مع الجانب اللبناني لتوجيه رسالةٍ أوضح حول نوايا سوريا.

قال المسؤول: «كانت الزيارة ضرورةً ملحّة لطمأنة لبنان وتبديد المخاوف من احتمال تدخّلٍ عسكري تدفع إليه الولايات المتحدة».

وأضاف: «الرسالة المطمئنة التي أطلقها الرئيس أحمد الشرع في مقابلته التلفزيونية كانت إشارةً إيجابية، لكن زيارة وزير الخارجية حملت رسالةً أقوى مفادها أن الإدارة السورية الجديدة لا تشكّل تهديداً للدولة اللبنانية أو لسيادتها».

بري يدخل دائرة الحوار

لقاء الشيباني مع بري شكّل خروجاً لافتاً عن الزيارة السابقة، حين لم يكن رئيس المجلس ضمن البرنامج الرسمي. وقد حافظ بري تاريخياً على علاقاتٍ وثيقة مع دمشق، بما في ذلك إبّان حكم الأسد. وعلى الرغم من معارضته للتدخّل العسكري لحزب الله في الحرب السورية، فإن موقعه بوصفه زعيم الحركة الشيعية السياسية الرئيسية في لبنان والحليف المحلي الأبرز لحزب الله يجعله وسيطاً طبيعياً بين الجماعة والقيادة السورية الجديدة.

لذا كان لافتاً أن يختار الشيباني مقرّ بري ليُطلق من هناك أحد أوضح تصريحاته العلنية بشأن حزب الله. إذ قال وزير الخارجية السوري رداً على سؤالٍ حول موقف بلاده من الجماعة: «إذا اقتضت المصلحة الوطنية اللقاء بحزب الله، فنحن منفتحون على ذلك».

وجاء هذا التصريح في سياقٍ مماثل لما أعلنه الشرع سابقاً، حين أكد استعداد سوريا للتواصل مع جميع الأطراف اللبنانية بما فيها حزب الله، متى خدم الحوارُ مصالح البلدين.

وقد رافقت هذه الإشارات العلنية من دمشق تليينٌ تدريجي في لغة حزب الله تجاه السلطات السورية الجديدة. فقد دعا الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مراراً إلى فتح صفحةٍ جديدة في العلاقة مع دمشق، فيما أشار المسؤول الرفيع في الجماعة نواف الموسوي علناً إلى الرئيس السوري بـ«الأخ أحمد الشرع»، في تحوّلٍ لافت عن الأسلوب الذي اعتمده الحزب سابقاً في الإشارة إلى الرجل المعروف بـ«أبو محمد الجولاني»، الاسم الحركي الذي كان يحمله حين كان يقود فرعه المنشقّ عن تنظيم القاعدة، هيئة تحرير الشام.

ومسؤولٌ رفيع في حزب الله أفاد بأن الأوضاع نضجت الآن لدرجةٍ لم تعد معها ثمّة مبرّرات لتأجيل التواصل المباشر.

قال المسؤول: «ما يلزم الآن هو المبادرة. ثمّة فرصةٌ لتعزيز العلاقة وتنظيمها». وأشار إلى أن تركيا، التي تربطها علاقةٌ وثيقة بالإدارة السورية، يمكن أن تؤدّي دوراً في ترتيب لقاءٍ أولي.

الضغط القادم من واشنطن

جاءت الزيارة على خلفية تصريحاتٍ أمريكية متصاعدة الصراحة حول دورٍ سوري محتمل في مواجهة حزب الله. فقد أثار Trump هذه الفكرة لأول مرة في مقابلةٍ مع برنامج NBC Meet the Press سُجّلت في 5 يونيو وبُثّت بعد يومين، داعياً إلى نهجٍ أكثر «دقة وفعاليةً» في التعامل مع حزب الله، ومشيراً إلى أن واشنطن يمكنها المساعدة أو «التوصية بسوريا».

قال Trump: «يمكننا مساعدتهم في ذلك، أو يمكننا التوصية بسوريا»، مُثنياً على الشرع ومدّعياً أن الرئيس السوري «سيسعد بالمساعدة».

