اللامبالاة الإنسانية في زمن المجازر
رعب اللامبالاة التعاطفية يتجلى في مشاهد المجازر، حيث يصبح الألم غائباً عن الوعي. كيف تُعاد برمجة المشاعر تجاه معاناة الآخرين؟ استكشف كيف يُشرعن القانون الإسرائيلي القيم الإنسانية ويرسخ اللامبالاة.

ثمّة نوعٌ من الرعب لا يُعلن عن نفسه بالعنف. يأتي بهدوء، مُتلفِّعاً بلغة الواجب والولاء والنظام.
إنّه رعب مشاهدة شخصٍ ينظر إلى أدلّة مجزرة، وثّقها الجاني بيده، فلا يشعر بشيء.
لا ذنب. لا اشمئزاز. ولا حتى انزعاج. مجرّد نظرة فارغة لا تفهم، كأنّ المعاناة تنتمي إلى صنفٍ من الوجود توقّف منذ أمدٍ بعيد عن الاعتراف به بوصفه واقعاً إنسانياً حقيقياً.
هذا ما واجهه المحقّقون عقب القبض قبل أسابيع على أمجد يوسف، السوري الذي صوّر نفسه مشاركاً في مجزرة تضامن في أبريل 2013، حين أُلقي 41 مدنياً في حفرة وأُطلق عليهم النار من مسافة قريبة، ثم أُحرقت جثثهم.
حين عرض المحقّقون التسجيلات على أفراد عائلته شهادته المصوّرة بيده على الإبادة لم يرتدعوا. توسّلوا. وأصرّوا على أنّه كان يؤدّي عمله فحسب، ويُنفّذ واجبه، ويمتثل للأوامر.
وكلّما ضغط المحقّقون عليهم بشأن وحشية ما وثّقه التسجيل، انسحبوا أكثر خلف الجدار نفسه من الاستغراب المُحكَم. لم يكونوا يكذبون. لم يكونوا يتظاهرون. لم يجدوا في أنفسهم حقّاً البنية العاطفية اللازمة لاستيعاب ما يرونه بوصفه جريمةً ضدّ بشر.
هذا ليس قسوةً بالمعنى المألوف. إنّه أشدّ إزعاجاً من ذلك بكثير. هذا ما يحدث حين يبلغ التجريد من الإنسانية حدّاً كاملاً، مُمارَساً على مدى طويل، متشرِّباً في نسيج الحياة اليومية، حتى تتوقّف معاناة "الآخر" المُصنَّف عن أن تُدرَك معاناةً على الإطلاق.
شهداء التضامن كانوا، في أذهان من قتلوهم ومن أحبّ القتلة، قد شُطبوا مسبقاً من سجلّ الإنسانية الأخلاقي. فلم يكن التسجيل دليلاً على جريمة؛ كان مجرّد تسجيل.
تكييف منهجي ممنهج
سيكون من الخطأ الفادح أن نعدّ هذا شذوذاً خاصّاً بعائلةٍ واحدة في نزاعٍ واحد. الظاهرة النفسية التي تتجلّى هنا وقد نسمّيها "اللامبالاة التعاطفية" ليست نتاج مرضٍ فردي، بل هي نتاج تكييفٍ منهجي ممتدّ.
حين تُعلَّم مجتمعاتٌ على مدى سنواتٍ وعقود أنّ فئةً بعينها من البشر أدنى مرتبةً وأقلّ قيمةً وأقلّ واقعية، تُعاد تدريجياً برمجة الدوائر العاطفية التي كانت تستجيب عادةً لألمهم. وفي نهاية المطاف، تتوقّف عن الاستجابة كلياً.
هذه الحقيقة المؤلمة سُلِّط عليها الضوء بوضوح وجدّية في ندوةٍ إلكترونية نظّمها التحالف العالمي من أجل فلسطين مؤخّراً. تناول المتحدّثون فيها تصويت الكنيست الإسرائيلي في أواخر مارس على ما بات يُعرف بـ"قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين"، وهو تشريعٌ يُلزم بالإعدام شنقاً عقوبةً افتراضية لكلّ من يُدان بقتل إسرائيليين، ويُطبَّق عبر المحاكم العسكرية التي تحاكم الفلسطينيين بصورة شبه حصرية، بمعدّل إدانةٍ يبلغ نحو 99 بالمئة.
والقانون، كما شرح أحد المتحدّثين بتفصيلٍ دقيق، لا يتظاهر حتى بالعالمية: فأيّ مواطنٍ إسرائيلي يواجه تهمة قتلٍ غير مشروع في الضفة الغربية المحتلّة يُحاكَم أمام محكمةٍ مدنية، حيث يبلغ معدّل الإدانة في الجرائم المرتكبة بحقّ الفلسطينيين نحو ثلاثة بالمئة.
هذا ليس نظام عدالة. إنّه تصنيفٌ للقيمة الإنسانية مُقنَّنٌ في القانون.
