تضييق حرية التعبير في هونغ كونغ يثير الغضب الشعبي
في هونغ كونغ، اعتُقل فنّان أثناء محاولته إحياء ذكرى مذبحة ميدان تيانانمن بخيط أحمر رمزي وسط تراجع حرية التعبير وحظر التجمعات. قصة تكشف تدهور الحريات وتحدي الذاكرة رغم القمع في المدينة وورلد برس عربي.





في حيّ Causeway Bay التجاري المزدحم في هونغ كونغ، حاول فنّان الأداء Sanmu Chen يوم الأربعاء ربط خيطٍ أحمر رمزي بعمودٍ للإشارات في الشارع، في إشارةٍ إلى ضحايا أحداث ميدان Tiananmen عام 1989 غير أنّ الشرطة أوقفته سريعاً. جاء هذا الحادث دليلاً جديداً على تضيُّق هامش حرية التعبير في المدينة.
اختار Chen هذا الحيّ تحديداً لقربه من الحديقة التي احتضنت لعقودٍ طويلة تجمّعاً سنوياً لإضاءة الشموع في الرابع من يونيو، إحياءً لذكرى من لقوا حتفهم حين أرسلت بكين جيشها لقمع احتجاجات الطلاب عام 1989. وكان طول الخيط 6.4 أمتار في إشارةٍ واضحة إلى تاريخ الرابع من يونيو (6/4).
فتّش عناصر الشرطة حقيبته ثم أطلقوا سراحه. وحين سأله أحد الصحفيين عن دلالة الخيط الأحمر، قال Chen إنّه أراد به التعبير عن تعازيه لأرواح الضحايا، مضيفاً: «من غير الطبيعي أن يراقبك أحدٌ حين تقول شيئاً أو تفعله».
Chen اعتُقل مرّتين على الأقل في السنوات الأخيرة
في عام 2024، اعتُقل Chen لفترةٍ وجيزة في الثالث من يونيو، بعد أن بدا وكأنّه يكتب في الهواء بيده الأرقامَ الصينية المقابلة لـ «ثمانية تسعة ستة أربعة» في إحالةٍ صريحة إلى تاريخ المجزرة. وقبل ذلك بعام، اعتُقل في اليوم ذاته وفي الحيّ نفسه، حين ردّد بصوتٍ مرتفع: «أهل هونغ كونغ، لا تخافوا. لا تنسوا، غداً هو الرابع من يونيو».
وحين حلّ المساء، وقفت فنّانة أخرى تُدعى Chan Mei-tung أمام متجرٍ قريب تحمل بالوناً على شكل علامة استفهام، فأوقفها عناصر الشرطة هي الأخرى وأعادوها إلى محطة المترو. ولم تُصدر الشرطة أيّ تعليقٍ فوري على ما جرى.
السلطات حظرت التجمّعات واعتقلت المنظّمين
في عام 1989، في عهد الزعيم دنغ شياو بينغ، أرسلت بكين قوّاتها العسكرية إلى ميدان Tiananmen في ليلة الثالث والرابع من يونيو لإنهاء أسابيع من الاحتجاجات الطلابية. أطلق الجنود النار الحيّة، وسقط مئات القتلى، وربّما آلاف، من بينهم عشرات الجنود.
كانت هونغ كونغ لعقودٍ المكان الوحيد في الأراضي الصينية الذي يُقام فيه إحياءٌ عام واسع النطاق لذكرى تلك الأحداث. وكانت التجمّعات السنوية في حديقة Victoria Park تستقطب عشرات الآلاف، حتى جاء حظرها عام 2020 بذريعة جائحة كوفيد-19. في العام ذاته، فرضت بكين قانون الأمن القومي على المدينة في أعقاب احتجاجات 2019 المناهضة للحكومة، وبات الصوت المعارض يُكبَّت بصورةٍ متصاعدة: اعتُقل كثيرٌ من الناشطين البارزين، وأُغلقت وسائل إعلام عديدة، وحُلَّت عشرات منظمات المجتمع المدني، من بينها الهيئة التي كانت تنظّم تجمّعات الإحياء.
وفي عام 2021، وُجّهت إلى ثلاثة من المنظّمين السابقين لهذه التجمّعات تهمة التحريض على الانقلاب بموجب قانون الأمن القومي. اثنان منهم مثلا أمام المحكمة وينتظران الحكم المتوقَّع صدوره في يوليو المقبل، وقد يواجهان عقوبةً بالسجن حتى 10 سنوات في حال الإدانة. أمّا الثالث فقد أقرّ بذنبه، وهو ما يُفضي عادةً إلى تخفيف الحكم.
تؤكّد سلطات هونغ كونغ وبكين أنّ قانون الأمن القومي ضرورةٌ لاستقرار المدينة، وأنّه يكفل احترام حقوق الإنسان وصونها في إطار حماية الأمن القومي.
مكان التجمّعات تحوّل إلى ساحة احتفالات
بعد رفع قيود كوفيد-19، تحوّل الموقع الذي كان يحتضن تجمّعات الإحياء إلى مهرجانٍ سنوي تنظّمه مجموعاتٌ موالية للصين. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، اعتُقل عددٌ ممّن حاولوا إحياء ذكرى أحداث Tiananmen في ذلك الموقع.
بدأ مهرجان هذا العام يوم الأربعاء. وفي وقتٍ لاحق من اليوم ذاته، وقف Tang Ngok-kwan أحد المنظّمين السابقين للتجمّعات قرب الموقع وانحنى في إشارة إحياءٍ للذكرى، مؤكّداً لوسائل الإعلام أنّه تلا بصوتٍ خافت أسماء الضحايا، ومنتقداً استخدام كلمة «مهرجان» التي تحمل إيحاءاتٍ احتفالية لا تليق بالمناسبة.
ما يعنيه هذا لمستقبل الحريات المدنية في هونغ كونغ: تصرّفات Tang وغيره من التعبيرات الصامتة المماثلة تُجسّد التراجع التدريجي في الحريات التي وعدت بها بكين حين عادت المستعمرة البريطانية السابقة إلى السيادة الصينية عام 1997.
لكنّ الذاكرة لم تمُت خارج هونغ كونغ؛ إذ تواصل مجتمعات الشتات في لندن وكندا وغيرها إحياء هذه الذكرى بتجمّعاتٍ و وقفاتٍ احتجاجية. وفي طوكيو، قال Wu'er Kaixi، أحد قادة احتجاجات Tiananmen عام 1989، إنّ حركة الديمقراطية في الصين «لا تزال حيّة»، مضيفاً: «نحن نتمكّن من الصمود، وليس ذلك بالأمر الهيّن، لكنّنا نصمد لأنّنا، كما قبل 37 عاماً حين دفعنا إلى الميدان وشوارع بكين، يحرّكنا شيءٌ واحد: الأمل».
أخبار ذات صلة

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم
