نجاح إطلاق Spectrum يفتح أفق جديد لمهمات الفضاء الأوروبية
نجاح إطلاق صاروخ Spectrum يفتح باب المنافسة الأوروبية في سوق الإطلاق الفضائي ويمنح Astroscale شريكاً موثوقاً لمهام إزالة الحطام الفضائي وسط نقص الخيارات العالمية واهتمام متزايد بخدمات الأقمار الصناعية. وورلد برس عربي

في مطلع سبتمبر 2026، وعلى ارتفاع يتجاوز الغلاف الجوي لشمال النرويج، أرسل صاروخ Spectrum التابع لشركة Isar Aerospace الألمانية إشارةً تتجاوز في دلالتها مجرّد نجاح إطلاق: ثمّة منافسٌ أوروبي جديد يستطيع الوصول إلى المدار فعلاً. وما يجعل هذه الإشارة ذات وزنٍ أكبر هو أنّ شركة Astroscale اليابانية، المتخصّصة في خدمات الأقمار الاصطناعية وإزالة الحطام الفضائي، كانت قد وقّعت عقدَين مع Isar قبل أن يثبت الصاروخ قدرته على بلوغ المدار أصلاً وهو رهانٌ محسوبٌ يكشف بقدر ما يكشف عن ضيق الخيارات المتاحة في سوق الإطلاق العالمية.
رهانٌ قبل الإثبات
الرحلة الثانية لـ Spectrum هي التي حقّقت النجاح؛ الأولى أخفقت العام الماضي. لكنّ Astroscale لم تنتظر: وقّعت العقد الأول في مارس 2026، ثم أتبعته بعقدٍ ثانٍ في سبتمبر من العام نفسه بعد نجاح الإطلاق. المهمّتان المتعاقد عليهما هما ELSA-M، المخصّصة للقبض على الأقمار الاصطناعية وإخراجها من المدار، وADRAS-J2، المخصّصة لإزالة الحطام الفضائي بتمويلٍ جزئي من وكالة الفضاء اليابانية JAXA.
يشرح Chris Blackerby، المدير التشغيلي لـ Astroscale، منطق هذا القرار بصراحةٍ لافتة: «كانت الساعة الخامسة صباحاً بتوقيت اليابان يوم الأحد، وكنت مستيقظاً أتابع البثّ. أدّوا عملاً رائعاً في كل شيء، من الجانب الإعلامي إلى حضور كبير المهندسين لشرح كل شيء. حتى وأنا جالسٌ على أريكتي في ذلك الصباح الباكر، كانت ثقتي تتنامى وأنا أستمع إلى الفريق يشرح كل ما أنجزوه وكل التحضيرات التي بذلوها للوصول إلى تلك اللحظة. كنّا قد أجرينا الكثير من البحوث المسبقة، وأرسلنا فرقاً للتدقيق في موقع التصنيع والتحدّث مع كثيرٍ من قياداتهم التقنية. كنّا واثقين جداً مسبقاً. وبالتأكيد كان الإطلاق مذهلاً. تحقّق كل مؤشّر، كل محطّة، نشر الحمولات كان كل ما كنّا نأمله. ولدينا مهمّتان كبيرتان مع Isar، ونحن متحمّسون لمتابعة تطوّرهم ونجاحهم.»
الفجوة في سوق الإطلاق
ما يجعل هذا الشراكة منطقيةً بعمق هو ما يصفه Blackerby بـ«مخطّط فين» للمتطلّبات: الإطلاق المخصّص، الحمولة بين 500 و700 كيلوغرام، والتكلفة المعقولة. مهام Astroscale تستلزم الوصول إلى مدارات محدّدة لمواعيد ومواقع بعينها، ممّا يجعل الإطلاق المشترك (rideshare) خياراً أكثر تعقيداً. أمّا صاروخ Electron التابع لـ Rocket Lab فقد خدم المهمّة الأصغر ADRAS-J، لكنّ ADRAS-J2 وELSA-M تتجاوز طاقته الاستيعابية. وصاروخ Neutron من Rocket Lab لم يكن جاهزاً بعد.
يقول Blackerby بلهجةٍ لا تخلو من مرارةٍ تحليلية: «على الرغم من كل الحديث عن انتشار الإطلاق وانخفاض الأسعار والطاقة الاستيعابية المتوفّرة في كل مكان لا أرى ذلك بعد. لا يوجد الكثير من الخيارات الموثوقة والمتّسقة. كانت هناك شركاتٌ تستهدف هذا النطاق من قبل، من بينها Relativity وAstra وغيرها، لكنّ الجميع يتجه الآن نحو الأحجام الأكبر. في نطاق 500 كيلوغرام إلى طنٍّ واحد، الخيارات شحيحة. اخترنا مزوّد إطلاق لم يُثبت نجاحاً متّسقاً بعد، وهذا بالتأكيد مخاطرة. لكنّنا أجرينا الكثير من التدقيق، ونحن واثقون جداً من قرارنا.»
يُضاف إلى هذا الضغط عاملٌ آخر لا يمكن تجاهله: SpaceX تُقلّص وتيرة إطلاقات Falcon 9، والجدول الزمني التشغيلي لـ Starship لا يزال ضبابياً. وهو ما يجعل Astroscale، كغيرها من شركات الفضاء، تُعيد رسم خرائط الاعتماد على مزوّدي الإطلاق. يذكر Blackerby في هذا السياق أسماء Blue Origin وStoke الناشئة التي حصلت مؤخّراً على جولة تمويل كبيرة، مشيراً إلى أنّ المشهد في تحوّل، لكنّه لم يكتمل بعد.
في المقابل، تستفيد Isar Aerospace من دعمٍ حكومي أوروبي واسع يشمل وكالة الفضاء الأوروبية ESA والاتحاد الأوروبي والحكومتين النرويجية والألمانية، ممّا يمنحها احتياطياً من العقود يُعزّز استمراريّتها. وهي تنافس في السوق الأوروبية شركتَي Arianespace وAvio، لكنّ نجاح Spectrum يمنحها موطئ قدمٍ حقيقياً في الفئة الأصغر.
من الزحف إلى الاقتراب المتر تلو الآخر
تقف Astroscale اليوم عند نقطةٍ نادرة في تاريخ صناعة الفضاء التجاري: شركةٌ تبني منظومة كاملة لخدمة الأقمار الاصطناعية من الصفر، مهمّةً تلو الأخرى، بتمويلٍ متنوّع المصادر ومخاطر موزّعة بعناية.
المهمّة الأولى ELSA-D كانت بتمويلٍ داخلي كامل من أسواق الأسهم يصفها Blackerby بـ«مرحلة الزحف»: «أحضرنا حطامنا معنا، وأطلقناه، ثم أثبتنا قدرتنا على التقاطه. كانت الخطوة الأولى.» المهمّة الثانية ADRAS-J جاءت بتمويلٍ مشترك مع JAXA، وELSA-M تُموَّل بالشراكة مع ESA ووكالة الفضاء البريطانية. أمّا ADRAS-J2 فتُمثّل نقلةً نوعية: الشركة تقترب من تحقيق إيراداتٍ تتجاوز التكاليف.
المهمّة الأبرز تقنياً حتى الآن كانت ADRAS-J في 2024، حين اقترب المركبة الفضائية من مرحلة الصاروخ H-IIA المعطّل والتقطت صوراً تفصيلية له في 15 يوليو 2024 وهو جسمٌ لا يتواصل ولا يتعاون. يتحدّث Blackerby عن هذه المهمّة بحماسٍ واضح: «كانت مهمّةً رائدة حقاً. القدرة على تحديد جسمٍ في المدار والاقتراب منه والمناورة حوله، وهو جسمٌ غير متواصل، هذا غير مسبوق تقريباً من شركةٍ تجارية. تعلّمنا كل شيء: من تصميم الأجهزة، إلى مفهوم العمليات، إلى التأكّد من أنّ المركبة تعرف كيف تتعرّف على أي شذوذ وهي تقترب باستقلاليّة، وتعرف أنّه يجب عليها المحاولة مجدّداً. السلامة هي القضية المحورية في كل هذا.»
