وورلد برس عربي logo

حرية التعبير بين العنصرية والهوية الوطنية

تتجلى في بريطانيا معركة حرية التعبير كأداة لتبرير الخطاب العنصري ضد المسلمين، حيث يُعتبر النقد ضدهم تهديداً. يستعرض المقال كيف يتم تأطير العنصرية كحق مشروع في التعبير، مما يسلط الضوء على تناقضات السياسة الاجتماعية.

تجمع عدد كبير من المتظاهرين في لندن حاملين أعلام المملكة المتحدة، معبرين عن آرائهم حول قضايا الهوية والهجرة.
تم تصوير المشاركين والداعمين لمسيرة اليمين المتطرف "اتحدوا المملكة" في لندن بتاريخ 16 مايو 2026.
التصنيف:أوروبا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين تجمّع الآلاف في لندن الشهر الماضي تحت راية "Unite the Kingdom"، لم يقم الدفاع العلني عن المسيرة على نفي ما تضمّنته من خطابٍ إسلاموفوبي أو معادٍ للمهاجرين، بل ارتكز في معظمه على استحضار لغة حرية التعبير.

صاغ المؤيّدون والمعلّقون المسيرةَ باعتبارها تعبيراً عن قلقٍ وطني مشروع، ومعارضةً ديمقراطية، وحقّاً في التحدّث بصراحة عن الهجرة والإسلام والهوية الوطنية. في المقابل، سارع هؤلاء إلى ردّ الانتقادات الموجّهة إليهم بوصفها محاولةً لإسكات المواطنين العاديين أو قمع حقائق مزعجة.

بات هذا النمط مألوفاً في بريطانيا وعبر أوروبا. لم تعد لغة حرية التعبير تُستحضر لحماية الحريات الديمقراطية المجرّدة، بل باتت تُوظَّف بشكلٍ متزايد لإضفاء الشرعية على تشكيلاتٍ سياسية ذات طابع عنصري، في حين تُصوَّر الانتقادات المناهضة للعنصرية على أنّها ضربٌ من الاستبداد.

تتحوّل حرية التعبير بذلك من مبدأٍ محايد إلى ما يصفه الكاتب Gavan Titley في كتابه Is Free Speech Racist? بـ"النصّ العرقي": إطارٌ يُعاد فيه تأطير أشكال معيّنة من العداء العنصري باعتبارها جرأةً في قول الحقيقة، فيما يُصنَّف خطاب الأقليات العرقية على أنّه مفرطٌ أو خطيرٌ أو تهديديّ.

يغدو هذا التناقض جليّاً حين نتأمّل الفارق في معاملة التعبير السياسي الإسلامي مقارنةً بغيره.

فالتعبئات اليمينية المتطرّفة التي تستهدف المسلمين يدافَع عنها عادةً باسم حرية التعبير والهاجس الوطني، في حين يُجرَّم النشاط الإسلامي سواءٌ أكان تنظيماً مناهضاً للعنصرية، أم انتقاداً للإسلاموفوبيا، أم تضامناً مع فلسطين أو يُصوَّر على أنّه مُقسِّمٌ للنسيج الاجتماعي.

المسألة إذن ليست مجرّد: هل الكلام حرٌّ؟ بل: كلامُ مَن يُحمى، وكلامُ مَن يُخشى، وكلامُ مَن يُعدّ تهديداً للأمّة ذاتها؟

تناقضٌ كاشف

يتجلّى هذا الأمر في النقاشات الراهنة حول الإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة. طوال سنوات، احتجّ سياسيون وصحفيون وأعضاء في مجلس اللوردات بأنّ تعريف الإسلاموفوبيا سيُشكّل خطراً على حرية التعبير. وقد خضع التعريف الذي أعدّته المجموعة البرلمانية متعدّدة الأحزاب المعنية بشؤون المسلمين البريطانيين لانتقاداتٍ تمحوّرت في معظمها حول هذه الزاوية. في الوقت ذاته، يُدافَع عن الخطاب الموجَّه ضدّ المسلمين باعتباره تعليقاً مشروعاً أو سخريةً أو استفزازاً مقبولاً.

حين طالب بعضهم بالتحقيق مع النائب Nick Timothy إثر تصريحه بأنّ الصلاة الجماعية للمسلمين تمثّل "فعل هيمنة"، سارع المعلّقون والمجموعات الحملاتية إلى إعادة تأطير هذه المطالب باعتبارها اعتداءً على حرية التعبير، لا تساؤلاً مشروعاً حول خطابٍ سياسي ذي طابع عنصري.

يكشف هذا التناقض عن شيءٍ أعمق في سياسات حرية التعبير في بريطانيا المعاصرة. ما يُدافَع عنه باستمرار باسم حرية التعبير ليس الكلام في مطلقه، بل هو تحديداً الخطاب العنصري الموجَّه ضدّ المسلمين.

لهذا الدفاع العنصري عن حرية التعبير جذورٌ تاريخية عميقة في بريطانيا. طالما قُوبلت الجهود الرامية إلى مواجهة العنصرية بالاستهجان، و وُصفت بالحساسية المفرطة أو الانتهازية السياسية. وعبر الإعلام والثقافة السياسية، كثيراً ما أُعيد تأطير محاولات تسمية العنصرية لا باعتبارها مطالبةً بالمساواة، بل باعتبارها هجوماً على الهوية البريطانية والتقاليد والعقل السليم. وغدت لغة "قول ما يجول في الخاطر" ذريعةً قويّة للدفاع عن التراتبيات العرقية، فيما يُصوَّر المتحدّون لها على أنّهم المستبدّون الحقيقيون.

تجلّى هذا النمط بوضوح في المعارضة الشرسة لـقوانين العلاقات العرقية البريطانية الصادرة عامَي 1965 و1968 و1976. ولم تُعبَّر عن هذه المعارضة في الغالب بلغةٍ عنصرية صريحة، بل صاغ المعارضون موقفهم بوصف التشريعات المناهضة للعنصرية تهديداً للحرية وحرية التعبير والقيم الوطنية. حين نشرت حكومة العمال مشروع قانون العلاقات العرقية في أبريل 1965، أثار التشريعُ جدلاً فورياً، إذ اعترض المحافظون على ما رأوا فيه تقييداً لحرية التعبير.

لغةٌ مألوفة

كشفت النقاشات المحيطة بقانون العلاقات العرقية لعام 1976 عن هذه الديناميكية بصورةٍ أجلى. وصف النائب السابق Ronald Bell، أحد أشدّ المعارضين المحافظين للتشريع صخباً، البند 69 المتعلّق بالتحريض على الكراهية العرقية بأنّه "أشدّ انتهاكٍ لحرية الكلام والكتابة منذ عهود الاضطهاد الديني".

وكما أشار لاحقاً الفقيه القانوني Anthony Lester، الذي شارك مباشرةً في صياغة التشريع، فقد أطّر قطاعٌ من يمين المحافظين القانونَ لا باعتباره آليةً لتحقيق المساواة العرقية، بل باعتباره اعتداءً على الحريات والتقاليد البريطانية.

اللغة اليوم مألوفةٌ بشكلٍ لافت: القلق المحوري مرّةً أخرى ليس العنصرية ذاتها، بل الاستبداد لمن يسعون إلى تنظيمها.

لا يقتصر هذا الدفاع الأشمل عن "حرية التعبير" على النقاشات البرلمانية أو النزاعات القانونية حول تشريعات الكراهية العرقية، بل يمتدّ عميقاً في الفضاء الثقافي، حيث تُقابَل حتى مجرّد الإشارة إلى أنّ بعض النكات أو الكاريكاتيرات أو أشكال الترفيه قد تكون عنصرية بالاستنكار والعدائية. ويُصوَّر التحدّي لمثل هذه الصور لا باعتباره نقداً مشروعاً للعنصرية، بل دليلاً على فرطِ الحساسية وعجزٍ عن استيعاب الفكاهة البريطانية.

تجلّت هذه الديناميكية في النقاشات المحيطة بمسيرة "Unite the Kingdom"، ولا سيّما بعد أن تداول الناس مقاطع مصوّرة تُظهر ثلاث نساء بيضاوات على المنصّة يسخرن من لباس المرأة المسلمة، وسط تشجيع وضحك من أجزاء من الحشد.

رداً على الانتقادات، حاول مقدّم البرامج في قناة LBC، Iain Dale، التهوين من الإسلاموفوبيا الصريحة بإعادة تأطيرها من خلال لغة الفكاهة. كان المعنى الضمني أنّ المنتقدين أخفقوا في استيعاب "النكتة"، مستعيداً نمطاً مألوفاً في الثقافة العامة البريطانية، حيث دأب الاستهزاء العنصري تاريخياً على الدفاع عن نفسه لا بذاته، بل بالاحتماء بالكوميديا والسخرية والعجز المزعوم للمنتقدين المناهضين للعنصرية عن فهم الدعابة.

إخفاءٌ ممنهج

لهذا الاحتجاج بالفكاهة دفاعاً عن اتّهامات العنصرية تاريخٌ طويل في البلاد. فقد بثّت برنامج في أوقات الذروة بين عامَي 1958 و1978، مستلهمةً تقليد "المينستريل" (Minstrel) الأمريكي من القرن التاسع عشر؛ وهو شكلٌ مسرحي اعتمد في معظمه على فنّانين بيض يُقدّمون صوراً كاريكاتيرية للسود من خلال قوالب عنصرية نمطية، تصوّرهم حمقى وخاضعين.

وعلى الرغم من تقديمه في البداية باعتباره ترفيهاً عائلياً بريئاً، جلب البرنامجُ انتقاداتٍ متصاعدة طوال سنوات بثّه بسبب ترسيخه هذه الصور العنصرية واعتماده على ممارسة "التلوين الأسود" (Blackface) المسيئة.

بالنسبة لمنتجي BBC، كان "المينستريل" يُعرَّف من خلال منظور عمى الألوان والبراءة العرقية. قدّموا "التلوين الأسود" باعتباره تقليداً مسرحياً راسخاً خالياً من أيّ نيّةٍ أو ضررٍ عنصري. وكان البرنامج يُوصف باستمرار بأنّه ترفيهٌ عائلي طيّب القلب، ممّا أتاح لمدافعيه إنكار وجود العنصرية.

في المقابل، عمل الجمهور الأسود والناشطون على تسمية "المينستريل" بما هو: ممارسةٌ مسيئة وعنصرية. وقد قُوبلت شكاواهم بالرفض باعتبارها عجزاً عن استيعاب الفكاهة البريطانية.

ما يبرز عبر هذه اللحظات المتعاقبة هو نمطٌ متكرّر تُجعَل فيه العنصرية غير مرئية من خلال لغة الفكاهة والسخرية وحرية التعبير، فيما يُصوَّر من يتحدّاها على أنّهم التهديد الحقيقي للثقافة العامة والقيم الديمقراطية.

لو كان المطلقون لحرية التعبير يعنون ما يقولون في معارضة الرقابة، لتوقّعنا منهم الوقوف ضدّ الأشكال الأكثر تقييداً اليوم. غير أنّ كثيرين ممّن يدافعون عن حقّ الاستهزاء بالمسلمين، أو يعارضون تعريف الإسلاموفوبيا، يلتزمون الصمت حين يواجه أكاديميون مسلمون وطلابٌ مؤيّدون لفلسطين وناشطو التضامن مع فلسطين المراقبةَ والتعليقَ أو التجريمَ.

منذ أكتوبر 2023، شدّدت الجامعات والحكومات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة و أوروبا القيودَ على التعبير المؤيّد لفلسطين. ويصف باحثون هذا الواقع بـ"استثناء فلسطين" من حرية التعبير، مكشوفاً كيف تعمل حرية التعبير في الغالب لا كمبدأٍ ليبرالي محايد، بل كآليةٍ عنصرية تحدّد أيّ الأصوات مشروعة وأيّها يبقى مشبوهاً.

إن كان للتاريخ من درسٍ يُعلّمنا إيّاه، فهو أنّ أعلى الأصوات استحضاراً لحرية التعبير تُطلَق تحديداً حين تُتحدّى التراتبيات العرقية. حرية التعبير، بعبارةٍ أخرى، لم تكن يوماً عن الكلام. كانت دائماً عن السلطة: عن مَن يحقّ له الكلام، ومَن تُسمع شكاواه، ومَن تُعترَف إنسانيّته.

أخبار ذات صلة

Loading...
المغنية البلغارية دارا تحتفل بفوزها في مسابقة يوروفيجن 2026، معبرة عن سعادتها بإشارات قلب أثناء المؤتمر الصحفي.

إسرائيل تتعرّض للاستهجان في نهائي يوروفيجن.. بلغاريا تحقّق الفوز

في لحظة تاريخية، حققت المغنية البلغارية دارا فوزاً غير مسبوق في مسابقة يوروفيجن 2026، بينما قوبل إعلان نتيجة إسرائيل بصافرات استهجان. هل ستؤثر هذه الأحداث على مستقبل المسابقة؟ تابعوا التفاصيل المثيرة!
أوروبا
Loading...
مسيرة حاشدة في الأول من مايو، حيث يرفع العمال لافتات تطالب بتحسين الأجور وظروف العمل وسط أجواء من التضامن والنضال.

عمّال أوروبا يحتجّون في عيد العمّال: أزمة الطاقة والحرب الإيرانية

في الأول من مايو، يخرج العمال في أنحاء العالم مطالبين بحقوقهم وسط تصاعد التوترات الاقتصادية. انضم إلينا لتكتشف كيف تعكس هذه الاحتجاجات الأزمات العالمية وتؤثر في مستقبل العمل. لا تفوت تفاصيل هذا اليوم الحاسم!
أوروبا
Loading...
رفضت فرنسا منح تأشيرة دخول لشاوان جبارين، مدير منظمة الحق الفلسطينية، ما حال دون حضوره جلسات استماع مهمة في البرلمان الفرنسي.

رئيس منظمة الحقوق الفلسطينية "الحق" ممنوع من دخول فرنسا

رفضت فرنسا منح تأشيرة دخول لرئيس منظمة الحق الفلسطينية، مما حال دون حضوره جلسات حقوق الإنسان الهامة. في ظل تصاعد الانتهاكات، هل ستظل الدول الكبرى صامتة؟ تابعوا القصة لتكتشفوا المزيد عن هذه القضية المثيرة.
أوروبا
Loading...
إيمانويل ماكرون خلال اجتماع رسمي، مع التركيز على تعبيرات وجهه الجادة، في سياق التوترات بين فرنسا والولايات المتحدة حول الحرب في إيران.

فرنسا تحت الاختبار: الحرب الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط تفاجئها

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز فرنسا كداعم للتعددية، غير آبهة بتهديدات ترامب. هل ستتمكن من الحفاظ على نفوذها في هذا الصراع؟ تابعوا معنا لتكتشفوا المزيد عن هذه الدبلوماسية المعقدة.
أوروبا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية