لماذا لا يوجد علاج لفيروس الهانتا حتى الآن؟
فيروس الهانتا يعود للواجهة بعد إصابات على متن سفينة سياحية، مع غياب العلاج واللقاح. لكن الأبحاث تكشف عن أمل جديد باستخدام دواء قد يساعد في مقاومة الأعراض. تعرف على تفاصيل هذا البحث المهم وتأثيراته المحتملة.




فيروس الهانتا موجود منذ عقود فلماذا لا يوجد علاج حتى الآن؟
حين أصاب فيروسٌ نادر لكنّه قاتل ركّابَ سفينة سياحية، ولاحت علامات على انتشاره بين المصابين، لم يكن بيد الأطبّاء علاجٌ يقدّمونه لمن وقعوا في براثنه، ولا لقاحٌ يحمون به من لم يُصابوا بعد.
الأمر المقلق أنّ هذا لم يكن فيروساً مجهولاً ظهر فجأة كما حدث مع فيروس كورونا. كان فيروس الهانتا (Hantavirus)، وهو عائلة من الفيروسات المعروفة منذ عقود، والمنتشرة في مناطق واسعة من العالم. ومع ذلك، حين جاء الوباء، لم يكن هناك ما يكفي من الاستثمار لإنتاج علاجات أو لقاحات جاهزة.
الباحثون في تشيلي والأرجنتين والولايات المتحدة يعملون منذ سنوات على تطوير أدوية ولقاحات لهذا الفيروس. لكنّ ندرة الإصابات وصعوبة انتقاله من شخص لآخر جعلت الحكومات والمنظمات الصحية العالمية وشركات الأدوية تُحجم عن تمويل التجارب السريرية المكلفة اللازمة لاعتماد هذه العلاجات.
مع ذلك، ثمّة بصيص أمل. نشر الباحثون الأربعاء الماضي دراسةً تُشير إلى أنّ دواءً يُستخدم في علاج أمراض المناعة الذاتية قد يساعد مرضى الهانتا على مقاومة أشدّ الأعراض فتكاً. ويأمل هؤلاء الباحثون وغيرهم أن يُعيد تفشّي الفيروس على متن السفينة الاهتمامَ بهذا الملف لا سيّما في ظلّ مخاوف متصاعدة من أنّ التغيّر المناخي قد يزيد من احتكاك البشر بالقوارض، وبالتالي يرفع معدّلات الإصابة.
قال الدكتور فيرناندو تورتوسا من الجامعة الوطنية في ريو نيغرو بالأرجنتين، والمؤلّف الرئيسي للدراسة: "آمل أن يساعدنا هذا الوضع على مواصلة أبحاثنا وتعزيز التعاون بين العاملين في القطاع الصحي والمجتمع والموارد الضرورية."
أنواع مختلفة من الهانتا، أعراض مختلفة
ينتقل فيروس الهانتا في الغالب عبر استنشاق جزيئات ملوّثة من فضلات القوارض. غير أنّ للفيروس أنواعاً متعدّدة تتوزّع في مناطق مختلفة من العالم، ولكلٍّ منها خصائصه وأعراضه.
فيروس الأنديز (Andes virus)، المسؤول عن تفشّي السفينة السياحية، يحظى باهتمام خاص من الباحثين لسببٍ وجيه: إنّه الفيروس الوحيد في عائلة الهانتا الذي يُعتقد أنّه قادر في بعض الحالات على الانتقال من إنسان لآخر. وعلى الرغم من ندرة الإصابات، فإنّ نسبة الوفيات مرتفعة بشكل مقلق.
قالت ماريا إينيس باريا، عالمة الفيروسات في جامعة San Sebastián بتشيلي والمتخصّصة في دراسة الهانتا: "لهذا السبب يُشكّل مشكلةً حقيقية للصحة العامة."
الأرقام تُجسّد الخطر: ثلاثة من أصل 13 حالة محتملة على متن السفينة انتهت بالوفاة. وفي تشيلي، أعلنت وزارة الصحة عن 15 وفاة و42 إصابة حتى الآن هذا العام. أمّا في الأرجنتين، فقد أُبلغ عن 32 وفاة و102 إصابة منذ يونيو 2025. وفي الولايات المتحدة، أسفرت 35% من حالات الهانتا المُسجّلة منذ عام 1993 عن وفاة، وفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).
البحث عن علاج للأعراض الأشدّ خطورة
في الأرجنتين، يختبر الباحثون ما إذا كان دواءٌ مُستخدم في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي قادراً على مكافحة متلازمة الرئة الناجمة عن الهانتا وهي إصابة حادة تسبّبها كلٌّ من فيروس الأنديز وفيروس Sin Nombre الموجود في أمريكا الشمالية.
الدواء المعني هو توسيليزوماب (tocilizumab)، الذي يعمل على تثبيط جزيء يُعرف بـ IL-6 المسؤول عن إثارة الالتهابات الضارة في بعض أمراض المناعة الذاتية. ويُشتبه في أنّ هذا الجزيء ذاته يُفاقم ردّ الفعل الالتهابي الناجم عن الإصابة بالفيروس، وهو ما قد يؤدّي بسرعة إلى امتلاء الرئتين بالسوائل وفشلهما.
وقد نجا أربعة من أصل خمسة مرضى في مستشفى أرجنتيني بعد تلقّيهم توسيليزوماب إلى جانب الرعاية الداعمة التقليدية، وفق ما نشره فريق البحث في مجلة The Lancet Infectious Diseases.
ما يجعل هذا التقرير لافتاً أنّه يتتبّع أوّل من تلقّوا توسيليزوماب في إطار دراسة "الاستخدام الرحيم" الجارية أي أنّ الأطبّاء يمكنهم صرفه للمرضى الذين يرونهم مؤهّلين. في المقابل، توفّي خمسة مرضى آخرون كانوا مؤهّلين للدواء لكنّهم لم يتلقّوه وحصلوا على الرعاية المعتادة فقط اثنان منهم تدهورت حالتهما بسرعة، وافتقر المستشفى إلى الكميات الكافية للبقية.
نبّه فريق البحث إلى أنّ المرضى الخمسة الذين لم يتلقّوا الدواء كانوا في حالة أسوأ وأكبر سنّاً ممّن تلقّوه. ومع ذلك، أكّدوا أنّ توسيليزوماب يستحقّ مزيداً من الدراسة.
مسار واعد آخر: الأجسام المضادة
فريق باريا، الذي يضمّ علماء تشيليين وباحثين من مختبرات Rocky Mountain التابعة للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية ومن معهد Robert Koch الألماني، يعمل على نهجٍ مختلف: استخدام أجسام مضادة مُستنسخة من الناجين من الهانتا لصدّ الإصابة. نشر الفريق أبحاثه عام 2018 مُثبتاً نجاح هذا النهج على الحيوانات، لكنّه عجز عن الحصول على تمويل لمواصلة التجارب البشرية، جزئياً لأنّ الموارد انصرفت إلى مواجهة جائحة كورونا.
قالت باريا: "نحن في الحقيقة على الخطّ الأمامي، في مرحلة بالغة الأهمية للانتقال إلى الخطوة التالية."
مجموعات بحثية أخرى تسير في الاتجاه ذاته، من بينها فرق في Albert Einstein College of Medicine وVanderbilt Center for Antibody Therapeutics.
أمّا على صعيد اللقاحات، فقد طُوِّرت لقاحات ضدّ أنواع الهانتا المعروفة بـ"العالم القديم" واستُخدمت فعلياً، غير أنّ منظمة الصحة العالمية تؤكّد أنّه لا توجد حتى الآن لقاحات مرخّصة ضدّ الهانتا. وثمّة لقاحات جديدة قيد التطوير، من بينها لقاح يستهدف فيروس الأنديز تحديداً، يقوده Jay Hooper من معهد أبحاث الأمراض المعدية التابع للجيش الأمريكي، وقد أثبت في تجارب بشرية مبكّرة نُشرت عام 2020 قدرته على توليد أجسام مضادة ضدّ الفيروس.
العقبات لا تزال كثيرة
الدكتور Paul Bollyky، أخصائي الأمراض المعدية والباحث في Stanford Medical Center بكاليفورنيا، يُلخّص المشكلة بوضوح: استقطاب الدعم المستدام لإنتاج لقاحات وعلاجات للأمراض النادرة كالهانتا أمرٌ بالغ الصعوبة.
أوّلاً، تفتقر المختبرات في الغالب إلى ما يسمّيه Bollyky "الآلية الضرورية" لاختبار اللقاحات والعلاجات والتحقّق منها في حالات الأمراض النادرة. وثانياً، لأنّ تفشّيات الهانتا متقطّعة وغير متوقّعة، فإنّ دراسة الفيروس أصعب بكثير مقارنةً بجرثومة شائعة تتداول باستمرار كالإنفلونزا.
قال Bollyky: "هذا يجعل التجارب السريرية في هذا المجال صعبة للغاية، لأنّك ستحتاج إلى تطعيم أعداد ضخمة من الناس للوقاية من إصابة واحدة. الأمر غير عملي ببساطة."
يعني ذلك أيضاً أنّه قد لا يكون ثمّة سوق كبير أو مستقرّ للقاح أو علاج، إذ يصعب تحديد من سيتعرّض للفيروس ومتى.
ومع ذلك، يشعر الباحثون والأطبّاء بإحباط حقيقي حين يعلمون أنّ علاجات محتملة موجودة، وأنّ التمويل الكافي والمستدام وحده هو ما يحول دون وصولها إلى المرضى اليوم.
ختم تورتوسا بالقول مُشيراً إلى حادثة السفينة: "ما جرى كان مأساة، لكنّه قد يتكرّر مع هذا المرض أو غيره."
أخبار ذات صلة

الرئيس الكيني يدافع عن مركز الحجر الصحي الأمريكي لإيبولا وسط احتجاجات

خيمة علاج إيبولا تشتعل بالنار مجددًا في شرق الكونغو و 18 حالة مشبوهة تفر

تحذير منظمة الصحة العالمية: فيروس إيبولا في الكونغو ينتشر بسرعة
