المنتخب الإيراني في كأس العالم بين السياسة والرياضة
في "Tehrangeles"، يخوض المنتخب الإيراني مباراة افتتاحية في كأس العالم 2026 ضد نيوزيلندا، محملاً بآمال وآلام شعبه. تعكس المباراة التوترات السياسية في إيران، حيث يتجاوز الضغط الملعب ليعكس واقعاً معقداً.

في مدينةٍ تُعرف بـ"Tehrangeles" ذلك اللقب الذي أطلقه المغتربون الإيرانيون على لوس أنجلوس سيخوض المنتخب الإيراني مباراته الافتتاحية في كأس العالم 2026 أمام نيوزيلندا. المشهد وحده يكفي لتلخيص ما يعيشه هذا المنتخب: ملعبٌ في مدينة تحتضن واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في العالم، وجُلُّها معارضٌ للحكومة في طهران. والأثقل من ذلك أن المباراة تأتي بعد يومٍ واحد فقط من إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump التوصّل إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية، في إشارةٍ إلى احتمال وضع حدٍّ للصراع الذي امتدّ ثلاثة أشهرٍ ونصفاً.
تاريخ المنتخب الإيراني مع كأس العالم كان دائماً مرآةً لاضطرابات البلاد الداخلية، لكن دورة 2026 تبدو استثنائيةً حتى بمقاييس هذا التاريخ المثقل.
في الداخل الإيراني، لا يزال الجدل قائماً حول مدى تمثيل المنتخب للشعب أم للحكومة، لا سيّما بعد أن أقدمت السلطات على قتل آلاف المحتجّين في الشوارع في وقتٍ سابق من هذا العام. أحد عشر لاعباً على أرض الملعب، وكلٌّ منهم يحمل ثقلاً يتجاوز كرة القدم بكثير.
يقول جهانيار محبّي، المدرّب السابق لنادي Foolad FC في الدوري الإيراني الاحترافي: "اللاعبون يشعرون بالضغط من كلّ الاتجاهات من السياسيين، ومن الجماهير في الولايات المتحدة وفي الداخل. لكنّ للسياسة تاريخاً طويلاً مع كرة القدم في إيران."
حين كانت الثورة تنتظر في المطار
حين شارك المنتخب الإيراني لأول مرة في كأس العالم عام 1978، كانت الثورة تتخمّر في الوطن. سافر اللاعبون إلى الأرجنتين فيما كان نظام الشاه يحاول عزلهم عن الاضطرابات المتصاعدة. بارفيز غليج خاني، الذي رحل الشهر الماضي، كان أبرز لاعبي إيران في تلك الحقبة، غير أنّ آراءه السياسية الجريئة جعلته تحت مجهر الشرطة السرية للشاه، فلم يُسمح له بالسفر إلى البطولة. في المقابل، سافر حارس المرمى ناصر حجازي وقدّم أداءً لافتاً حتى قِيل إنّ Manchester United أبدى رغبةً في التعاقد معه، لكنّ الثورة قطعت الطريق قبل أن تكتمل الأوراق.
الجمهورية الإسلامية الجديدة بقيادة آية الله علي خميني نظرت إلى كرة القدم بعينٍ حذرة، مدركةً قدرتها على استثارة العواطف في بلدٍ يقترب عدد سكّانه من 90 مليون نسمة.
لكنّ عام 1997 جاء بمشهدٍ مختلف. حين فاز المنتخب في ملبورن على أستراليا وضمن تأهّله لكأس العالم 1998، اندلعت احتفالاتٌ في الشوارع الإيرانية بلغت من الاتّساع حدّاً جعل المسؤولين يطلبون من اللاعبين تأخير عودتهم حتى تهدأ الأمور.
ذلك الفوز الشهير في ملبورن مهّد الطريق لأكثر مباريات مونديال 1998 ترقُّباً: إيران في مواجهة الولايات المتحدة في ليون. أرسل الرئيس Bill Clinton رسالةَ سلامٍ، وقدّم اللاعبون الإيرانيون الزهور لنظرائهم الأمريكيين قبل أن يفوزوا 2-1.
يروي جلال طالبي، مدرّب إيران آنذاك: "بدأ الناس يتحدّثون عن هذه المباراة قبل ستة أشهر من البطولة. كلّ يومٍ يأتيني أحدٌ من الحكومة أو من عالم الرياضة يريد الفوز. لم أكن بحاجةٍ إلى أن أشرح للاعبين أهمية المباراة. ما حاولتُ قوله لهم هو: 'انسوا كلّ ذلك. ما يُقال هو كلامٌ سياسي.' كنتُ أعرف حجم الضغط الذي يحملونه."
السياسة لا تغيب عن الملعب
فازت إيران في تلك المباراة، لكنّها خرجت من مونديال 2006 دون انتصار، وسط خلافاتٍ في غرفة تبديل الملابس بين مؤيّدي علي دايي وعلي كريمي. ولاحقاً، في تصفيات مونديال 2010، ارتدى كريمي وعددٌ من زملائه شارةً خضراء على أذرعهم خلال مباراةٍ مصيرية أمام كوريا الجنوبية، في إشارةٍ فُسِّرت على نطاقٍ واسع بوصفها دعماً لمحتجّين يساندون مير حسين موسوي، المرشّح المعارض في الانتخابات الرئاسية التي خسرها أمام محمود أحمدي نجاد في انتخاباتٍ اعتقد كثيرون أنّها زُوِّرت.
وفي مونديال 2022، حين واجهت إيران إنجلترا والولايات المتحدة وويلز، كانت وفاة مهسا أميني الشابة البالغة من العمر 22 عاماً التي لقيت ماتت في الاحتجاز إثر اتّهامها بانتهاك قوانين اللباس قد أشعلت غضباً شعبياً واسعاً. قبيل مباراة إنجلترا، امتنع لاعبو إيران عن ترديد النشيد الوطني، في موقفٍ فُسِّر بوصفه احتجاجاً صريحاً على الحكومة.
العزلة السياسية أضرّت بالكرة الإيرانية على الصعيد العملي أيضاً؛ إذ يعاني الاتحاد في استرداد الجوائز المالية والمستحقّات من الخارج، وتشحّ الاستثمارات في معسكرات التدريب والمرافق. تراجع الدوري المحلي عن نظيره في المنطقة، وتتحاشى المنتخبات الكبرى في الغالب إجراء مباريات ودّية مع إيران. وللمقارنة، فإيران تأهّلت ثاني مَن تأهّل إلى مونديال 2026 وأجرت مباريات استعداديةً أمام روسيا وتنزانيا وكوستاريكا ونيجيريا وغامبيا، في حين استعدّت اليابان أول المتأهّلين بمواجهة البرازيل وإنجلترا والولايات المتحدة والمكسيك.
في عين العاصفة
رغم كلّ هذه العقبات، يواصل المنتخب الإيراني تأهّله المنتظم إلى كأس العالم، ويحتلّ المرتبة الثانية آسيوياً خلف اليابان. غير أنّ 2026 تبدو الاختبار الأعسر في تاريخه.
حتى الأحد الماضي، كان المنتخب يعيش في ظلّ شكٍّ حقيقي حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح له بالدخول أصلاً. وكان معسكر التدريب قد نُقل من أريزونا إلى مدينة تيخوانا المكسيكية على الحدود.
يرى محبّي أنّ ثمّة جانباً إيجابياً في هذا الوضع: "المنتخبات عادةً تصل إلى البطولة منهكةً بعد موسمٍ محلّي طويل، لكنّ إيران أخذت استراحةً مطوّلة وتدرّبت تقريباً كما تتدرّب الأندية." لكنّه يُضيف: "إلغاء الدوري المحلّي في فبراير ترك أثره. لم تكن هناك مباريات، والأصعب هو الجانب اللوجستي هل سيتمكّنون من التدرّب في الملعب قبل المباراة بيومٍ أم سيذهبون مباشرةً إلى اللعب؟ هذا الغموض يُضاعف الصعوبة."
قائد المنتخب مهدي طارمي عبّر بصراحةٍ عن هذا الشعور، بعد أن رُفضت طلبات تأشيرة لعددٍ من أفراد الوفد الإيراني: "شاركتُ في ثلاثة كؤوس عالمية، وفي كلّ مرة حين تنزل من الطائرة وتدخل البلد المضيف تشعر بأجواءٍ فريدة من الودّ والعالمية. للأسف، لا أشعر بهذا الآن. الضغط كبير في هذا المونديال، تحسّه في الهواء، وللأسف هو نتيجة تصرّفاتٍ كرفض التأشيرات."
وأضاف طارمي: "بعض الناس خارج إيران، في ظلّ الحرب، ربّما يعارضون الحكومة، لكنّنا جميعاً إيرانيون. نحن متّحدون ونبحث عن السلام. أعتقد أنّهم سيأتون لدعمنا، وعلينا أن نُسعدهم وأن نمنحهم الفرحة."
أمّا لاعب الجناح علي رضا جهانبخش، فلم يُخفِ ما يثقل على الفريق: "كان الأمر صعباً جداً، وأنا صريح معكم، على كلٍّ منّا بسبب كلّ ما يجري. عليك أن تتابع أخبار عائلتك وأحبّائك وشعبك في الداخل، وهذا بالطبع يؤثّر على المجموعة."
أحد عشر لاعباً في منتصف الملعب، وعلى كلٍّ منهم أن يحمل ما لا يُحمل وأن يلعب.
أخبار ذات صلة

الرقم القياسي لا يتوقف! بوروك يتجاوز إرث تيريم

كأس العالم 2026: لاعبون مسلمون يعيدون رسم نقاش الهوية الأوروبية

سنغال تعلن رحيل نجمها بعد كأس العالم
