لماذا الزهرة أحر من عطارد رغم بعده عن الشمس
الزهرة ليس الأقرب للشمس لكنه الأشد حرارة بسبب غلافه الجوي الكثيف الذي يحبس الحرارة مثل بيت الزجاج. تعرف كيف يحول ثاني أكسيد الكربون كوكباً باردًا إلى جحيم حراري يهدد بفهم أعمق لظاهرة الاحتباس الحراري في الأرض وورلد برس عربي.

الكوكب الأقرب إلى الشمس ليس الأشد حرارة فكيف تفوّق الزهرة على عطارد؟
حين يسأل أحدهم عن أشد كواكب المجموعة الشمسية حرارةً، يبادر الذهن فوراً إلى عطارد، ذلك الكوكب الصغير المحروق الذي يدور على بُعد 58 مليون كيلومتر فحسب من الشمس. لكنّ الإجابة الصحيحة تُفاجئ كثيرين: الزهرة هو الأشد حرارةً، رغم أنّه أبعد بنحو 50 مليون كيلومتر عن الشمس. هذه المفارقة ليست شذوذاً كونياً، بل هي درسٌ بالغ الأهمية في فيزياء الغلاف الجوي درسٌ تتردّد أصداؤه اليوم في نقاشات المناخ على كوكبنا أيضاً.
حرارة لا تُطاق: أرقام تتحدّث عن نفسها
تبلغ درجة حرارة سطح الزهرة نحو 480 درجة مئوية (900 درجة فهرنهايت)، في حين لا تتجاوز درجة حرارة سطح عطارد خلال النهار 430 درجة مئوية (800 درجة فهرنهايت). الفارق يبدو متواضعاً للوهلة الأولى، لكنّ المشهد الكامل يكشف عمق الاختلاف: فعطارد، حين يُدير ظهره للشمس ليلاً، تهوي درجة حرارته إلى نحو -180 درجة مئوية (-290 درجة فهرنهايت)، ما يعني تأرجحاً حرارياً يتجاوز 1000 درجة فهرنهايت بين الليل والنهار على كوكبٍ واحد. أما الزهرة، فيظلّ محتفظًا بحرارته القاسية في كلّ حين، ليلاً ونهاراً، في مواجهة الشمس أو بعيداً عنها.
السبب وراء هذا التباين الصارخ ليس المسافة من الشمس، بل شيءٌ آخر تماماً: الغلاف الجوي.
الغلاف الجوي: الفارق بين الجحيم والبرودة القاطعة
يكاد عطارد يخلو من أيّ غلاف جوي يُذكر، فلا شيء يحتجز الحرارة حين تغيب الشمس، ولا شيء يوزّعها بين جانبَي الكوكب. في المقابل، تمتلك الزهرة غلافاً جوياً كثيفاً بشكل استثنائي، يبلغ كثافته نحو 90 ضعف كثافة الغلاف الجوي للأرض، ويتكوّن في معظمه من ثاني أكسيد الكربون.
هذا الغلاف الجوي يعمل كما يعمل سقف الزجاج في بيت الزجاج (الدفيئة): يسمح لبعض الإشعاع الشمسي بالنفاذ إلى السطح، ثم يحبس الحرارة المنبعثة منه ويمنعها من الهروب إلى الفضاء. والمفارقة اللافتة أنّ الغيوم الكثيفة التي تُغطّي الزهرة تعكس نحو 75% من ضوء الشمس الوارد، ولا يصل إلى السطح سوى نحو 3% من هذا الضوء. ومع ذلك، يكفي هذا القدر الضئيل، مقروناً بكفاءة الغلاف الجوي الهائلة في احتجاز الحرارة، لرفع درجة الحرارة إلى ما يفوق عطارد.
يوضّح ستيفن كاين، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، هذه المعادلة المعقّدة بعبارةٍ دقيقة: "المسافة تُخبرنا بكمّية ضوء الشمس التي تصل إلى الكوكب، لكنّها لا تُخبرنا بكمّية ما يُعكس منه، ولا بكمّية ما يُمتصّ، ولا بمدى كفاءة الحرارة في الهروب، ولا بمدى فاعلية الغلاف الجوي في توزيع الحرارة حول الكوكب. هذه الخصائص قد تكون بالغة الأهمية بقدر المسافة، وأحياناً أهمّ منها بكثير."
ويُضيف كاين موضّحاً آلية الاحتجاز الحراري: "بعض هذه الطاقة يُعاد توجيهها نحو الأسفل، ممّا يزيد من تسخين الطبقات الجوية الدنيا وسطح الكوكب."
دوّامة الاحترار الذاتي: حين يُغذّي الجحيم نفسه
ما يجعل وضع الزهرة أشدّ إثارةً للقلق العلمي هو أنّ هذا الاحترار تحوّل إلى عمليةٍ تُغذّي نفسها بنفسها. فقد نشأ الغلاف الجوي الكثيف للزهرة عبر ملايين السنين من النشاط البركاني والتكتوني، حتى بلغ نقطةً يصفها العلماء بـ"حالة الاحترار الزائد ما بعد الهروب" (post-runaway greenhouse state).
بول بيرن، عالم الكواكب في جامعة واشنطن في سانت لويس، يصف هذه الحالة بدقّة: "الزهرة تقبع في حالة 'احترار زائد ما بعد الهروب'، حيث أصبحت حرارتها الشديدة عمليةً مستدامة ذاتياً، بصرف النظر عمّا يجري في باطن الكوكب في أيّ لحظة."
بمعنى آخر، حتى لو توقّف النشاط البركاني على الزهرة كلياً، فإنّ الغلاف الجوي وحده كافٍ للحفاظ على هذا الجحيم الحراري قائماً.
لو جرّدنا الزهرة من غلافها الجوي
يطرح كاين تجربةً فكرية تكشف الحقيقة بجلاء: "لو جُرِّدت الزهرة من غلافها الجوي وغيومها، لكانت الزهرة الصخرية العارية أبرد فعلياً من عطارد، إذ لن تتلقّى في الأصل سوى نحو 29% من كمّية ضوء الشمس التي يتلقّاها عطارد."
هذه الجملة تلخّص المسألة برمّتها: الزهرة، بطبيعته الجوهرية، كوكبٌ أبرد من عطارد. لكنّ غلافه الجوي المشبع بثاني أكسيد الكربون قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وحوّل كوكباً كان يمكن أن يكون معتدلاً نسبياً إلى بيئةٍ لا تختلف كثيراً عن أفران الصهر.
ما يُقلق علماء المناخ وعلماء الكواكب معاً هو أنّ هذه الدينامية غاز ثاني أكسيد الكربون يحتجز الحرارة، ترتفع الحرارة، يتسارع الاحترار ليست حكراً على الزهرة. إنّها المبدأ ذاته الذي يقف وراء ظاهرة الاحترار العالمي على الأرض، وإن كانت درجاتنا لا تزال بعيدةً كلّ البُعد عن جحيم جارتنا الكوكبية. السؤال الذي يظلّ مفتوحاً أمام الباحثين هو: ما الحدّ الذي يتحوّل عنده الاحترار التدريجي إلى دوّامة لا يمكن إيقافها؟ الزهرة، بمأساتها الكونية، قد تكون الإجابة المكتوبة في السماء.
أخبار ذات صلة

تجربة علمية حول تجارب الخروج من الجسد: شاهد اثنان ظواهر حيّرت الباحثين

شهب البرشاويات تلتقي بمسارات النجوم الساحرة فوق صحراء مصر الغربية

مختبرات زراعية تحت الأرض: العلماء الصينيون يحوّلون مناجم الفحم المهجورة