ظلّت صياغته مبهمةً ولم تحدّد ما إذا كان يتصوّر تدخّلاً عسكرياً سورياً أم انخراطاً دبلوماسياً أم ضغطاً على حزب الله عبر الحدود. غير أن Trump كان أكثر صراحةً خلال قمّة G7 في فرنسا بتاريخ 16 يونيو، إذ قال للصحفيين: «اقترحت على إسرائيل أن تدع سوريا تتولّى أمر حزب الله، لأنني بصراحة أعتقد أنها ستُنجز المهمة بصورةٍ أفضل».

وانتقد Trump طريقة إسرائيل في إدارة الحرب على لبنان، قائلاً إنها استغرقت وقتاً طويلاً لهزيمة حزب الله مع ما خلّفته من خسائر بشرية فادحة وتدميرٍ للمباني السكنية. وفي اليوم التالي، أكد Trump أنه ناقش شخصياً ملفّ حزب الله مع الشرع، وإن أحجم عن الإفصاح عمّا إذا كان الرئيس السوري قد وافق على اتخاذ إجراءات.

أثارت هذه التصريحات المتكرّرة مخاوف متصاعدة في لبنان من أن واشنطن تسعى إلى جرّ سوريا إلى النزاع وفتح جبهةٍ جديدة ضد حزب الله من الشرق أو الشمال الشرقي.

ما قاله الشيباني لبري

جرى تناول هذه المخاوف بالتفصيل خلال لقاءٍ خاص استغرق 45 دقيقة جمع الشيباني وبري. وبحسب مصدرٍ مطّلع على مجريات الاجتماع، أبلغ وزير الخارجية السوري رئيسَ المجلس بأن دمشق تواجه ضغوطاً أمريكية مكثّفة لتتدخّل عسكرياً ضد حزب الله على الحدود الشمالية الشرقية.

وأبدى الشيباني استياءه من أن حزب الله لا يبذل ما يكفي لمساعدة دمشق على الصمود في وجه تلك الضغوط، وفق ما أفاد المصدر. وتحديداً، أثار مسألة وجود مواقع لحزب الله في مناطق حدودية متنازَع عليها لا تزال خارج السيطرة الفعلية للدولة السورية.

وبحسب المصدر، أبلغ الشيباني بري بأن نقل السيطرة على هذه المواقع إلى الجيش اللبناني من شأنه تخفيف التوتّرات وتجريد المدافعين عن العمل العسكري من أحد أبرز حججهم. واقترح أن يضطلع بري في مرحلةٍ أولى بدور الوسيط غير المباشر بين الطرفين.

ونقل المصدر عن الشيباني قوله: «الإدارة السورية لا تريد تصعيد التوتّرات السنية الشيعية، لأن المنطقة لا تتحمّل مزيداً من إراقة الدماء. إذا خسرتم، خسرنا معكم. لا نريد ذلك، وهذا ليس كلامًا معسولًا».

تكشف هذه الكلمات أن دمشق تنظر إلى التداعيات المحتملة لأي مواجهةٍ مع حزب الله باعتبارها تتجاوز بكثير الحدود اللبنانية. فعلى الرغم من تاريخ العداء بين حكّام سوريا الجدد والجماعة اللبنانية، يبدو أن المسؤولين السوريين يخشون أن تُعمّق أي حملةٍ عسكرية الانقسامات الطائفية داخل سوريا، وتُزعزع استقرار المناطق الحدودية، وتجرّ دمشق إلى نزاعٍ لا تستطيع السيطرة عليه.

طمأنةٌ ومطالبة في آنٍ واحد

كان الشرع قد حاول سابقاً تهدئة الجدل خلال مقابلةٍ مع قناة المشهد بتاريخ 21 يونيو، قائلاً إن تصريحات Trump أُسيء تأويلها على أنها تعني أن الجيش السوري سيدخل لبنان «صباح الغد». وأوضح الشرع أن المباحثات مع واشنطن انصبّت على كيفية إسهام سوريا في إيجاد حلٍّ آمن وسلمي لا على غزو لبنان.

قال الشرع: «رؤيتنا تقوم على دعم الدولة اللبنانية مجدّداً، وتعزيز مؤسساتها، والسعي إلى حلٍّ يؤمن به الجميع. نحن نبحث عن قنواتٍ اقتصادية بين لبنان وسوريا، لا عن قنواتٍ عسكرية».

