وورلد برس عربي logo

اللامبالاة الإنسانية في زمن المجازر

رعب اللامبالاة التعاطفية يتجلى في مشاهد المجازر، حيث يصبح الألم غائباً عن الوعي. كيف تُعاد برمجة المشاعر تجاه معاناة الآخرين؟ استكشف كيف يُشرعن القانون الإسرائيلي القيم الإنسانية ويرسخ اللامبالاة.

امرأة ترتدي الحجاب، تعبر عن حزن عميق، مع دموع تتدفق على وجهها، تعكس مشاعر الألم والمعاناة في سياق الأحداث المؤلمة المذكورة في المقال.
تبكي أم من أسرى فلسطينيين خلال تجمع احتجاجي ضد قانون عقوبة الإعدام الجديد، في مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، في 31 مارس 2026 (جعفر أشتية/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ثمّة نوعٌ من الرعب لا يُعلن عن نفسه بالعنف. يأتي بهدوء، مُتلفِّعاً بلغة الواجب والولاء والنظام.

إنّه رعب مشاهدة شخصٍ ينظر إلى أدلّة مجزرة، وثّقها الجاني بيده، فلا يشعر بشيء.

لا ذنب. لا اشمئزاز. ولا حتى انزعاج. مجرّد نظرة فارغة لا تفهم، كأنّ المعاناة تنتمي إلى صنفٍ من الوجود توقّف منذ أمدٍ بعيد عن الاعتراف به بوصفه واقعاً إنسانياً حقيقياً.

هذا ما واجهه المحقّقون عقب القبض قبل أسابيع على أمجد يوسف، السوري الذي صوّر نفسه مشاركاً في مجزرة تضامن في أبريل 2013، حين أُلقي 41 مدنياً في حفرة وأُطلق عليهم النار من مسافة قريبة، ثم أُحرقت جثثهم.

حين عرض المحقّقون التسجيلات على أفراد عائلته شهادته المصوّرة بيده على الإبادة لم يرتدعوا. توسّلوا. وأصرّوا على أنّه كان يؤدّي عمله فحسب، ويُنفّذ واجبه، ويمتثل للأوامر.

وكلّما ضغط المحقّقون عليهم بشأن وحشية ما وثّقه التسجيل، انسحبوا أكثر خلف الجدار نفسه من الاستغراب المُحكَم. لم يكونوا يكذبون. لم يكونوا يتظاهرون. لم يجدوا في أنفسهم حقّاً البنية العاطفية اللازمة لاستيعاب ما يرونه بوصفه جريمةً ضدّ بشر.

هذا ليس قسوةً بالمعنى المألوف. إنّه أشدّ إزعاجاً من ذلك بكثير. هذا ما يحدث حين يبلغ التجريد من الإنسانية حدّاً كاملاً، مُمارَساً على مدى طويل، متشرِّباً في نسيج الحياة اليومية، حتى تتوقّف معاناة "الآخر" المُصنَّف عن أن تُدرَك معاناةً على الإطلاق.

شهداء التضامن كانوا، في أذهان من قتلوهم ومن أحبّ القتلة، قد شُطبوا مسبقاً من سجلّ الإنسانية الأخلاقي. فلم يكن التسجيل دليلاً على جريمة؛ كان مجرّد تسجيل.

تكييف منهجي ممنهج

سيكون من الخطأ الفادح أن نعدّ هذا شذوذاً خاصّاً بعائلةٍ واحدة في نزاعٍ واحد. الظاهرة النفسية التي تتجلّى هنا وقد نسمّيها "اللامبالاة التعاطفية" ليست نتاج مرضٍ فردي، بل هي نتاج تكييفٍ منهجي ممتدّ.

حين تُعلَّم مجتمعاتٌ على مدى سنواتٍ وعقود أنّ فئةً بعينها من البشر أدنى مرتبةً وأقلّ قيمةً وأقلّ واقعية، تُعاد تدريجياً برمجة الدوائر العاطفية التي كانت تستجيب عادةً لألمهم. وفي نهاية المطاف، تتوقّف عن الاستجابة كلياً.

هذه الحقيقة المؤلمة سُلِّط عليها الضوء بوضوح وجدّية في ندوةٍ إلكترونية نظّمها التحالف العالمي من أجل فلسطين مؤخّراً. تناول المتحدّثون فيها تصويت الكنيست الإسرائيلي في أواخر مارس على ما بات يُعرف بـ"قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين"، وهو تشريعٌ يُلزم بالإعدام شنقاً عقوبةً افتراضية لكلّ من يُدان بقتل إسرائيليين، ويُطبَّق عبر المحاكم العسكرية التي تحاكم الفلسطينيين بصورة شبه حصرية، بمعدّل إدانةٍ يبلغ نحو 99 بالمئة.

والقانون، كما شرح أحد المتحدّثين بتفصيلٍ دقيق، لا يتظاهر حتى بالعالمية: فأيّ مواطنٍ إسرائيلي يواجه تهمة قتلٍ غير مشروع في الضفة الغربية المحتلّة يُحاكَم أمام محكمةٍ مدنية، حيث يبلغ معدّل الإدانة في الجرائم المرتكبة بحقّ الفلسطينيين نحو ثلاثة بالمئة.

هذا ليس نظام عدالة. إنّه تصنيفٌ للقيمة الإنسانية مُقنَّنٌ في القانون.

ولعلّ الأشدّ إثارةً للقلق كان حديث المتحدّث عن الانتهاكات الجنسية التي يتعرّض لها الأسرى الفلسطينيون بصورة ممنهجة انتهاكاتٌ لا تُخفى ولا تُنكر ولا تُلاحَق قضائياً، بل تُستوعَب في الضجيج اليومي لمجتمعٍ قرّر جماعياً أنّ هؤلاء الضحايا لا يستحقّون كامل اهتمامه الأخلاقي.

وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان حالات اعتقالٍ تعسفي وتعذيبٍ وحرمانٍ من حق وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعنفٍ جنسي بوصفها سماتٍ ثابتة في منظومة السجون الإسرائيلية ومع ذلك تظلّ هذه الحقائق، لدى شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، أموراً عادية لا تستدعي الاستغراب.

ولا يتجلّى هذا الأمر بصورةٍ أوضح وأكثر إزعاجاً من علاقة الرأي العام الإسرائيلي الأشمل بمعاناة الفلسطينيين. فالانتهاكات الجنسية الموثّقة والمُبلَّغ عنها والمُعترَف بها قوبلت في أوساطٍ كثيرة ليس بالغضب، بل باللامبالاة، بل وبالاستحسان أحياناً.

قدرةٌ مُستنزَفة

في وقتٍ سابق من هذا الشهر، برزت معلومات تؤكد أنّ إسرائيل درّبت كلاباً على الاعتداء الجنسي على الفلسطينيين، في حين نفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتّهامات. وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير الخارجية Gideon Saar تعليماتٍ برفع دعوى تشهير ضدّ صحيفة New York Times بسبب تغطيتها لهذه القضية.

لم يكن ردّ الدولة التحقيقَ في الأمر، بل مقاضاة من غطّوه. وقد أُطلق على أطفالٍ فلسطينيين النارُ من قنّاصة، ودُفنوا تحت الأنقاض، وقُتلوا في نومهم وكان ردّ شرائح واسعة من المجتمع المدني والسياسي الإسرائيلي الانزلاق بشكلٍ انعكاسي نحو لغة الأمن والضرورة والأضرار الجانبية المؤسفة التي لا مفرّ منها.

هذا ليس مجرّد خلافٍ سياسي. إنّه اللامبالاة التعاطفية في الزمن الحقيقي: مجتمعٌ أفضت فيه عقودٌ من الاحتلال، ومن تصوير الفلسطينيين تهديداً وجودياً لا بشراً، إلى استنزاف القدرة العصبية والأخلاقية الأساسية على الاعتراف بألم الفلسطيني بوصفه ألماً.

وكما أوضح أحد المحلّلين الإسرائيليين في مجال حقوق الإنسان، فإنّ قانون الإعدام ليس استثناءً بقدر ما هو القاعدة: "جزءٌ من المنظومة ومن مكوّنات الحياة اليومية للناس هنا"، يُشكّل طريقة رؤيتهم للواقع، ليس بوصفه حادثةً استثنائية بل نموذجاً متطرّفاً لما يقبله معظم الناس في إسرائيل بوصفه أمراً طبيعياً.

حين خرج المحتجّون الإسرائيليون بمئات الآلاف إلى الشوارع دفاعاً عن استقلال القضاء، أثبتوا أنّ القدرة على الغضب المدني لا تزال حيّة. غير أنّها لا تمتدّ لتشمل من جرى تجريدهم من إنسانيتهم بما يكفي.

المشاعر ليست غائبة. إنّها انتقائية. والتعاطف الانتقائي المُوظَّف باستمرار على أسسٍ عرقية وإثنية ليس تعاطفاً بأيّ معنى؛ إنّه إلغاؤه.

هذا هو مسار التجريد من الإنسانية. لا يبدأ بالمجازر. يبدأ باللغة: بـ"الحيوانات" و"الدروع البشرية" و"التهديدات الديموغرافية". ثم يتواصل بسياساتٍ تجعل معاناة الآخر غير مرئية أو مسموحاً بها. وينتهي بأناسٍ يشاهدون تسجيلات فظائع فيشعرون، بكلّ صدق، أنّهم لا يرون شيئاً خاطئاً على الإطلاق.

عائلة أمجد يوسف تُمسك بمرآةٍ يُفضّل العالم ألّا ينظر فيها لأنّ ما تعكسه ليس ظاهرةً سوريةً خالصة، ولا عربيةً خالصة، ولا متطرّفةً خالصة. إنّها تعكس ما يُخاطر أيّ مجتمعٍ بأن يصير إليه حين يقرّر، لوقتٍ طويلٍ بما يكفي، أنّ بعض الأرواح لا تُحسب.

والسؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كنّا قادرين على رؤية ذلك في الآخرين. بل ما إذا كنّا نمتلك من الصدق ما يكفي لرؤيته في أنفسنا.

أخبار ذات صلة

Loading...
سياج حدودي طويل يمتد عبر تلال جافة في كاليفورنيا الجنوبية، يظهر تحديات عبور المهاجرين وسط مراقبة مشددة وأراضي وعرة.

امرأة توفيت على الحدود وكاميرا المراقبة شاهدة

في ظل أبراج المراقبة الذكية على الحدود الكاليفورنية تختفي أرواح المهاجرين بين التضاريس القاسية والحرارة الشديدة. اكتشف القصة الكاملة وراء هذه المأساة وتأثير التكنولوجيا على حياة البشر. اقرأ المزيد الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
جيفري إبستين ودونالد ترامب في صورة قديمة تظهر علاقتهما قبل فضائح الاستغلال الجنسي للأطفال المرتبطة بإبستين.

ضحايا Epstein يقاضون للكشف عن هويات الأشخاص في صور الاستغلال

دعوى جديدة تكشف معاناة آلاف الضحايا الذين استُغلت صورهم الجنسية في شبكة Epstein دون اتصال مباشر، وتطالب بالتعويض والإخطار. اكتشف التفاصيل وكن جزءًا من العدالة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
دخان أسود يتصاعد من موقع دائري في منطقة صحراوية، يوضح أثر الدمار العمراني الذي تكشفه صور الأقمار الصناعية في رصد النزاعات المسلحة.

الأقمار الاصطناعية تكشف آثار الحروب: مراقبة عالمية للنزاعات والفظائع

تُبرز صور الأقمار الصناعية دوراً حيوياً في توثيق النزاعات وحقوق الإنسان، خصوصاً في المناطق المغلقة أمام الإعلام. اكتشف كيف تغير التكنولوجيا مستقبل الرصد والشفافية وانضم إلى رحلة المعرفة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
صورة الباحث عمران أحمد مؤسس مركز مكافحة الكراهية الرقمية، يواجه تهديد الترحيل بسبب كشفه محتوى إساءة الأطفال على منصة X.

باحث الكراهية الإلكترونية يواصل انتقاد X رغم تهديدات الترحيل

تتصاعد المعركة القانونية بين حرية التعبير والأمن القومي في قضية ترحيل باحث كشف عن محتوى ضار على الإنترنت. اكتشف كيف تؤثر هذه المعركة على مستقبل الرقابة الرقمية وحقوق الباحثين. تابع التفاصيل المثيرة الآن!
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية