الحرارة وخطر الولادة المبكرة وتأثيرها على الحوامل
ارتفاع درجات الحرارة يؤثر سلباً على صحة الحوامل ويزيد مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود. تعرف على كيف تؤثر موجات الحر على الحمل والجنين في مناطقنا الحارة مع وورلد برس عربي.

-تشير مراجعة جمعت أكثر من 100 دراسة حول الحرارة ونتائج الولادة إلى أن الخطر على الحامل لا ينتظر موجة حرّ استثنائية. فقد ارتفعت المخاطر عموماً مع بلوغ الحرارة نحو 87 درجة فهرنهايت (30.5 مئوية)، وعند 102 فهرنهايت (39 مئوية) زاد الخطر المجمّع لسوء النتائج بنسبة 20%. أعدّ هذه المراجعة فريق الباحثة كلارا هايل من جامعة لوند في السويد، وشملت نتائج مثل ولادة جنين ميت، والولادة المبكرة، وانفصال المشيمة، وتسمّم الحمل (preeclampsia). وتفاوتت الدراسات المشمولة في فترات التحليل، فبعضها نظر في ثلث واحد من الحمل وبعضها في الأثلاث الثلاثة.
هذه الأرقام تهمّ قارئاً في منطقتنا العربية، حيث يطول الصيف الحارّ. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات المعروضة هنا أُجريت في فرنسا والولايات المتحدة وكندا، ولا تتضمن بيانات عربية مباشرة. وهذا المقال معلوماتي ولا يقدّم نصيحة طبية فردية.
لماذا يكون جسم الحامل أكثر عرضة؟
الاحترار العالمي يرفع متوسط درجات الحرارة ويزيد عدد الأيام شديدة الحرارة. ويقترن ذلك بمخاطر صحية أخرى، منها الأمراض المعدية وانعدام الأمن الغذائي ودخان حرائق الغابات. وكان أغسطس هذا العام الأشدّ حرارة في تاريخ القياسات عالمياً، بحسب نشرة المناخ الأوروبية. وسجّلت ولايات أمريكية عدة ارتفاعاً في زيارات الطوارئ والوفيات المرتبطة بالحرارة، كما في أوستن وماريلاند. ويحذّر خبراء من أن الطقس الأشد حرارة يهدد صحة الملايين، كما يرد في تحليل منشور في ذا لانسيت.
تقول الدكتورة سوزانا إسبوزيتو، طبيبة الأطفال في جامعة بارما الإيطالية: «الحوامل أكثر هشاشة من الناحية الفسيولوجية أمام الحرارة». والحرارة مرتبطة بنتائج ولادة سلبية قد تكون مميتة للأمهات والمواليد، وقد تعيق نموّ الجنين بآثار صحية وإدراكية بعيدة المدى.
أما الآلية، فتفسّرها دراسات بفرضيتين. الأولى أن الجسم عند التبريد يحوّل جزءاً من تدفق الدم نحو الأطراف ليطلق الحرارة عبر الجلد. وتفيد بعض الدراسات، ومنها دراسة عن الحرارة وتدفق دم المشيمة، بأن هذا التحوّل قد يقلّل تدفق الدم إلى المشيمة أثناء الحمل، وبالتالي يحدّ من الأكسجين والمغذيات الواصلة إلى الجنين.
الفرضية الثانية تستند إلى دراسات على حيوانات المختبر. فهي ترجّح أن الإجهاد الحراري قد يرفع الكورتيزول فوق مستوياته في الحمل السليم، وأن التعرض الزائد له قد يؤثر في نموّ الجنين ووظائف المشيمة. غير أن هذه الآلية لا تزال غير مفهومة تماماً لدى البشر.
ماذا تقول الأرقام عن الوزن والولادة المبكرة؟
انخفاض وزن المولود. يرتبط انخفاض الوزن عند الولادة بزيادة المرض والوفاة بعد الولادة بوقت قصير (مراجعة)، وبصعوبات إدراكية ونفسية لاحقاً (دراسة). وفي موجة الحر التي ضربت فرنسا عام 2003، كانت الأمهات الحوامل أكثر من ضعف احتمال إنجاب مواليد منخفضي الوزن، وكانت الصلة أقوى حين وقعت الموجة في الثلث الأول من الحمل (الدراسة). وربطت دراسة في أريزونا ارتفاع حرارة الثلث الأخير بانخفاض وزن المولود.
الولادة المبكرة. الولادة المبتسرة هي الولادة قبل الأسبوع 37 من الحمل، وترتبط بارتفاع مخاطر الإعاقة العصبية والنمائية (NEJM). وتقول كلارا هايل: «إذا وُلدتَ مبتسراً، فأنت أكثر عرضة لكل أنواع الشدائد طوال الرضاعة، ثم تمتد إلى الطفولة وحتى المدى الأبعد».
وجدت مراجعة لـ70 دراسة أن احتمال الولادة المبكرة يزيد 16% خلال موجات الحر المتعددة الأيام في الأسابيع الأخيرة من الحمل. وكل ارتفاع إضافي بمقدار 1.8 فهرنهايت (درجة مئوية واحدة) على امتداد الحمل رفع خطر الولادة المبتسرة 5%.
الولادة «المبكرة» بعد الأسبوع 37. تُعرّف بأنها الولادة بعد 37 أسبوعاً وقبل إتمام 39 أسبوعاً، وترتبط بزيادة خطر دخول الطفل المستشفى وبطء النمو العصبي (موقف الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد). وحلّلت دراسة 56 مليون ولادة في الولايات المتحدة على مدى عقدين. وسجّلت نحو ولادة مبكرة إضافية واحدة لكل 100 ألف حمل عند تجاوز الحرارة 90 فهرنهايت (32.2 مئوية)، مقارنةً بالمدى بين 60 و70 فهرنهايت (15 إلى 21 مئوية). وجاءت الولادات في الأيام الحارة قبل موعدها المتوقع بنحو ستة أيام عادةً، وبلغ التبكير أحياناً أسبوعين.
تسمّم الحمل ومضاعفات أخرى. يرتبط التعرض الحراري للأم بزيادة خطر تسمّم الحمل، وهو مضاعفة مرتبطة بضغط الدم قد تكون مميتة (مراجعة). وربطت دراسة فرنسية عام 2011 ارتفاع حرارة الثلث الأول بزيادة طفيفة في خطر التسمّم الحاد. ولا تزال الحاجة قائمة إلى بحوث تفسّر هذه الصلة. كما ارتبطت الحرارة بسكري الحمل وارتفاع الضغط، وبزيادة دخول المستشفى في حالات الطوارئ أثناء الحمل عموماً (دراسة).
عيوب القلب والإملاص. وجدت دراسة في كندا خطراً أعلى بنسبة 6% لعيوب القلب الحرجة بعد موجة حر. وكان المواليد الأعلى خطراً هم من عاشوا 15 يوماً على الأقل عند 86 فهرنهايت (30 مئوية) أو أكثر في الثلث الأول (الدراسة). وفي دراسة شملت ست ولايات أمريكية، ارتبطت موجات الحر الشديدة بزيادة خطر ولادة جنين ميت. وارتبطت أربعة أيام متتالية من الحرارة غير المعتادة في الأسبوع الأخير من الحمل بزيادة 3% في هذا الخطر. وعُرّفت الحرارة غير المعتادة بأنها ما يتجاوز المئين 97.5 لحرارة المقاطعة.
هل تثبت هذه الدراسات أن الحرارة هي السبب؟
لا. دراسات نتائج الحمل المذكورة رصدية، تُظهر ارتباطات ولا تثبت سببية مباشرة. وهي لم تأخذ في الحسبان البيئة المنزلية للمشاركات ولا وسائل التبريد التي يستخدمنها. وهذا فرق جوهري بين الإجماع الطبي والنقاش البحثي المفتوح.
لذلك يعمل الباحثون على تحديد العتبات الحرارية الخطرة. وتقول هايل: «سيكون من المفيد أن نفهم عند أي مستوى من الحرارة تصبح الحرارة خطرة على النساء». وتتساءل: «هل هناك عتبة يصبح عندها من الصعب على الجسم تبديد الحرارة؟ وخصوصاً الجسم الحامل، المختلف عن الجسم غير الحامل، في التعامل مع تلك الحرارة؟».
من يدفع الثمن الأكبر، وإلى أين يتجه المناخ؟
تتضاعف آثار الحرارة على نتائج الولادة لدى أصحاب الظروف الاجتماعية والاقتصادية الأضعف (دراسة). فذوو الدخل المحدود أقل احتمالاً لامتلاك مكيّف هواء، وتميل الأحياء ذات الدخل الوسطي الأدنى إلى مساحات خضراء أقل، ما يحبس الحرارة (دراسة). هذه فجوة في توزيع الموارد قبل أن تكون مسألة طبية.
والسياق المناخي لا يوحي بانفراج قريب. فقد بلغ متوسط الحدود القصوى النهارية في الولايات المتحدة القارية هذا الصيف مستوى قياسياً هو 88.6 فهرنهايت (31.4 مئوية) (بيانات NOAA). ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الأيام السنوية التي تتجاوز 105 فهرنهايت (35 مئوية) ثلاث مرات بحلول منتصف القرن. وتتوقع الأمم المتحدة أن يتجاوز العالم على الأرجح عتبة احترار 1.5 مئوية (2.7 فهرنهايت) خلال السنوات الخمس المقبلة، وقد يتخطى أيضاً 2 مئوية (3.6 فهرنهايت) في الإطار الزمني نفسه (UNEP). وتعلّق ليزبيث بورغوس أوتشوا، الإحصائية في جامعة تيلبورغ الهولندية: «من المرجّح أن نرى درجات الحرارة هذه، أو أسوأ منها، في السنوات المقبلة».
ما الذي يمكن فعله؟
على مستوى الأحياء، يمكن لتوسيع المساحات الخضراء وإضافة المسطحات المائية أن يبرّد المناطق السكنية ويخفف الآثار الصحية. وعلى مستوى الأفراد، طوّر فريق هايل تطبيقاً للهاتف موجهاً إلى الحوامل ومن وضعن حديثاً. يتنبأ التطبيق بخطر الإجهاد الحراري ويقترح إجراءات للتخفيف، منها شرب السوائل وتغيير الملابس. وتأمل هايل أن تحدث هذه التطبيقات وأنظمة الإنذار المبكر المشابهة فرقاً.
أما على مستوى السياسات، فتقول إسبوزيتو: «ينبغي أن تعامل خطط التكيف المناخي الحوامل بوصفهن فئة ذات أولوية». وتضيف كريستين ميكلسون، عالمة الاجتماع المتخصصة في الصحة العامة بجامعة أريزونا الحكومية: «ينبغي أن تكون صحة الأمهات في صدارة اهتماماتنا، لأن الأمر يتعلق بالجيل القادم». وتحذّر: «إذا لم نعتنِ بالأمهات اللواتي يلدن الجيل القادم، فستكون لذلك عواقب طويلة الأمد».
يبقى السؤال المفتوح: ما درجة الحرارة التي يصبح عندها الحمل في خطر فعلي؟ وهل ستسبق أنظمة الإنذار المبكر موجات الحر التي تقترب؟
أخبار ذات صلة

تحور جيني يرفع خطر الزهايمر ثلاث مرات — تراكم الدهون في خلايا الدماغ قد يكون السبب

تلوّث الهواء والجلوكوما: العلماء يكتشفون مساراً مباشراً للضرر

هرمون الذكورة لأعراض انقطاع الطمث: هل يستحقّ الإقبال المتزايد عليه؟