وأكد الشرع أيضاً استعداد دمشق للقاء حزب الله، رغم «الجرح السوري العميق» الذي خلّفه دور الجماعة في دعم الديكتاتور الأسد إبّان الحرب الأهلية.

زيارة الشيباني عزّزت تلك الطمأنة، لكنها حملت في الوقت ذاته مطالبةً واضحة: تريد دمشق من حزب الله والدولة اللبنانية اتخاذ خطواتٍ على الحدود تُعينها على الصمود في وجه الضغط الأمريكي، وتُثبت أن المناطق الخلافية يمكن إخضاعها لسيطرة الدولة المعترَف بها دون الحاجة إلى تدخّلٍ عسكري سوري.

لم تكن مشاركة بري في الزيارة إذن مجرّد بروتوكول. فبحكم كونه الحليف الأقرب لحزب الله والمسؤول اللبناني الأقدر على الحفاظ على قنوات التواصل مع الجماعة والحكومات الإقليمية في آنٍ واحد، قد يغدو القناةَ الرئيسية التي تُعيد من خلالها سوريا وحزب الله تحديد علاقتهما بحذرٍ وتأنٍّ.

لم تُفرز الزيارة لقاءً رسمياً بين المسؤولين السوريين والجماعة. لكنها أشارت إلى أن الطرفين يتحرّكان بعيداً عن القطيعة التامة نحو حوارٍ مضبوط تُمليه اعتباراتٌ أمنية آنية. بالنسبة لدمشق، قد يكون هذا الحوار أفضل السبل لتفادي الانزلاق إلى دورٍ عسكري لا تريده. وبالنسبة لحزب الله، قد يُتيح قناةً تحول دون تحوّل الحدود الشرقية لسوريا إلى جبهةٍ جديدة في الحملة الإقليمية المتنامية ضد الجماعة.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيسان إردوغان وماكرون يتصافحان بحفاوة خلال قمة الناتو في لاهاي 2025، في سياق تعزيز التعاون الدفاعي الفرنسي-التركي.

فرنسا تُعيد حساب علاقاتها بتركيا وسط تحوّلات الأمن الأوروبي

تشهد العلاقات الفرنسية-التركية تحوّلاً استراتيجياً مع تعزيز التعاون الدفاعي وتنسيق المواقف الإقليمية، مما يعيد رسم خريطة الأمن الأوروبي. اكتشف تفاصيل هذه الشراكة الحاسمة الآن.
سياسة
Loading...
رئيس تركيا رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي يعكس التوترات حول حرية التعبير والقضايا القانونية في البلاد.

الممثل الكوميدي التركي يُحتجز في انتظار محاكمته بتهمة إهانة أردوغان

في تركيا، يواجه الكوميدي دينيز غوكتاش احتجازاً بتهمة إهانة الرئيس والقيم الدينية بعد عرضه الساخر الذي انتشر على يوتيوب. اكتشف تفاصيل القضية وتداعياتها من خلال موقعنا. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
الكوميدي التركي Deniz Goktas يؤدي عرضًا ساخرًا على المسرح في إسطنبول، وسط جدل حول حرية التعبير وانتقاده للرئيس أردوغان.

الكوميدي التركي المعتقل بتهمة "الإساءة" إلى أردوغان والدين يثير غضبا واسعا

اعتقال الكوميدي التركي Deniz Goktas بعد عرضه الذي انتقد الرئيس أردوغان والدين. اكتشف تفاصيل القضية وتأثيرها على المشهد السياسي في تركيا الآن.
سياسة
Loading...
عامل بريد أمريكي يدفع عربة تحمل بطاقات اقتراع بريدية داخل مركز فرز البريد، في سياق الجدل حول تقييد إرسال بطاقات الاقتراع بناءً على أوامر تنفيذية.

الولايات الديمقراطية تطالب البريد الأمريكي بالتراجع عن خطة مرتبطة بأوامر ترامب الانتخابية

في مواجهة محاولات ترامب تقييد بطاقات الاقتراع البريدية، يرفض حكام ديمقراطيون هذه الخطوة التي تهدد نزاهة الانتخابات وحقوق الناخبين. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من النقاش الديمقراطي الحيوي.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية