هل يرى الوعي فعلاً عند مغادرة الجسد تجربة غامضة
هل يراها الوعي فعلاً حين يغادر الجسد؟ تجربة علمية مع ممارسي الخروج من الجسد تكشف عن نتائج مفاجئة بين غياب دليل على رؤية الصور المخفية وملاحظات غير متوقعة تفتح باب تساؤلات جديدة عن طبيعة الواقع والوعي في وورلد برس عربي.

حين يغادر الوعي الجسد هل يرى شيئاً فعلاً؟
ثمّة أشخاص يصفون تجربةً بالغة الغرابة: الشعور بمغادرة الجسد والنظر إليه من الخارج، كأنّ الوعي انفصل عن حدوده الجسدية وصار يرى العالم من زاوية أخرى. هذه التجربة التي يُعرف أصحابها بـ«ممارسي الخروج من الجسد» (Out-of-Body Experience) موثّقة في الأدبيات الروحية والتقارير الشخصية منذ قرون، لكنّها ظلّت بعيدة عن التحقّق العلمي الصارم. دراسةٌ جديدة نشرتها مجلة Explore عام 2026 حاولت أن تضع هذه الادّعاءات تحت مجهر المختبر وخرجت بنتائج مثيرة للاهتمام، وإن لم تكن بالشكل الذي توقّعه الباحثون.
تصميم التجربة: ثلاث غرف وصورة مخفية
أجرت عالمة الأعصاب Marina Weiler من جامعة University of Virginia تجربةً مُحكمة شارك فيها 21 ممارساً ذوي خبرة في تجارب الخروج من الجسد. اعتمد التصميم على ثلاث غرف منفصلة: غرفة للمشاركين، وغرفة للباحثين، وغرفة ثالثة تحتوي على الهدف. في غرفة الهدف، كان حاسوب محمول يعرض صورةً واحدة مختارة عشوائياً من بين 100 صورة لأشياء مختلفة، مع توجيه الشاشة نحو الحائط لمنع أي رؤية مباشرة.
الأهمّ في هذا التصميم هو ما يُعرف بـ«التعمية المزدوجة» (Double Blind): لم يكن المشاركون يعلمون ما تعرضه الشاشة، ولم يكن الباحثون أنفسهم يعلمون ذلك أيضاً. أمضى كلّ مشارك ما بين 60 و90 دقيقة في محاولة استشعار الصورة المخفية على بُعد 7 أمتار (23 قدماً). أفاد 13 من أصل 21 مشاركاً بأنّهم تلقّوا انطباعاتٍ تتعلّق بالهدف، وأبلغ 8 منهم عن تجارب خروج فعلي من الجسد.
ما قاله الذكاء الاصطناعي وما فاجأ الباحثين
بعد انتهاء التجربة، خضعت أوصاف المشاركين لتحليلٍ بالذكاء الاصطناعي، بهدف مقارنتها بالصور المستهدفة. النتيجة كانت واضحة: جاءت تقديرات الذكاء الاصطناعي لأوصاف المشاركين بين المرتبة 16 والمرتبة 92 من بين 100 صورة، أي في مستوى لا يختلف إحصائياً عن التخمين العشوائي. وللتحقّق من دقّة الأداة، استُخدم الذكاء الاصطناعي ذاته في تحليل أوصاف دقيقة ومباشرة للصور، فنجح في تحديد الهدف بصورة صحيحة ما يؤكّد أنّ المشكلة لم تكن في الأداة، بل في الأوصاف نفسها.
غير أنّ الدراسة أفرزت ملاحظةً غير متوقّعة، لم تكن في صميم التصميم التجريبي. أفاد مشاركان دون أن يُطلب منهما ذلك بتفاصيل دقيقة عن غرفة الباحثين المجاورة. وصف «المشارك رقم 7» وجود باحثٍ على اليسار أمام حاسوب، وآخر يقرأ في ركن الغرفة وهو ما تطابق مع الترتيب الفعلي. أمّا «المشارك رقم 13»، فوصف باحثاً على اليمين يُدوّن ملاحظات، وآخر على اليسار أمام الحاسوب وهو أيضاً ما حدث بالفعل.
هذه الملاحظة تستدعي الوقوف عندها، لا لأنّها تُثبت شيئاً، بل لأنّها تُذكّر بحادثة مماثلة وقعت في تجربة سابقة مع Robert Monroe، أحد أشهر ممارسي الخروج من الجسد في الستينيات، حين أفاد بوصف دقيق لشخص كان خارج غرفة الاختبار وهو ما رصده علم النفس Charles Tart آنذاك.
ماذا تعني هذه النتائج؟
تجدر الإشارة إلى أنّ الملاحظتين المتعلّقتين بالمشاركَين 7 و13 لم تكونا جزءاً من بروتوكول التجربة الأصلي، ولم تُوثَّقا بالمعايير الصارمة المطلوبة لإثبات ادّعاء علمي. وبالتالي، يجب التعامل معهما بوصفهما إشارةً تستحقّ المتابعة، لا دليلاً قاطعاً.
تقول Weiler في هذا الصدد: "النتائج غير المتوقّعة تمنحنا اتّجاهاً جديداً محتملاً للبحث، لكنّها تحتاج إلى اختبارٍ استباقي وفي ظروف صارمة قبل أن نعرف ما تعنيه." وتضيف: "آمل أن تشجّع هذه الدراسة الباحثين على التفكير بصورة إبداعية في كيفية اختبار هذه التجارب."
وفي سياق أوسع، تُشير الباحثة إلى أنّ ما يطرحه هذا البحث يتجاوز مسألة الرؤية عن بُعد: "في أعمق مستوياته، لا يسأل هذا البحث فقط عمّا إذا كانت تجارب الخروج من الجسد حقيقية. إنّه يسأل عمّا نعنيه بـ'الحقيقي' أصلاً، وما إذا كان فهمنا الراهن للواقع واسعاً بما يكفي لاستيعاب كلّ ما يمكن للوعي البشري أن يختبره."
في سياق التاريخ العلمي لهذه التجارب
ليست هذه المحاولة الأولى لاختبار قدرات الإدراك خلال تجارب الخروج من الجسد. في عام 1968، أجرت الباحثة دراسةً مع امرأة تُعرف بـ«Miss Z»، ادّعت خلالها الإدراك الصحيح لرقمٍ مؤلّف من خمسة أرقام مخفية. غير أنّ هذه الدراسة ظلّت موضع جدل، ولم تُعاد بنجاح في ظروف مُحكمة.
ما يميّز دراسة Weiler هو محاولتها الجادّة لإزالة التحيّز الذاتي عبر استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً للتحليل، وتصميم بيئة مُعمّاة بالكامل. والنتيجة الرئيسية غياب أي دليل على إدراك الصور المخفية هي نتيجة سلبية واضحة لا لبس فيها. لكنّ النتيجة الثانوية المتعلّقة بوصف الغرفة المجاورة تبقى معلّقة، تنتظر بروتوكولاً بحثياً مُصمَّماً خصيصاً لاختبارها.
السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً ليس عن الأرواح أو الميتافيزيقا، بل عن حدود مناهجنا العلمية في دراسة ظاهرة بالغة التعقيد كالوعي البشري. وكما تقول Weiler: "آمل أن تشجّعنا هذه النتائج على التفكير بعمق أكبر في ما قد تعنيه لفهمنا للوعي، وفي نهاية المطاف، لطبيعة الواقع ذاته."
أخبار ذات صلة

شهب البرشاويات تلتقي بمسارات النجوم الساحرة فوق صحراء مصر الغربية

كوكب الزهرة أشدّ حرارةً من عطارد رغم قربه الأقلّ من الشمس

مختبرات زراعية تحت الأرض: العلماء الصينيون يحوّلون مناجم الفحم المهجورة
