أزمة الثقة في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
تنعقد جلسة جديدة لمؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في نيويورك، وسط ضغوط غير مسبوقة. المقال يتناول أزمة الثقة السياسية حول البرنامج النووي الإيراني والدروس الاستراتيجية التي يمكن استخلاصها من التجربة. اقرأ المزيد على وورلد برس عربي.

تنعقد في نيويورك، في الفترة الممتدة من 27 أبريل إلى 22 مايو، جلسةٌ جديدة من مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والدبلوماسيون يجتمعون هذه المرة في ظلّ ضغوطٍ غير مسبوقة على مصداقية هذه المعاهدة.
صُمِّمت المعاهدة أصلاً على أساس صفقةٍ كبرى تجمع بين الكبح النووي وضمانات الأمن، غير أنّها تواجه اليوم أزمةً أعمق من مجرّد إشكاليات الامتثال التقني إنّها أزمة ثقةٍ سياسية. ولا يتجلّى هذا التوتر في مكانٍ أكثر وضوحاً مما هو عليه في الملف الإيراني.
على مدى أكثر من عقدين، ظلّت إيران الدولةَ الأكثر خضوعاً للمراقبة في إطار ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). والأعلى حصةً من ميزانية الوكالة مخصَّصٌ للرصد والتحقق والإشراف على البرنامج النووي الإيراني أكثر من أيّ دولةٍ أخرى في العالم.
ومع ذلك، فإنّ تقارير الوكالة المتعاقبة على مدى العقدين الماضيين، إلى جانب تقييمات الاستخبارات الأمريكية المتاحة للعموم، لم تُثبت وجود دليلٍ قاطع على برنامجٍ فعلي لتطوير أسلحة نووية.
منذ عام 2003، انخرطت طهران في مفاوضاتٍ مطوّلة مع القوى الكبرى، توّجت بـخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي قبلت إيران بموجبها قيوداً نووية جوهرية وظلّت ملتزمةً بها. بيد أنّ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق شكّل نقطة تحوّلٍ حادّة. وفي السنوات التالية، استُؤنفت المساعي الدبلوماسية، شملت محادثاتٍ أمريكية إيرانية في عامَي 2025 و2026 فضلاً عن مسار إسلام آباد، وهي مسارات أحرزت تقدّماً ملموساً وفق ما أُفيد. غير أنّ هذه المفاوضات أُفرِغت من مضمونها في نهاية المطاف، حين طغى عليها التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي، مصحوباً بتشديد العقوبات وأشكالٍ متعددة من الحصار الاقتصادي والسياسي.
الدروس الاستراتيجية
أفضت هذه التجربة إلى جملةٍ من الدروس الاستراتيجية باتت ترسم ملامح الرؤية الإيرانية للملف النووي.
أوّلاً: الامتثال لا يضمن الأمن. لم تُفضِ عضوية إيران في معاهدة عدم الانتشار والتزامها بضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ضماناتٍ أمنية حقيقية؛ بل تزامنت مع تصاعدٍ في الهشاشة، تجلّى في عقوباتٍ شاملة، وعمليات إلكترونية مستمرة كـهجوم Stuxnet الذي ألحق أضراراً بالبنية التحتية النووية، وصولاً إلى ضرباتٍ عسكرية كلّ ذلك أسهم، من وجهة النظر الإيرانية، في تشكيل تهديدٍ وجودي تعزّز بالحرب والحصار الاقتصادي.
ثانياً: الشفافية قد تُعمّق الهشاشة الاستراتيجية. الإفصاحات التفصيلية وعمليات التفتيش المكثّفة تكشف عن منشآتٍ حسّاسة وأسماء كوادر بشرية، وهو ما قد يُوظَّف في إجراءاتٍ قسرية تشمل العمليات الإلكترونية وأعمال التخريب واغتيال علماء نوويين وضرباتٍ عسكرية استهدفت منشآتٍ نووية رئيسية كمنشآت التخصيب والمياه الثقيلة في [نطنز وأصفهان وأراك خلال العمليات الأمريكية والإسرائيلية.
ويُعتقد أنّ ما لا يقلّ عن 14 عالماً نووياً لقوا حتفهم في إطار عملية Rising Lion التي أُطلقت في 13 يونيو 2025. وقبل ذلك، طالت الاغتيالات عدداً من العلماء الإيرانيين بين عامَي 2010 و2020، من بينهم محسن فخري زادة (2020)، ومجيد شهرياري (2010)، ومسعود علي محمدي (2010).
ثالثاً: الوكالة الدولية للطاقة الذرية تُوصَم بالتأثر السياسي. باتت إيران تنظر إلى الوكالة لا بوصفها هيئةً تقنية محايدة، بل باعتبارها مؤسسةً تتشكّل تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية، لا سيّما الغربية منها. وقد أعلن مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى من بينهم ممثلو وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية انتقاداتٍ صريحة لتقارير الوكالة، واصفين إياها بأنّها "ذات دوافع سياسية" وتعكس تأثيراتٍ خارجية، خاصةً في سياق قرارات مجلس المحافظين والتقييمات التي أعقبت النزاعات. وتكشف هذه التصريحات عن قناعةٍ متنامية في طهران بأنّ الوكالة انزاحت عن الحياد التقني الصارم، وتعمل في جزءٍ منها على الأقل ضمن ديناميكياتٍ سياسية أوسع.
تآكل الثقة
تراكم انعدام الثقة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران على مدى عقدين، لا سيّما في ظلّ الاتهامات بأنّ عمليات التفتيش استُغلّت لأغراضٍ استخباراتية. ففي عام 2010، اتّهم وزير الاستخبارات الإيراني حيدر مصلحي الوكالة بإرسال "جواسيس يعملون لصالح أجهزة استخباراتٍ أجنبية ضمن صفوف مفتّشيها".
وبعد الضربات الإسرائيلية عام 2025 على المنشآت النووية الإيرانية، تصاعدت هذه الشكوك. إذ اتّهم النائب الإيراني البارز محمود نبويان مفتّشي الوكالة بالتجسّس، وقال أنّ رقائق مراقبةٍ إلكترونية اكتُشفت مخبّأةً في أحذية المفتّشين خلال عمليات التفتيش الأمني في المواقع النووية.
شاهد ايضاً: إيران: الحرب تُدمّر المستشفيات والعيادات
هذه الاتهامات صحيحةً كانت أم لا زادت من تآكل الثقة الإيرانية في حيادية الوكالة، وقوّت الأصوات المطالبة في طهران بتقييد صلاحيات التفتيش.
رابعاً: آليات التحقق تُوظَّف أداةً للإكراه. تُقرأ تقارير الضمانات وقراراتها باعتبارها توفّر غطاءً قانونياً وسياسياً للعقوبات والعزل الدبلوماسي وسائر أشكال الضغط. وبعد أيامٍ قليلة من الضربة الأمريكية الإسرائيلية عام 2025، اتّهم وزير الخارجية الروسي Sergey Lavrov الوكالةَ بتقديم "ذرائع" مكّنت إسرائيل من تبرير ضرباتها الجوية على المواقع النووية الإيرانية.
خامساً: الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على الملف النووي الإيراني. إنّ مسار المفاوضات النووية الإيرانية منذ 2003 الذي بلغ ذروته في JCPOA ثم أعقبه الانسحاب الأمريكي وتصاعد التوترات وصولاً إلى العمليات العسكرية لا يدع مجالاً للشكّ في أنّ الدور الأوّل والحاسم في تشكيل هذا الملف كان لواشنطن وتل أبيب. وفي الممارسة الفعلية، تولّى هذان الطرفان تحديد اتجاه المسار ووتيرته ونتائجه، فيما اضطلعت المؤسسات متعددة الأطراف بدورٍ ثانوي وهامشي. وتبدو هيئاتٌ كمجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في هذا السياق، وكأنّها اقتصرت على أدوارٍ إجرائية ورد فعلية، بدلاً من أن تكون فاعلاً مستقلاً ذا تأثير.
ومن هذا المنظور، فإنّ عجز هذه الهيئات عن اتخاذ مواقف دنيا كإصدار إدانةٍ صريحة لاغتيال علماء نوويين إيرانيين أو للضربات العسكرية التي استهدفت منشآتٍ نووية يُفسَّر دليلاً على ضعف الفاعلية وتقلّص الاستقلالية. ويطرح هذا النمط تساؤلاتٍ جوهرية حول قدرة منظومة منع الانتشار النووي على العمل بوصفها إطاراً محايداً وذا سلطة في مواجهة الصراعات الجيوسياسية الكبرى. وبهذا المعنى، تغدو مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم الانتشار متكرّرةً ومتوقَّعة النتائج لا آلياتٍ فعلية للحوكمة، بل تمريناتٍ إجرائية تستهلك الوقت والموارد دون أن تُفضي إلى نتائج ملموسة.
تقويضٌ للمصداقية
مجتمعةً، أسهمت هذه التطورات في تقويضٍ بالغ لمصداقية معاهدة عدم الانتشار والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن في نظر كثيرٍ من الدول، وفي مقدّمتها إيران. فمن منظور طهران، لم تُفضِ سنواتٌ من الامتثال وعمليات التفتيش المكثّفة والاتفاقيات المتفاوَض عليها إلى أمنٍ أو تطبيع؛ بل انتهت بعقوباتٍ وإكراهٍ وتخريبٍ وضرباتٍ عسكرية.
في الوقت ذاته، تواصل دولٌ أخرى غير حائزة للأسلحة النووية امتلاكَ قدراتٍ متقدّمة في التخصيب دون أن تواجه مطالباتٍ بالتخلّي عنها، فيما تظلّ الدول المسلّحة نووياً خارج إطار المعاهدة بمنأى عن ضغوطٍ مماثلة.
شاهد ايضاً: الحرب على إيران تعيد رسم خريطة التجارة الإقليمية
والأبرز في هذا السياق أنّ إسرائيل تبقى الدولةَ النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، رافضةً الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار، وبذلك تُعطّل فعلياً تطبيق قراراتٍ أممية قائمة منذ أمدٍ بعيد تدعو إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. ومع ذلك، لم تمارس الوكالة ولا مجلس الأمن ولا القوى الكبرى أيّ ضغطٍ ذي معنى على إسرائيل بشأن ترسانتها النووية.
والمقارنة مع كوريا الشمالية تُعزّز هذه القناعة: الردع الاستراتيجي لا الامتثال للمعاهدات هو ما يوفّر الضمانة الحقيقية للبقاء. ومن ثَمّ، باتت الصفقة التأسيسية لمعاهدة عدم الانتشار موضع تشكيكٍ متزايد.
فإذا خلصت الدول إلى أنّ الالتزام بالتزامات منع الانتشار لا يحمي أمنها ولا يكفل معاملتها بالمثل في إطار القانون الدولي، فإنّ الثقة في منظومة منع الانتشار برمّتها ستواصل تآكلها. واستعادة الشرعية تستلزم ما هو أبعد بكثيرٍ من إعاداتٍ إجرائية للتأكيد؛ إنّها تستدعي إعادة بناء الثقة في حياد المؤسسات الدولية، وردم الهوّة المتّسعة بين المبادئ القانونية والحقائق الجيوسياسية.
أخبار ذات صلة

تصعيد الخلاف الأمريكي-الألماني حول إيران مع أوامر Pete Hegseth بسحب القوات

إيران: استهداف مُنظّم للمنشآت الطبية في الحرب

الولايات المتحدة تدرس فصل إسبانيا من الناتو لرفضها دعم عملية عسكرية ضد إيران
