تلوث الهواء يهدد عينيك بخطر الجلوكوما والساد
تشير دراسات جديدة إلى أن تلوث الهواء وخاصة الجسيمات الدقيقة PM2.5 يزيد من خطر الإصابة بالجلوكوما والساد، مما يهدد صحة العين والرؤية. تعرف على كيف يؤثر الهواء الملوث على عيوننا في وورلد برس عربي.

قد يكون ما نتنفّسه في الشارع والحيّ مرتبطاً بصحة عيوننا بقدر ارتباطه بعمرنا. هذا ما تشير إليه مراجعةٌ لـ41 دراسة وجدت أن ارتفاع التعرّض لتلوّث الهواء، وخصوصاً الجسيمات الدقيقة PM2.5، يقترن بزيادة احتمالات الإصابة بالجلوكوما (الزرق، أو «المياه الزرقاء») وبالساد (إعتام عدسة العين، أو «المياه البيضاء»). لكنّ الأدلة كلها رصدية، ولا تثبت أن التلوّث يسبّب أيّاً من المرضين.
ما حجم المشكلة، وماذا فحصت المراجعة؟
تصيب الجلوكوما نحو 80 مليون إنسان في العالم، بحسب التقديرات العالمية. وهي مجموعة أمراض تتلف العصب البصري الذي ينقل المعلومات البصرية إلى الدماغ، وقد تنتهي بفقدان دائم للبصر. وتبدأ عادةً بالرؤية المحيطية ثم تمتد إلى الرؤية المركزية. أما الساد، فيطال أكثر من 94 مليون شخص، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية. وفيه تتعكّر عدسة العين فتتشوّش الرؤية، وقد يؤدي إلى العمى. ويرفع التقدّم في العمر وأمراضٌ مثل السكري خطر المرضين معاً.
عُرضت نتائج المراجعة في سبتمبر خلال المؤتمر الرابع والأربعين للجمعية الأوروبية لجراحي الساد والجراحة الانكسارية (ESCRS) في لندن، وهناك إعلان بحثي عنها. شملت الدراسات المراجَعة ملايين الأشخاص في شرق آسيا والمملكة المتحدة. وفحص الباحثون ستة ملوّثات: PM2.5 وPM10 وثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والأوزون وأول أكسيد الكربون. وقارنوا مستويات التعرّض بثلاثة أمراض: الجلوكوما والساد والتنكس البقعي المرتبط بالعمر (AMD)، وهو مرض يصيب الشبكية المركزية المسؤولة عن الرؤية الحادة المفصّلة.
اعتمدت معظم الدراسات على تقدير التعرّض الطويل الأمد انطلاقاً من مستويات التلوّث حول المنازل والمجتمعات المحلية، وذلك بالاستعانة بالرصد الحكومي وبيانات الأقمار الصناعية والنماذج الحاسوبية. وتناولت دراسات قليلة التعرّض القصير الأمد ومشكلات العين المفاجئة، ومنها الجلوكوما الحادة بإغلاق الزاوية.
ماذا تقول الأرقام عن PM2.5؟
تبلغ أقطار جسيمات PM2.5 مقدار 2.5 ميكرومتر أو أقل، وكانت أوضح الملوّثات ارتباطاً بخطر الجلوكوما والساد. فالأشخاص الأعلى تعرّضاً لها كانت احتمالات إصابتهم بالجلوكوما أعلى بنسبة 70% من الأقل تعرّضاً.
والرقم الأكثر دلالة من الناحية الإحصائية هو الثاني. فقد ارتبطت زيادةٌ بمقدار المدى الربيعي في التعرّض لـPM2.5 بارتفاع احتمالات الجلوكوما بنسبة 8%، وبارتفاع خطر الساد بنسبة 4%. والمقصود بهذه الزيادة الفرق بين الشريحتين المئويتين 25 و75 داخل كل دراسة. وللمقارنة بين الرقمين تنبغي ملاحظة أن الجلوكوما قيست بـ«احتمالات الإصابة» (odds)، بينما قيس الساد بـ«معدّل الخطر» (hazard)، وهما مقياسان مختلفان.
وصفت Nidhi Singh، عالمة الوبائيات البيئية في معهد IUF-Leibniz للطب البيئي في ألمانيا، وفق حديثها إلى Live Science، نتائج PM2.5 والجلوكوما بأنها متسقة نسبياً عبر الدراسات. أما نتائج الساد فرأتها متسقة بدرجة متوسطة لكنها أكثر تفاوتاً.
وفي المقابل، لم تبلغ الصلة بين التلوّث والتنكس البقعي مستوى الاتساق نفسه. ولم يرتبط ثاني أكسيد النيتروجين ارتباطاً ذا دلالة بالتنكس البقعي، ولم تُسجَّل له صلة بالجلوكوما. وكذلك الأوزون، فلم يرتبط بالساد ولم تُسجَّل له صلة بالجلوكوما. أما ثاني أكسيد الكبريت وPM10 فلم يُظهرا أي ارتباط ذي دلالة بالجلوكوما أو الساد أو التنكس البقعي.
كيف يمكن للهواء أن يؤذي العين؟
يطرح الدكتور Ahmed Alnabihi، طبيب العيون السعودي والمشارك في إعداد الدراسة (ملفه البحثي)، تفسيراً بيولوجياً محتملاً. فبحسبه، قد تُحفّز الجسيمات الدقيقة الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن منخفض الدرجة. والإجهاد التأكسدي يحدث حين تطغى جزيئات ضارة على دفاعات الجسم الطبيعية فتُحدث تلفاً، أما الالتهاب هنا فتنشيطٌ خفيف للجهاز المناعي يمتد زمناً طويلاً.
وقال Alnabihi إن هذه العمليات قد تُتلف بروتينات البلورين في العدسة، فـ«تتلف بروتينات البلورين التي تُبقيها شفافة، فتتسبب في التفافها الخاطئ وتغيّمها، وهذا هو ما يعنيه الساد». وفي العصب البصري، قد تُلحق الضرر بالخلايا العقدية الشبكية وتسهم في الجلوكوما. وأضاف أن مسار الجلوكوما المحتمل هذا قد يعمل بمعزل عن ضغط العين الداخلي، وهو عامل خطر رئيسي آخر للمرض.
وفسّر Alnabihi سبب خصوصية العين بقوله: «على خلاف الرئتين أو الأمعاء، فإن سطح العين على اتصال مباشر ومستمر بالهواء الخارجي، ما يمنح الملوّثات طريقاً مباشراً على نحو فريد قد يُحدث الضرر». ويرى أن النتائج تعيد النظر في المرضين، إذ قال: «هذا يعيد تأطير الجلوكوما والساد بوصفهما حالتين تشكّلهما الأماكن التي نعيش ونتنفس فيها، لا مجرد المدة التي عشناها». ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن التعرّض للملوّثات قد يضاعف التراجع الذي يصيب العين مع التقدّم في العمر.
وتتوافر أدلة من خارج المراجعة تتصل بهذه الآليات:
دراسة على الفئران: عُرّضت الحيوانات لـPM2.5 المحيط تسعة أشهر، فارتفع الضغط داخل عيونها، وهو عامل خطر للجلوكوما. ولاحظ الباحثون إجهاداً تأكسدياً ونيتراتياً في الأنسجة التي تصرّف سائل العين.
دراسة بشرية: تضمّنت بيانات من UK Biobank شملت أكثر من 480,000 مشارك، وربطت ارتفاع التعرّض لـPM2.5 بالإصابة اللاحقة بالجلوكوما.
دراسة مخبرية: عُرّض نسيج شبكية بشري مشتق من خلايا جذعية لـPM2.5، فاضطرب نمو الخلايا الشبكية، ومنها الخلايا العقدية، وازداد موت الخلايا.
هل تثبت هذه النتائج السببية؟
لا. فالدراسات المراجَعة رصدية، ولا يمكنها إثبات أن تلوّث الهواء يسبّب أمراض العين. وقد قالت Singh بوضوح: «لذلك فإن النتائج تُظهر وجود ارتباط، وليست بذاتها دليلاً على تأثير سببي لـPM2.5 في الجلوكوما أو الساد».
وهذا التمييز جوهري لقارئ يتابع سياسات جودة الهواء في مدننا. فالارتباط الإحصائي يبرّر مواصلة البحث ويضيف سبباً صحياً للاهتمام بجودة الهواء، لكنه لا يصلح أساساً لوعود علاجية أو لأرقام وفيات أو عمى منسوبة إلى التلوّث. ويظل ما بقي من الصورة غير مكتمل أيضاً، إذ إن الدراسات جاءت من شرق آسيا والمملكة المتحدة، ولم تذكر المراجعة بيانات من المنطقة العربية.
ويبقى السؤال الأهم مفتوحاً: كيف تتكامل الآليات المقترحة، من الإجهاد التأكسدي إلى الالتهاب المزمن وارتفاع ضغط العين، داخل جسم الإنسان؟ فالأدلة المتاحة، من الفئران إلى الأنسجة المخبرية، لا تجيب عن ذلك بعد. وما سيحسم الأمر دراسات تتبّع بشراً على مدى طويل وتضبط العوامل المربكة، كالعمر والسكري.
هذه المادة للمعلومة العامة، وليست نصيحة طبية.
أخبار ذات صلة

تحور جيني يرفع خطر الزهايمر ثلاث مرات — تراكم الدهون في خلايا الدماغ قد يكون السبب

ارتفاع درجات الحرارة يزيد مخاطر الحمل عالمياً إليك التفاصيل

هرمون الذكورة لأعراض انقطاع الطمث: هل يستحقّ الإقبال المتزايد عليه؟
