علاج جديد بالموجات فوق الصوتية لتخفيف أعراض الفصام
جلسة موجات فوق صوتية مركزة لمدة 10 دقائق خففت من شدة الضلالات لدى مرضى الفصام لأسبوع واحد فقط. تجربة أولية تفتح آفاق علاجية غير جراحية لأعراض الذهان وتعزز فهمنا لدور الدماغ العميق في المرض مع آثار جانبية خفيفة وورلد برس عربي.

-جلسة واحدة من الموجات فوق الصوتية المركَّزة، مدتها 10 دقائق فقط، ارتبطت بتراجع شدة الضلالات لدى مرضى الفصام لأسبوع على الأقل. هذه خلاصة تجربة تجريبية صغيرة شملت 10 مرضى بالفصام أو الاضطراب الفصامي العاطفي، ونُشرت نتائجها يوم الثلاثاء 20 أكتوبر في دورية «npj Acoustics» (2026؛ المجلد 2، المقال 39). الرقم صغير، والنتيجة أولية، لكنها تفتح سؤالاً يهمّ الطب النفسي: هل يمكن الوصول إلى دوائر عميقة في الدماغ دون جراحة؟
كيف أُجريت التجربة؟
الضلالات (Delusions) معتقدات خاطئة يصعب التخلص منها، كأن يعتقد المريض أن أحداً يلاحقه دون سبب، أو أن كارثة كبرى وشيكة دون دليل (تعريف عيادة مايو كلينك). وتشمل المشاركون في التجربة مرضى بالفصام، وآخرين بالاضطراب الفصامي العاطفي، وهو اضطراب تقترن فيه الأعراض الذهانية بأعراض مزاجية مثل الهوس.
وُضع جهاز الموجات فوق الصوتية على رؤوس المشاركين، فعبرت الموجات الجمجمة إلى منطقة دماغية محددة بهدف تغيير نشاطها. وتلقّى كل مشارك علاجين: جلسة موجات فوق صوتية حقيقية وجلسة علاج وهمي (Placebo)، بينهما أسبوع. استغرقت الجلسة الواحدة 10 دقائق.
بعد كل جلسة، قيّم المشاركون قوة اعتقادهم بالضلالات وما تسببه لهم من ضيق. وأجرى الباحثون مقابلات معهم حول مضمون ضلالاتهم، ووثّقوا الوظائف الإدراكية والهلاوس السمعية، أي إدراك أصوات لا وجود لها.
ماذا تغيّر، وماذا لم يتغيّر؟
ارتبطت جلسة الموجات فوق الصوتية بضلالات أقل شدة من العلاج الوهمي خلال الأسبوع التالي. لكن الأثر لم يمتد إلى كل الأعراض، إذ لم يظهر تغيّر مهم مرتبط بالعلاج في الهلاوس السمعية ولا في الإدراك العام.
أما الآثار الجانبية المسجلة فكانت خفيفة: إرهاق وصداع. وشهد بعض المشاركين ارتفاعاً مؤقتاً في الضلالات بعد الجلستين، الحقيقية والوهمية. ورأى الباحثون أن ذلك يعود إلى التقلبات المتوقعة في مسار الفصام، وبقيت صلته بالموجات فوق الصوتية غير محسومة.
وهنا يجب التمييز بين ما أظهرته التجربة وما لم تُصمَّم لإثباته. عيّنة من 10 مرضى، ومتابعة لأسبوع واحد، لا تكفيان للحديث عن علاج. وبلغة الدكتور دونالد غوف، أستاذ الطب النفسي في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك وأحد معدّي الدراسة، في تصريحات لموقع Live Science: «من المبكر جداً الجزم بما ستكون عليه الفوائد العلاجية، لكن الأمر مثير للغاية».
لماذا استُهدفت الكرة الشاحبة الداخلية؟
استهدفت الجلسات الجانب الأيمن من الكرة الشاحبة الداخلية (GPI)، وهي بنية تقع في عمق الدماغ وتدخل في الدائرة القشرية المخطَّطية الشاحبية المهادية (cortico-striatal-pallido-thalamic circuit). وتضم هذه الدائرة تراكيب تقع تحت القشرة الخارجية للدماغ.
واختار الباحثون هذه المنطقة بعد دراسة سابقة من عام 2023 ربطت زيادة الاتصال بين الكرة الشاحبة الداخلية والتلفيف الحزامي الأمامي الظهري بشدة أعراض ذهانية أكبر. وتشير دراسات أخرى إلى دور لهذه الدائرة في الفصام.
لكن علاقة الدائرة بأعراض الفصام ما زالت غير واضحة تماماً، لأن مكوناتها العميقة يصعب دراستها بدقة كافية بالتصوير بالرنين المغناطيسي.
أما التفسير الذي يقترحه الباحثون فيقوم على خلل في كبح المنبّهات غير ذات الصلة. تقول وي تشي، أستاذة الطب النفسي السريري المساعدة في كلية غروسمان وإحدى معدّات الدراسة: «فرضيتنا أن هناك، في الفصام، اختلالاً في التوازن بين التحفيز والكبح فيما يتعلق بما هو مهم فعلاً في البيئة المحيطة». وتضيف: «الإخفاق في كبح الإشارات غير ذات الصلة قد يكون أساس الذهان».
ويستند هذا التصور إلى معرفة مصدرها أبحاث الاضطرابات الحركية، ومنها مرض باركنسون، حيث قد يختل التوازن بين التحفيز والكبح في الخلايا العصبية المتحكمة بالحركة.
أين تقف هذه التقنية بين العلاجات الحالية؟
تبرز أهمية الفكرة عند مقارنتها بالبدائل. فالأدوية المضادة للذهان قد تترك آثاراً على الجسم كله، منها زيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم (انظر دراسة عن آثارها الجانبية). والتحفيز العميق للدماغ يتطلب زرع قطب كهربائي جراحياً داخل الدماغ (مرجع عن هذه التقنية). أما التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، الذي يستخدم مجالات مغناطيسية لتحفيز الدماغ، فيقول شاي شوهام، مهندس الأعصاب وأحد معدّي الدراسة، إن الموجات فوق الصوتية تصل بواسطته إلى مناطق أعمق وبدقة أعلى. ويشبّه شوهام تركيز المحوِّل (Transducer) للموجات بعدسة تركّز الضوء.
ويرى الدكتور ديباك ساربال، أستاذ الطب النفسي المشارك في كلية الطب بجامعة بيتسبرغ، وهو خبير من خارج الفريق، أن الموجات فوق الصوتية تبلغ المناطق تحت القشرية بطريقة أقل تدخلاً من التحفيز العميق للدماغ. ويقول: «لم تكن هناك محاولات علاجية ناجحة كثيرة لاستهداف بعض هذه البنى الأعمق».
ولم تكن هذه المحاولة الوحيدة هذا العام، فقد حفّزت مجموعة بحثية أخرى أجزاء من الجسم المخطَّط (Striatum) لدى مرضى بالفصام، وقيّمت الهلاوس، وأفادت بتراجع الأعراض أسبوعاً على الأقل.
ويصف الباحثون الموجات فوق الصوتية المركَّزة بأنها أداة بحثية إلى جانب كونها نهجاً علاجياً محتملاً. فإن ثبت ارتباط دائرة معينة أو عقدة فيها بالأعراض المراد علاجها، يقول غوف: «فسيكون الأمر مسألة فهم أي نمط من التحفيز يمكن أن يسمح لنا بتصحيح ذلك».
وتُنشر هذه المعلومات لأغراض إعلامية فقط، ولا تُعدّ نصيحة طبية.
والخطوة التالية معروفة: يخطط الفريق لاختبار عدد أكبر من المرضى وتغيير جرعات الموجات فوق الصوتية. أما حتى ذلك الحين فيبقى الحكم الأدق ما قاله غوف: «يلزم عمل أكثر بكثير»، «لكننا متفائلون جداً بما تعد به هذه التقنية».
أخبار ذات صلة

الساعات البيولوجية والاكتئاب: هل تكشف دراسة جديدة نمطاً "إيقاعياً" مميزاً؟

تحور جيني يرفع خطر الزهايمر ثلاث مرات — تراكم الدهون في خلايا الدماغ قد يكون السبب

ارتفاع درجات الحرارة يزيد مخاطر الحمل عالمياً إليك التفاصيل