مهمّة ADRAS-J2 ستكون أكثر تعقيداً تقنياً: الهدف جسمٌ مستطيل الشكل وغير دوّار، لكنّ مهمّة ISSA-J1 اللاحقة ستواجه أقماراً اصطناعية قد تكون دوّارة وتمتلك ألواحاً شمسية بارزة. يشرح Blackerby الفارق: «عمليات الالتقاء والمناورة القريبة ستكون أكثر تعقيداً بالتأكيد. نحتاج إلى تطوير هذه التقنية للاقتراب بدقّة من قطعة حطام ضخمة قد لا تكون جسماً مستقرّاً. كل مهمّة فريدةٌ في طبيعتها، وكل هذا يبني قاعدة بياناتٍ أكبر من المعرفة. إذا أردنا الوصول إلى منظومة خدمات فضائية شاملة لأغراض الأمن والاقتصاد واستدامة البيئة الفضائية نحتاج إلى هذه القاعدة الضخمة من بيانات الاقتراب والتعرّف والالتقاط.»
الأفق: إعادة التزوّد وسوقٌ في الطور
تمتلك Astroscale حالياً 8 إلى 9 مهام قيد التصنيع في مواقع متعدّدة حول العالم. من بين هذه المهام مشروع Provisioner، المتعاقد عليه مع القوات الفضائية الأمريكية US Space Force، والذي سيُظهر قدرات إعادة تزوّد الأقمار الاصطناعية بالوقود. يقول Blackerby: «Provisioner مهمٌّ جداً. سيُثبت قدرة إعادة التزوّد بالوقود. نعتقد أنّ هناك سوقاً متنامياً لذلك، وإشارات الطلب تأتي من الولايات المتحدة. هناك اهتمامٌ بخدمات إخراج الأقمار من المدار كخدمة، ومهام تمديد العمر التشغيلي، وعمليات التفتيش القريبة. وصلنا إلى مسافة أمتار من ADRAS-J هذه هي القدرة الاستثنائية الحقيقية التي نبنيها.»
في مارس 2026، أُدرجت Astroscale في بورصة طوكيو، وفي اليوم الثاني عشر من الشهر نفسه، شاهد الملك Charles الثالث نموذجاً مصغّراً من قمر ELSA-M في لندن لحظتان تعكسان مدى اتّساع الاهتمام بهذه الصناعة الناشئة، من الأسواق المالية إلى القصور الملكية.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ الرصد في المرحلة القادمة: الأرجح، أن تواصل Isar Aerospace تحسين موثوقية Spectrum وتراكم سجلٍّ تشغيلي يُعزّز ثقة عملائها، مع استمرار Astroscale في تنفيذ مهامها التدريجية نحو الربحية. المحتمل، أن تُفرز الضغوط على منظومة SpaceX وشحّ الخيارات في فئة الطنّ موجةً من العقود الجديدة نحو مزوّدين أوروبيين وآسيويين ناشئين. الأقلّ احتمالاً، لكنّه وارد، أن تُعيد إخفاقاتٌ تشغيلية سواء في مهام الاقتراب أو في موثوقية الإطلاق رسم خريطة هذا القطاع من جديد. السؤال الجوهري الذي سيحدّد مسار العقد القادم ليس تقنياً بالدرجة الأولى: هل تتحوّل خدمات الأقمار الاصطناعية من مشاريع ممولّة حكومياً إلى سوقٍ تجارية متكرّرة وقابلة للتوسّع؟ Blackerby يضع السقف في مطلع الثلاثينيات من هذا القرن وهو تقديرٌ حذر يعكس رجلاً يعرف الفرق بين الوعد والإثبات.
أخبار ذات صلة

تمويل السيارات: لماذا يجب أن تؤثّر كفاءة الوقود على سعر القرض

سعر الفائدة الأمريكي يُنتظر بيان التضخّم القادم

الشرطة الكورية تسعى لمقاضاة مغني K-pop خلف فرقة BTS
