إقالة كريم خان في المحكمة الجنائية الدولية بعد اتهامات مثيرة
صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية على إقالة المدعي العام كريم خان بعد اتهامات بسوء السلوك الجنسي في أول إقالة من نوعها بالمحكمة، وسط جدل سياسي وعقوبات أمريكية وتأثيرات على التحقيقات الدولية وورلد برس عربي.

صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، يوم الجمعة، بأغلبيةٍ على إقالة المدّعي العام كريم خان على خلفية اتهاماتٍ بسوء السلوك، وذلك خلال جلسةٍ استثنائية عُقدت في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك.
وبحسب مصادر دبلوماسية، صوّت 82 عضواً من أصل 125 دولةً عضواً في المحكمة بالاقتراع السري لصالح إقالة المدّعي العام، متجاوزةً بذلك عتبة الأغلبية المطلقة المطلوبة للإقالة والمحدّدة بـ63 صوتاً.
في المقابل، صوّت 13 عضواً ضدّ الإقالة، وامتنع 15 عضواً عن التصويت.
وتُعدّ هذه المرّة الأولى في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية الممتدّ على 24 عاماً التي تُصوّت فيها الدول الأعضاء على إقالة مدّعٍ عام جالسٍ في منصبه.
ويسري قرار الإقالة بأثرٍ فوري، وستُجرى انتخاباتٌ لاختيار مدّعٍ عام جديد في أعقابه.
ما الذي صوّتت عليه الدول الأعضاء؟
طُلب من الدول الأعضاء يوم الجمعة التصويت على استنتاج مكتب جمعية الدول الأطراف الهيئة التنفيذية للمحكمة الصادر في 8 يونيو، والذي خلص إلى أنّ "الأدلّة تُثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ المعقول" أنّ خان "أقام علاقةً جنسية" مع المشتكية، وهي مساعدته الخاصة المباشرة. وأكّد المكتب أنّ "العلاقة الجنسية في ظلّ هذا الاختلال في موازين القوى لا يمكن أن تكون مناسبةً في أيّ حال".
ونفى خان وجود أيّ علاقة جنسية من هذا القبيل، في حين تمحورت رواية المشتكية حول ادّعاءاتٍ بسلوكٍ جنسي غير توافقي.
وفي مقابلة أجريت الأسبوع الماضي، كانت الأولى التي تظهر فيها علناً في سياق هذه القضية، تمسّكت المشتكية بـادّعائها بوقوع سلوكٍ جنسي غير توافقي.
وكان خان قد صرّح في مايو بأنّه سيطعن في قرار الإقالة أمام المحكمة الإدارية لمنظّمة العمل الدولية، وهي الجهة التي يحقّ لموظّفي المحكمة الجنائية الدولية الطعن أمامها في القرارات المتعلّقة بالتوظيف.
السياق الأوسع: العقوبات الأمريكية والملفّ الفلسطيني
جاء تصويت الجمعة في أعقاب تهديداتٍ استثنائية أطلقها وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، إذ توعّد بـ"تفكيك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة إن اقتضى الأمر"، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ على غالبية قضاة المحكمة ومدّعيها العامّين، بمن فيهم خان، بسبب عملهم في التحقيقات المتعلّقة بجرائم الحرب في فلسطين وأفغانستان.
وقد برزت الإجراءات التأديبية بحقّ خان في أعقاب قراره، قبل أكثر من عامَين، بطلب مذكّرات اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حربٍ خلال الحرب على غزّة منذ أكتوبر 2023.
كما جاء التصويت في خضمّ تساؤلاتٍ ونقدٍ واسع حول طريقة تعامل مكتب جمعية الدول الأطراف مع التحقيق، ولا سيّما المخاوف من "تسييس" المسار، بعد أن أهمل المكتب رأي هيئة القضاة التي خلصت بالإجماع إلى أنّه لم يثبت وقوع أيّ مخالفة.
وفي هذا الإطار، وقّعت أكثر من 180 منظّمةٍ من منظّمات المجتمع المدني الفلسطيني وجماعات حقوق الإنسان على بيانٍ الأسبوع الماضي، أكّدت فيه أنّ مسار الإجراءات التأديبية "تحوّل إلى استفتاءٍ سياسي يعكس المصالح الوطنية للدول الأطراف بصورةٍ فردية".
تفاصيل الاتهامات
تضمّنت الشكوى المقدَّمة ضدّ خان ادّعاءاتٍ باعتداءٍ جنسي في مناسباتٍ عدّة، شملت بعثاتٍ خارجية وأخرى في لاهاي حيث يقع مقرّ المحكمة. وبحسب الشكوى، بدأ الانتهاك المزعوم في مارس 2023 واستمرّ قرابة عام.
وكُشف عن هذه الاتهامات لخان شخصياً على يد أعضاءٍ من فريقه في 2 مايو 2024. وعلى إثر ذلك، فُتح تحقيقٌ داخلي من قِبل آلية الرقابة الداخلية (IOM) التابعة للمحكمة، غير أنّه أُغلق في غضون أسبوع بعد أن رفضت المشتكية التعاون.
وفي وقتٍ لاحق من الشهر ذاته، تقدّم خان رسمياً بطلب مذكّرات اعتقال بحقّ نتنياهو وغالانت وثلاثة مسؤولين في حماس.
وقد أشارت تقاريرٌ إعلامية عدّة في تلك الفترة إلى احتمال أن يكون خان قد سعى إلى مذكّرات الاعتقال في 20 مايو من ذلك العام بهدف كسب دعمٍ في مواجهة الاتهامات الموجَّهة إليه. بيد أنّ تحقيقاً أجري كشف أنّ قرار المدّعي العام بالتقدّم بطلب المذكّرات اتُّخذ قبل ستة أسابيع من تقديم الاتهامات، وأنّ الطلب لم يُقدَّم إلّا بعد أن فُتح التحقيق الداخلي الأوّل في اتهامات التحرّش وأُغلق.
وعادت الاتهامات إلى الواجهة في أكتوبر 2024 عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام. وفُتح تحقيقٌ ثانٍ من قِبل آلية الرقابة الداخلية في نوفمبر، إلّا أنّه أُغلق بدوره بعد أن رفضت المشتكية مجدّداً التعاون، ممّا دفع جمعية الدول الأطراف إلى الاستعانة بمحقّقين خارجيين من مكتب خدمات الرقابة الداخلية للأمم المتحدة (OIOS).
مسار التحقيق وقرار الإقالة
كُلِّف محقّقو الأمم المتحدة لأكثر من عام بجمع الأدلّة وتقييمها في مواجهة خان، تمهيداً لتمكين هيئة القضاة المعيَّنة من قِبل المكتب من تقديم رأيٍ قانوني موثوق حول ما إذا كان المدّعي العام قد ارتكب مخالفةً تأديبية، وفق معيار الإثبات "بما لا يدع مجالاً للشكّ المعقول".
وفي 11 ديسمبر، رفع المحقّقون تقريرهم المؤلَّف من 150 صفحة، مرفقاً بـ5,000 صفحة من الأدلّة، إلى هيئة القضاة التي أمضت قرابة ثلاثة أشهر في دراسة تحقيق OIOS قبل أن تُصدر استنتاجاتها في مارس.
وفي تقريرٍ تم الاطّلاع عليه، خلصت الهيئة بالإجماع إلى أنّ الوقائع الواردة في تحقيق الأمم المتحدة "لا تُثبت وجود مخالفة تأديبية أو إخلالٍ بالواجب في إطار الأحكام المعمول بها".
غير أنّ أغلبية أعضاء المكتب، بعد أسابيع قليلة من صدور تقرير هيئة القضاة، أيّدت اقتراحاً بتجاهل هذا التقرير، مُلمِّحةً إلى احتمال ارتكاب خان مخالفةً تأديبية. وقد أثار هذا التصويت مخاوف جدّية من تسييس المسار برمّته.
وبعد منح خان والمشتكين فرصةً أخيرة لتقديم مذكّراتٍ إضافية، أقدم المكتب على تعليق مهامّه رسمياً بعد شهرَين، إذ صوّت بأغلبيةٍ على أنّه ارتكب "مخالفةً تأديبية جسيمة"، وأحال الأمر إلى جمعية الدول الأطراف.
تعديل آلية التصويت
ويستند قرار الإقالة إلى مسارٍ يحيد عن القواعد الإجرائية للمحكمة ذاتها. فقد كشف هذا الشهر أنّ مكتب جمعية الدول الأطراف عدّل آلية التصويت بما يُخفّض عتبة إقالة خان، إذ استُبدل بالتصويت على مرحلتَين حيث كان الأعضاء يصوّتون بصورةٍ منفصلة على مسألة المخالفة التأديبية أوّلاً ثمّ على الإقالة تصويتٌ واحدٌ جامع.
وبموجب الآلية الجديدة، يُطلب من الدول الأعضاء الإدلاء بصوتٍ واحد على اقتراحٍ يُجمع بين استنتاج المكتب بثبوت المخالفة التأديبية الجسيمة وقرار إقالة المدّعي العام، وفق ما أفادت به مصادر دبلوماسية متعدّدة.
وكريم خان محامٍ بريطاني، انتُخب مدّعياً عاماً للمحكمة من قِبل جمعية الدول الأطراف في فبراير 2021، وهو ثالث من يتولّى هذا المنصب منذ تأسيس المحكمة عام 2002.
وعلى صعيد ملفّاته، سعى مكتبه إلى مذكّرات اعتقال بحقّ الرئيس الروسي Vladimir Putin، والرئيس الفلبيني السابق Rodrigo Duterte، وقادة المجلس العسكري في ميانمار، ومسؤولين في حركة Taliban في أفغانستان، فضلاً عن القادة الإسرائيليين.
أخبار ذات صلة

مجموعات حقوقية تقاضي فرنسا على تمويل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية

جنوب أفريقيا: غانا تطلب من المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في العنف ضدّ المهاجرين

المؤسّسون للمحكمة الجنائية الدولية لا يجب أن يتركوها تنهار
