حملة الطائرات المسيّرة تغير معادلة القرم العسكرية
في حملة دقيقة تستهدف القرم، قوات الطائرات المسيّرة الأوكرانية تكشف عن استراتيجيات لتعطيل الدفاعات الروسية وتحويل شبه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية غير صالحة للروس. تعرف على تفاصيل هذه الحرب غير التقليدية في وورلد برس عربي.





في شرق أوكرانيا، كشف القائد المسؤول عن حرب الطائرات المسيّرة الأوكرانية أن الضربات الأخيرة التي نفّذتها بلاده في شبه جزيرة القرم تمثّل المرحلة الأولى من حملة تهدف إلى تحويل شبه الجزيرة التي ضمّتها روسيا بصورة غير مشروعة عام 2014 إلى أرضٍ لا يمكن توظيفها قاعدةً للانطلاق العسكري الروسي.
قال الرائد روبرت «ماجيار» بروفدي، أحد أبرز قادة الجيل الجديد من الضباط الأوكرانيين، إن قواته قادرة على استهداف ما يزيد سبع مرات على الأهداف العسكرية الحالية في القرم، لو وصل التمويل الغربي الموعود بوتيرة أسرع.
وأكد بروفدي: «القرم تقع في صميم الركائز المفاهيمية الأساسية على طريق إنهاء الحرب».
ورغم هذا العجز في التمويل، أسفرت الحملة الصيفية الأوكرانية في القرم عن أضرارٍ بالغة: استهدفت جسور السكك الحديدية، ومستودعات النفط، والبنية التحتية للطاقة، بهدف تعطيل خطوط الإمداد وتعمية منظومات الدفاع الجوي الروسية أمام الطائرات المسيّرة المتسلّلة.
وأفاد بروفدي بأن قواته لا تعمل إلا بنسبة 14% من الإمكانات اللازمة لتنفيذ حملة القرم بكامل طاقتها.
رجلٌ يؤمن بالأرقام، عمل قبل الحرب في تجارة الحبوب الدولية. التحق بروفدي بالدفاع الإقليمي الأوكراني متطوّعاً في الأيام الأولى من الغزو، وسرعان ما تقدّم في المناصب حتى قاد إحدى أكثر وحدات الطائرات المسيّرة فاعليةً في البلاد، قبل أن يُعيَّن على رأس تشكيلٍ لم يكن له وجود قبل هذه الحرب: قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية.
وقال بروفدي: «ليست المشكلة في طاقة المصنّعين الأوكرانيين الإنتاجية، فهي تتيح لنا صنع الكميات اللازمة. المشكلة هي التمويل المتأخّر تمويلٌ يخصّصه شركاؤنا فعلاً، لكنّه يصل بوتيرةٍ أبطأ بكثير من خططنا».
عاشق للفنون
يبدو مركز القيادة الأرضي لبروفدي أقرب إلى متحفٍ منه إلى غرفة حرب؛ تزيّنه لوحاتٌ من الفن الأوكراني، من بينها أعمال للرسّامة الشهيرة Maria Prymachenko، وأمام كلّ قطعة لافتةٌ صغيرة تحمل عنوانها ورمز QR يقود إلى مزيدٍ من المعلومات. وتقرأ على لافتةٍ تحت أحد التماثيل: «الرجاء عدم لمس التمثال».
تقف هذه الأعمال الفنية خلفيةً لعشرات الشاشات التي تبثّ لقطاتٍ مباشرة من الجبهة، إلى جانب بياناتٍ آنية تُغذّي القرارات الميدانية. يستطيع الجنود هنا أن يحتسوا قهوةً جيدة، ويختاروا كتاباً، أو يمارسوا الرياضة، أو يستريحوا في أكواخ النوم ثقافةٌ تستحضر أجواء مكاتب Silicon Valley أكثر مما تستحضر غرف العمليات العسكرية.
يعمل هؤلاء الجنود على مدار الساعة لمنع القرم من أن تؤدّي وظيفتها قاعدةً عسكرية روسية، كما يقول بروفدي الذي يُشير اسمه الحربي «ماجيار» إلى جذوره المجرية في منطقة زاكارباتيا غرب أوكرانيا، على الحدود مع المجر.
وأشار إلى مؤشّرٍ ملموس على التقدّم المحرز: في أربعة قصفٍ صاروخي روسي واسع النطاق انطلق مؤخراً من شبه الجزيرة، لم يُطلَق في المجموع سوى خمسة صواريخ، وهو تراجعٌ حادّ نسبه إلى الدمار المنهجي الذي ألحقته قواته بمنظومات الدفاع الجوي الروسية هناك.
ولفتح هذه «النافذة» أمام الطائرات المسيّرة لاختراق شبه الجزيرة دون أن تُسقَط بالجملة، دمّرت قواته أكثر من 300 منظومة دفاع جوي خلال الأشهر الأخيرة، تشمل منظومات الصواريخ أرض-جو، ومحطات الرادار، ومعدّات الحرب الإلكترونية.
وقاده الحديث عن استعارة «النافذة» إلى استطرادٍ شخصي: فهو يعشق النوم بنافذةٍ مفتوحة، لكنّ هذه المتعة باتت نادرةً عليه، إذ يقضي معظم وقته في أعماق الملاجئ الأرضية بوصفه أحد أكثر الرجال مطاردةً من قِبَل روسيا.
إخراج روسيا من القرم
يعمل كثيرٌ من منظومات الدفاع الجوي الروسية الموروثة من الحقبة السوفيتية على شبكة الكهرباء، وهذا أحد الأسباب التي جعلت البنية التحتية الكهربائية في القرم هدفاً متكرّراً. حين تُضرب هذه المنظومات، يصبح الجنود الروس «عُمياناً» لا يملكون إلا البنادق والرشاشات، على حدّ تعبيره. غير أن هذا التكتيك أثّر أيضاً على إمدادات الكهرباء للمدنيين، وأفاد بروفدي بأنّه اعتذر علناً مرّتين للأوكرانيين المقيمين في القرم جرّاء هذه الانقطاعات.
في كلّ مكانٍ تصل إليه شبكة Starlink في القرم، باتت قواته قادرةً على تدمير أشدّ الأهداف تحصيناً بمعدّل ثلاث طائرات مسيّرة فحسب، يجمعون فيها ذخائر بخصائص ورؤوس حربية متباينة وفق طبيعة الهدف. ووصف الضربات بأنّها محسوبة بدقّة — ذخائر مختلفة لركيزة جسرٍ عن تلك المخصّصة لناقلة وقود أو قطار متحرّك — مؤكّداً أن قواته تتجنّب استهداف البنية التحتية المدنية.
وقال: «خلق ظروف تجعل بقاء أيّ قدرةٍ عسكرية في القرم أمراً مستحيلاً سيجعلها غير مُجدية... كقاعدة عسكرية للانطلاق».
وأضاف أن أوكرانيا تعمل كذلك على تفكيك دور القرم بوصفها قاعدةً بحرية، مما يُشكّل ضربةً لحضور روسيا قرب حدود حلف NATO.
لم تُكشَف نتائج الحملة المبكّرة للرأي العام، بحسب بروفدي. لكنّه أفاد بأنّه بعد نحو أسبوعين من انطلاق الهجوم في أواخر يونيو، أشارت المعلومات الاستخباراتية الأوكرانية إلى أن السلطات الروسية أصدرت أوامر لجميع القيادات العسكرية وأجهزة الأمن بالانسحاب من شبه الجزيرة، مصحوبةً بأمرٍ سري بإخلاء الأرشيفات السرية والأعمال الفنية.
التهديدات الروسية المضادّة
في المقابل، تسعى روسيا إلى تقليص التفوّق الأوكراني؛ إذ تنشر منظومات تشويش إلكتروني على نطاقٍ واسع ستُضعف اتصالات Starlink إلى حدٍّ ما، وفق بروفدي. وتعمل روسيا أيضاً على بناء منظومة اتصالات فضائية خاصة بها لمنافسة Starlink. وقال بروفدي: «هذا خطرٌ على الكوكب بأسره، لأن دكتاتوريةً ستحصل على نافذةٍ للوصول إلى المعلومات في كلّ أنحاء العالم».
وأشار إلى تهديداتٍ أخرى تواجه أوكرانيا؛ فقد ارتفع تركيز طائرات Shahed المسيّرة ذات المحركات النفّاثة التي يصعب على أوكرانيا إسقاطها بمقدار ضعفين ونصف خلال الأسابيع الأخيرة.
وكشف أن الجيش الروسي قادرٌ حالياً على إطلاق 77 صاروخاً باليستياً في ضربةٍ واحدة متزامنة، مع خططٍ لرفع هذا العدد إلى 200. وهذه واحدة من أشدّ نقاط الضعف الأوكرانية وطأةً، إذ تعاني البلاد من شحٍّ في صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة Patriot الأمريكية الصنع المنظومة الوحيدة التي تمتلكها أوكرانيا لمواجهة الصواريخ الباليستية مما يعني أن عشرات الصواريخ الروسية تخترق الدفاعات وتصل إلى أهدافها.
وقال بروفدي: «حتى لو نجحوا في نصف هذا العدد، فكلّها ستتجه نحونا». والحلّ الوحيد لتقليص هذا العدد، بحسبه، هو ضرب كلّ منشأةٍ تشارك في إنتاج هذه الصواريخ مما يُبرز أهمية الضربات الأوكرانية بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
أوكرانيا وحملتها على Wildberries الروسية
وجّهت أوكرانيا ضرباتٍ متصاعدة نحو Wildberries، أكبر منصة تجارة إلكترونية في روسيا والتي يُشبّهها كثيرون بـ Amazon الروسي، وصنّفها بروفدي صراحةً هدفاً عسكرياً.
وقال: «Wildberries هي قبل كلّ شيء منصة إمداد إنّها أمين مستودع الحرب»، مشيراً إلى أن الشركة تدير قسماً مخصّصاً لبيع السلع للجيش الروسي.
في الوقت ذاته، قال إن الضربات التي تطال هذه السلسلة التجارية تهدف إلى إيصال الحرب إلى حياة المواطن الروسي العادي، على أملٍ أن تُفضي الرغبة الشعبية في إنهائها إلى تآكل قدرة روسيا على الاستمرار في القتال.
ورفض بروفدي الكشف عن جدولٍ زمني لحملة Wildberries، مكتفياً بالقول إن الضربات ستتواصل «حتى يصبح التعافي السريع أمراً مستحيلاً».
وأضاف: «Wildberries في نهاية المطاف، وأعتذر عن التعبير، إدمانٌ استهلاكي قمارية»، مستنداً إلى أن فقدان الوصول إليها شأنه شأن القيود على وسائل التواصل الاجتماعي يُشكّل اختراقاً للحياة الخاصة يشعر به معظم الروس بعمق.
وختم بروفدي: «ثبت أنّها مستشعرٌ حسّاس لراحة الشريحة العريضة من السكان الروس أولئك الذين يعتبرون أنفسهم بمنأى تامٍّ عن أفعال الدولة المعتدية». أسهم في إعداد هذا التقرير المراسلان Vasilisa Stepanenko من شرق أوكرانيا، وVolodymyr Yurchuk من كييف.
أخبار ذات صلة

روسيا وأوكرانيا تتبادلان ضرباتٍ ليليةً تخلّف 7 قتلى وعشرات الجرحى

مستودع عملاق روسي يحترق بعد هجوم أوكراني بطائرات مسيّرة بعيدة المدى

تشييع الطالبة الأوكرانية التي قتلت وهي تساعد ضحايا الضربة الروسية