ولعلّ الأشدّ إثارةً للقلق كان حديث المتحدّث عن الانتهاكات الجنسية التي يتعرّض لها الأسرى الفلسطينيون بصورة ممنهجة انتهاكاتٌ لا تُخفى ولا تُنكر ولا تُلاحَق قضائياً، بل تُستوعَب في الضجيج اليومي لمجتمعٍ قرّر جماعياً أنّ هؤلاء الضحايا لا يستحقّون كامل اهتمامه الأخلاقي.
وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان حالات اعتقالٍ تعسفي وتعذيبٍ وحرمانٍ من حق وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعنفٍ جنسي بوصفها سماتٍ ثابتة في منظومة السجون الإسرائيلية ومع ذلك تظلّ هذه الحقائق، لدى شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، أموراً عادية لا تستدعي الاستغراب.
ولا يتجلّى هذا الأمر بصورةٍ أوضح وأكثر إزعاجاً من علاقة الرأي العام الإسرائيلي الأشمل بمعاناة الفلسطينيين. فالانتهاكات الجنسية الموثّقة والمُبلَّغ عنها والمُعترَف بها قوبلت في أوساطٍ كثيرة ليس بالغضب، بل باللامبالاة، بل وبالاستحسان أحياناً.
قدرةٌ مُستنزَفة
في وقتٍ سابق من هذا الشهر، برزت معلومات تؤكد أنّ إسرائيل درّبت كلاباً على الاعتداء الجنسي على الفلسطينيين، في حين نفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتّهامات. وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير الخارجية Gideon Saar تعليماتٍ برفع دعوى تشهير ضدّ صحيفة New York Times بسبب تغطيتها لهذه القضية.
لم يكن ردّ الدولة التحقيقَ في الأمر، بل مقاضاة من غطّوه. وقد أُطلق على أطفالٍ فلسطينيين النارُ من قنّاصة، ودُفنوا تحت الأنقاض، وقُتلوا في نومهم وكان ردّ شرائح واسعة من المجتمع المدني والسياسي الإسرائيلي الانزلاق بشكلٍ انعكاسي نحو لغة الأمن والضرورة والأضرار الجانبية المؤسفة التي لا مفرّ منها.
هذا ليس مجرّد خلافٍ سياسي. إنّه اللامبالاة التعاطفية في الزمن الحقيقي: مجتمعٌ أفضت فيه عقودٌ من الاحتلال، ومن تصوير الفلسطينيين تهديداً وجودياً لا بشراً، إلى استنزاف القدرة العصبية والأخلاقية الأساسية على الاعتراف بألم الفلسطيني بوصفه ألماً.
وكما أوضح أحد المحلّلين الإسرائيليين في مجال حقوق الإنسان، فإنّ قانون الإعدام ليس استثناءً بقدر ما هو القاعدة: "جزءٌ من المنظومة ومن مكوّنات الحياة اليومية للناس هنا"، يُشكّل طريقة رؤيتهم للواقع، ليس بوصفه حادثةً استثنائية بل نموذجاً متطرّفاً لما يقبله معظم الناس في إسرائيل بوصفه أمراً طبيعياً.
حين خرج المحتجّون الإسرائيليون بمئات الآلاف إلى الشوارع دفاعاً عن استقلال القضاء، أثبتوا أنّ القدرة على الغضب المدني لا تزال حيّة. غير أنّها لا تمتدّ لتشمل من جرى تجريدهم من إنسانيتهم بما يكفي.
المشاعر ليست غائبة. إنّها انتقائية. والتعاطف الانتقائي المُوظَّف باستمرار على أسسٍ عرقية وإثنية ليس تعاطفاً بأيّ معنى؛ إنّه إلغاؤه.
هذا هو مسار التجريد من الإنسانية. لا يبدأ بالمجازر. يبدأ باللغة: بـ"الحيوانات" و"الدروع البشرية" و"التهديدات الديموغرافية". ثم يتواصل بسياساتٍ تجعل معاناة الآخر غير مرئية أو مسموحاً بها. وينتهي بأناسٍ يشاهدون تسجيلات فظائع فيشعرون، بكلّ صدق، أنّهم لا يرون شيئاً خاطئاً على الإطلاق.
عائلة أمجد يوسف تُمسك بمرآةٍ يُفضّل العالم ألّا ينظر فيها لأنّ ما تعكسه ليس ظاهرةً سوريةً خالصة، ولا عربيةً خالصة، ولا متطرّفةً خالصة. إنّها تعكس ما يُخاطر أيّ مجتمعٍ بأن يصير إليه حين يقرّر، لوقتٍ طويلٍ بما يكفي، أنّ بعض الأرواح لا تُحسب.
والسؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كنّا قادرين على رؤية ذلك في الآخرين. بل ما إذا كنّا نمتلك من الصدق ما يكفي لرؤيته في أنفسنا.
أخبار ذات صلة

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم
