وورلد برس عربي logo

المنتخب الإيراني بين كرة القدم والسياسة في الملاعب

في ملعب SoFi تجمع كرة القدم والهوية الإيرانية رغم الانقسامات السياسية. أداء المنتخب الوطني أعاد ذكريات الوحدة وسط تحديات الداخل والخارج قصة تبرز قوة الرياضة في توحيد الشعب رغم الأزمات والتوترات. وورلد برس عربي

فرحة لاعبي المنتخب الإيراني بعد تسجيل هدف، مع تواجد جماهير حماسية في المدرجات خلال مباراة مهمة.
محمد محبي ومهدي غايدي يحتفلان بعد تسجيل إيران الهدف الثاني ضد نيوزيلندا في ملعب لوس أنجلوس في 15 يونيو 2026 (ريتشارد هيثكوت/صور غيتي/وكالة فرانس برس)
التصنيف:رياضة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مثل هذه اللحظات، يصعب الفصل بين كرة القدم والسياسة لكنّ ما جرى داخل SoFi Stadium في إنغلوود ليلة الثلاثاء كان أقرب إلى الكرة منه إلى أيّ شيء آخر.

المنتخب الإيراني، الذي بات منذ سنوات رمزاً للانقسام بقدر ما كان يوماً رمزاً للوحدة، قدّم أداءً حماسياً أمام نيوزيلندا أعاد لكثيرين في المدرّجات شيئاً من الدفء القديم تجاه "تيم ملّي".

حين كانت كرة القدم تجمع الإيرانيين

اسأل أيّ شخص عن قوة كأس العالم، وسيحكي لك على الأرجح عن لحظةٍ جمعت أبناء أمّةٍ خلف فريقٍ يمثّل الجميع بصرف النظر عن خلفياتهم. المنتخب الإيراني كان يملك هذه القوة يوماً ما، لكنّه في السنوات الأخيرة أصبح مثار جدلٍ لا يقلّ حدّةً عن الجدل السياسي الذي يهيمن على كثيرٍ من تفاصيل الحياة الإيرانية.

يقول سينا، 27 عاماً، أحد مشجّعي المنتخب: "أوّل ذكرى لي مع كرة القدم هي مشاهدة إيران تهزم الولايات المتحدة في كأس العالم 1998. كنت في بيت جدّي في طهران، وخرج الجميع إلى الشوارع للاحتفال."

في حقبةٍ مضت، كان دعم المنتخب الوطني من القلائل الذي يجمع الإيرانيين الشباب والكبار، المتديّنين والعلمانيين، المؤيّدين للحكومة والمعارضين لها على حدٍّ سواء. لهذا كان من المألوف رؤية أعلام "شير-و-خورشيد" (الأسد والشمس)، رمز الحقبة السابقة للثورة، تملأ المدرّجات في مباريات إيران خارج البلاد. في بطولاتٍ ككأس آسيا وكأس العالم، كانت هذه الأعلام تنافس في أعدادها الأعلامَ الرسمية الإيرانية، ويحملها في الغالب أبناء الجاليات الإيرانية في الخارج التي يُقدَّر عددها بأكثر من 5 ملايين شخص.

قبل عقدٍ من الآن، قبل أن تنتشر وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل، كان اللاعبون في معظمهم بمنأى عن الانتقادات. كان المشجّعون يسقطون قناعاتهم الخاصة على الفريق، فيما كان اللاعبون يتجنّبون التعبير عن آراءٍ سياسية. وكان السياسيون من مختلف التوجّهات يسعون إلى الظهور في صورةٍ واحدة مع نجاحات المنتخب. ولا يزال مقطعٌ مصوَّر للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد وهو يتدرّب مع الفريق قبيل كأس العالم 2006 موجوداً على YouTube حتى اليوم. وفي 2018، حين هزمت إيران المغرب وتصدّرت مجموعتها، نشر رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، مقاطع مصوّرة وهو يحتفل بالفوز.

بالنسبة لكثيرٍ من أبناء الجاليات في الخارج، كانت الخلافات مع الجمهورية الإسلامية تُوضع جانباً لمدّة 90 دقيقة. لكنّ ذلك تغيّر في كأس العالم الأخير بقطر.

حين طغت السياسة على الكرة

اندلعت احتجاجاتٌ واسعة في إيران قبل أسابيع من انطلاق البطولة، إثر وفاة مهسا أميني في الحجز الأمني. امتدّت المظاهرات إلى مدنٍ عديدة، وتردّدت مطالب إلغاء إلزامية الحجاب على لسان الإيرانيين في الداخل والخارج.

حاول المنتخب التعبير عن تضامنه مع المحتجّين أملاً في تخفيف حدّة التوتّرات والتركيز على مسيرته نحو دور الستّة عشر للمرّة الأولى.

ثم جاءت واحدة من أغرب مباريات البطولة.

في 21 نوفمبر 2022، واجهت إيران إنجلترا في استاد خليفة الدولي. كان عددٌ من اللاعبين قد أعربوا بالفعل عن تضامنهم مع المحتجّين، وقرّر الفريق جماعياً عدم غناء النشيد الوطني. كان الأمل أن يُرضي هذا الموقف الشريحة الأكثر نشاطاً في قاعدة الجماهير.

لكنّ ما حدث كان مختلفاً: للمرّة الأولى في تاريخ كأس العالم، قُوبل النشيد الوطني الإيراني بصافراتٍ صاخبة، ما دفع التلفزيون الرسمي الإيراني إلى قطع البثّ المباشر خلال مراسم الافتتاح. وكانت لافتاتٌ تحمل شعار "المرأة، الحياة، الحرية" ظاهرةً في أرجاء الاستاد.

وحين سجّل مهدي طارمي هدفَين لتقليص الفارق في الهزيمة بنتيجة 6-2، جاءت ردود الفعل فاترة.

أدهش هذا الأمرُ كثيرين. كان المسؤولون الإيرانيون يفترضون أنّ الأجواء داخل الملعب ستبقى بعيدةً عن السياسة، كما فاجأ المنظّمين القطريين الذين كانوا منشغلين أساساً بمسألة رموز الفخر في المدرّجات، ولم يتوقّعوا تحوّل الاحتجاجات السياسية إلى ظاهرةٍ داخل الملاعب.

بعد ذلك، توصّلت اللجنة المحلية المنظِّمة وFifa والاتحاد الإيراني لكرة القدم إلى ترتيباتٍ خاصة لبقيّة مباريات إيران: سُمح للجماهير بإدخال لافتات "المرأة، الحياة، الحرية" وأعلام "شير-و-خورشيد" إلى المباريات الأخرى، لكن ليس إلى مباراتَي إيران ضدّ ويلز والولايات المتحدة. في المقابل، اختار اللاعبون غناء النشيد قبل كلتا المباراتَين.

يقول سينا: "كنت من المشجّعين المتحمّسين للفريق، لكن حين اختاروا غناء النشيد في كأس العالم الأخير، تغيّر شعوري تجاههم. كان الأمر كصفعةٍ على الوجه."

أجواءٌ مختلفة في لوس أنجلوس

في السنوات الأربع التي أعقبت ذلك المونديال، شهدت إيران تحوّلاتٍ عميقة. العقوبات والاضطراب الاقتصادي والاحتجاجات والحرب كلّها تركت أثرها. احتجاجات مهسا أميني حقّقت مطلباً رئيسياً واحداً على الأقلّ: في كبرى المدن الإيرانية اليوم، تمشي كثيراتٌ من النساء في الشوارع دون حجاب، وإن ظلّ القانون نافذاً رسمياً فإنّ تطبيقه تراجع إلى حدٍّ بعيد.

في فبراير، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران وقُتل فيه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وخلال القصف، لقي 168 من أطفال المدارس، معظمهم من الفتيات، وعددٌ من المعلّمين حتفَهم في مدينة مينب جنوب البلاد.

قبيل كأس العالم، خصّص الاتحاد الإيراني لكرة القدم مشاركة الفريق إهداءً لأرواح هؤلاء الأطفال، وأوعز للاعبين بارتداء دبابيسَ تحمل الرقم 168 في الصور الرسمية. وخلال مباريات الاستعداد الودّية، حمل اللاعبون صوراً وحقائب مدرسية خلال مراسم النشيد الوطني.

مشاركة إيران في الولايات المتحدة استلزمت تدخّل Fifa على أعلى المستويات الحكومية الأمريكية، جرّاء قيود التأشيرة التي فرضتها إدارة Trump والأسلوب المتشدّد في التعامل مع منتخبات بعض دول الجنوب العالمي، وفي مقدّمتها إيران.

كان من المتوقّع أن توفّر مباراتان في لوس أنجلوس أجواء شبيهة بالوطن بعيداً عن الوطن، إلّا أنّ الفريق اضطرّ إلى نقل معسكره التدريبي إلى تيخوانا بطلبٍ من الحكومة الأمريكية.

وحين وصل المنتخب إلى لوس أنجلوس للمباراة أمام نيوزيلندا، استقبله مجموعةٌ صغيرة من المحتجّين من أبناء الجالية الإيرانية يحملون أعلاماً أمريكية وإسرائيلية وإيرانية ما قبل الثورة.

يُقدَّر عدد الإيرانيين في جنوب كاليفورنيا بنحو 700,000 شخص، لكنّ المنطقة تُعدّ في الوقت ذاته مركزاً لمعارضي الجمهورية الإسلامية. لهذا كان ما ينتظر إيران في SoFi Stadium ليلة الثلاثاء مجهولاً.

كانت Fifa قد أعلنت مسبقاً حظر إدخال أعلام "شير-و-خورشيد" والرموز السياسية الأخرى إلى الملاعب. وبموجب اتفاقيات الاستضافة، تتولّى Fifa السيطرة على الملاعب ومحيطها خلال أيام المباريات. وقد رُفضت دعوى قضائية رفعها أبناء الجالية في هذا الشأن، وإن ظهر عددٌ محدود من هذه الأعلام داخل الملعب.

كما أنّ Fifa سحبت في اللحظات الأخيرة حصّة الاتحاد الإيراني من التذاكر، التي كانت تمثّل 8% من طاقة الاستاد، غير أنّ معظم المشجّعين كانوا قد اشتروا تذاكرهم بصورةٍ مستقلّة.

وفي بيانٍ رسمي، حمّل الاتحاد الإيراني الولاياتِ المتحدةَ مسؤولية قرار Fifa، إذ قال: "اتّخذت الولايات المتحدة خطواتٍ لعرقلة حضور المشجّعين الإيرانيين في الملاعب. هذه الحادثة تطرح تساؤلاتٍ جدّية حول تأثير الاعتبارات غير الرياضية والسياسية على تنظيم أكبر حدثٍ كروي في العالم."

النشيد يُستقبَل بالتصفيق

كان حسين علي زاده، 40 عاماً، في عداد المشجّعين الحاضرين، وقد أتى خصّيصاً من تورنتو لمتابعة المباراة.

قال: "أنا هنا لدعم المنتخب الإيراني. إنّه مؤسّسةٌ تخصّ كلّ الإيرانيين وتمثّلهم جميعاً بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية."

وأضاف: "أريد لهم النجاح وأن يُعيدوا إشعال هذا الحبّ الذي كان الناس يكنّونه للمنتخب. المعادون للمنتخب يهيمنون على الخطاب الإعلامي والفضاء الرقمي."

لكنّ الأجواء داخل الملعب كانت مختلفةً تماماً. استُقبل النشيد الوطني بتصفيقٍ وهتافاتٍ طغت على أيّ أصواتٍ معارضة، وقُوبل كلّ هجومٍ إيراني بتشجيعٍ صاخب.

سادَ صمتٌ قلقٌ بعد تلقّي إيران هدفاً مبكّراً، ثم انفجر الاستاد حين سجّل رامين رضائيان هدف التعادل في الدقيقة 32.

في الشوط الثاني، بدا الحاجز بين الجماهير والفريق يتقلّص أكثر فأكثر. حين تراجعت إيران مجدّداً، ردّ الجمهور برفع الفريق لا بإسقاطه هتافاتٌ بـ"إيران، إيران" ملأت أرجاء الملعب، وجاء هدف محمد محبّي برأسيّةٍ على تمريرةٍ عرضية من رضائيان ليُعيد التعادل.

لم يأتِ الهدف الفائز لـ"تيم ملّي". غير أنّ وجود إيران على الأراضي الأمريكية أمام جماهير مؤيّدة في معظمها بدا لافتاً بعد أشهرٍ من الحرب وعدم اليقين. أمام الفريق فرصةٌ أخرى لمكافأة جمهور جنوب كاليفورنيا يوم الأحد، حين يواجه بلجيكا.

أخبار ذات صلة

Loading...
أوكان بوروك مدرب غلطة سراي مبتسم خلال تدريب الفريق مرتدياً قميص النادي الأسود مع شعار بوما، مع خلفية ملعب كرة قدم مشمسة.

الرقم القياسي لا يتوقف! بوروك يتجاوز إرث تيريم

في 1481 يوماً على رأس غلطة سراي، أوكان بوروك يحقق ألقاباً تاريخية ويكسر الأرقام القياسية في الدوري التركي. اكتشف كيف يقود الفريق نحو مستقبل من الانتصارات والتاريخ. تابع التفاصيل معنا!
رياضة
Loading...
لاعب كرة القدم لامين يامال يؤدي سجود الشكر بعد تسجيل هدف لإسبانيا في كأس العالم، معبرًا عن إيمانه الإسلامي في الملعب.

كأس العالم 2026: لاعبون مسلمون يعيدون رسم نقاش الهوية الأوروبية

في قلب الملاعب الأوروبية، يثبت لاعبو كرة القدم المسلمون أن الإسلام جزء لا يتجزأ من نسيج القارة، متحدين التمييز ومُلهمين الأجيال. اكتشف قصصهم وتأثيرهم في كأس العالم الآن!
رياضة
Loading...
بابي ثياو مدرب المنتخب السنغالي السابق بتعبير جدي بعد وداع كأس العالم 2026 من دور الـ32.

سنغال تعلن رحيل نجمها بعد كأس العالم

انتهى عهد Pape Thiaw مع المنتخب السنغالي بعد وداع كأس العالم 2026، في خطوة تعكس تغيرات واسعة بين مدربي المنتخبات. اكتشف تفاصيل الإقالة وتأثيرها على مستقبل السنغال الآن!
رياضة
Loading...
ستاله سولباكن مدرب منتخب النرويج لكرة القدم خلال مؤتمر صحفي قبل مباراة ربع نهائي كأس العالم 2026 ضد إنجلترا في ملعب ميامي.

تحليل سولباكن: "البلد بأسرها تنتظر مواجهة إنجلترا"

في ربع نهائي كأس العالم 2026، يقود سولباكن منتخب النرويج بحماس استثنائي وتكتيك متقن يوازن بين قوة هالاند وكين. اكتشف كيف صنع هذا الجيل الاستثنائي التاريخ وكن جزءًا من الحماس!
رياضة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية