وورلد برس عربي logo

الاكتئاب الإيقاعي سر جديد وراء معاناة المزاج والنوم

اكتشف الباحثون نمطاً فرعياً من الاكتئاب مرتبط باضطراب الساعة البيولوجية قد يؤثر على ربع المصابين بالاكتئاب الشديد. هذا الاكتئاب الإيقاعي قد يحتاج لعلاجات جديدة تعتمد على النوم والضوء بدلاً من مضادات الاكتئاب التقليدية وورلد برس عربي.

امرأة مستلقية في السرير تعاني من اضطراب النوم والاكتئاب الإيقاعي، تعبير عن تأثير اضطراب الساعة البيولوجية على المزاج والنوم.
اقترح علماء في أستراليا وجود نوع معين من الاكتئاب يرتبط بشكل كبير باضطرابات الإيقاع البيولوجي اليومي.
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ماذا لو كان جزءٌ من حالات الاكتئاب المستعصية لا يعود إلى المزاج وحده، بل إلى ساعةٍ بيولوجية مضطربة داخل الجسم؟ هذا ما يقترحه باحثون في أستراليا تحت اسم «الاكتئاب الإيقاعي» (Circadian Depression)، وهو نمطٌ فرعي يقدّرون أنه قد يطال نحو 1 من كل 4 أشخاص يعانون اكتئاباً شديداً أو متكرراً أو مستمراً. الفكرة قد تفتح الباب أمام علاجات قائمة على النوم والضوء، لكنها تبقى فرضيةً لم تُعتمد رسمياً، ويقول باحثون من داخل الدراسة وخارجها إن الأمر يحتاج إلى أدلة أكثر قبل أي استخدام سريري.

نُشرت الدراسة يوم الأربعاء 21 أكتوبر في «المجلة البريطانية للطب النفسي» (The British Journal of Psychiatry)، وأورد موقع Live Science خلاصتها. عنوانها: «Clinical and genetic correlates of a circadian subtype of depression in the Australian Genetics of Depression Study». وتشير بيانات الاستشهاد إلى عام 2026 والصفحات 1–10، ويمكن الاطلاع على الدراسة عبر معرّفها الرقمي.

كيف حدّد الباحثون هذا النمط؟

اعتمد الفريق على بيانات «الدراسة الأسترالية للمورّثات والاكتئاب» (Australian Genetics of Depression Study)، وهي دراسة وطنية عن الاكتئاب. شملت العيّنة 11,380 مشاركاً بالغاً تتراوح أعمارهم بين 18 و 90 عاماً. وصنّف الباحثون 2,604 منهم ضمن النمط المقترح.

لم يُصنَّف المشارك بناءً على عَرَضٍ واحد، فقد اشترط المعيار توفّر ثلاث سمات على الأقل من ست: تقلّبات المزاج الموسمية، والمواعيد المتأخرة للنوم، و«الجَتلاغ الاجتماعي»، وعادات «البومة الليلية»، وفرط النوم، والإرهاق عند الاستيقاظ. والجتلاغ الاجتماعي (Social Jet Lag) هو التفاوت بين روتين النوم في أيام العمل وروتينه في أيام الراحة.

وتبيّن أن أصحاب هذا النمط أصغر سناً، إذ أفادوا ببدء الاكتئاب في سنّ 19 عاماً تقريباً، مقابل نحو 23 عاماً لدى بقية المشاركين. ومالت المجموعة إلى الإناث، وأبلغت عن ضائقة نفسية أشدّ وأفكار انتحارية متكررة وشكاوى جسدية أكثر. وذكر بعض أفرادها زيادة في الوزن خلال نوبات الاكتئاب، وأعراضاً تشبه الهوس الخفيف.

أما الباحثة الرئيسية، عالمة الأعصاب في جامعة سيدني Emiliana Tonini، فقالت: «الاكتئاب الإيقاعي نمطٌ فرعي مبنيٌّ على أساس بيولوجي». وأضافت: «على خلاف الأنماط التي تُعرَّف أساساً بالأعراض، فإن السمة الجوهرية هنا هي اضطراب الجهاز الإيقاعي اليومي، وهو أمر قد لا تعالجه مضادات الاكتئاب الشائعة علاجاً كاملاً».

والفكرة ليست جديدة تماماً. فقد ربطت أبحاث سابقة بين اضطراب الإيقاعات اليومية وخطر الإصابة بالاضطرابات المزاجية، ومنها مراجعة منشورة في «لانسيت للطب النفسي». وتعود صياغة مفهوم هذا النمط الفرعي إلى عام 2021 (المرجع).

ماذا كشفت الجينات؟

حلّل الباحثون الحمض النووي المستخلص من لعاب المشاركين، وحسبوا «درجات المخاطر الوراثية المتعددة» (Polygenic Risk Scores) اعتماداً على آلاف المتغيّرات الجينية. وكانت المخاطر الوراثية لدى المجموعة المقترحة أعلى للاكتئاب والقلق واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والاضطراب ثنائي القطب. كما ارتفعت لديها المخاطر المرتبطة بوزن الجسم ومقاومة الإنسولين والالتهاب والأرق وعادات السهر.

رسم توضيحي للدماغ يبرز منطقة تحت المهاد المسؤولة عن تنظيم الساعة البيولوجية وتأثيرها على الاكتئاب الإيقاعي.
Loading image...
تتحكم مجموعة من الخلايا في منطقة تحت المهاد (باللون الأحمر) بشكل رئيسي في دورة النوم والاستيقاظ في الجسم.

وتشرح Tonini المنطق وراء هذه الدرجات: «الحالات النفسية تتشكّل بفعل مئات أو آلاف المتغيّرات التي يضيف كلٌّ منها قدراً ضئيلاً من الخطر، ولذلك يحمل كل شخص "محفظة" فريدة من المخاطر». وترى أن هذه النتائج تعني أن «الاكتئاب الإيقاعي أكثر من مجرد "اكتئاب مع نوم سيئ"».

لماذا قد تُخفق مضادات الاكتئاب المعتادة؟

استكشف الفريق تجارب المشاركين السابقة مع الأدوية. فأفادت المجموعة المقترحة بفائدة أقل من مثبّطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) ومثبّطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين (SNRIs)، ومنها Lexapro و Cymbalta. وأبلغت كذلك عن آثار جانبية أكثر، منها النعاس والغثيان والقلق وزيادة الوزن.

تقرأ Ruth Benca، الطبيبة النفسية والباحثة في النوم بكلية الطب في Wake Forest، هذه النتيجة قائلة: «إذا كان اضطراب الإيقاع اليومي آليةً بيولوجية محورية لدى هؤلاء الأفراد، فمن الطبيعي أن تكون العلاجات التي لا تعالج تلك الاختلالات أقلّ فاعلية». غير أنها تنبّه إلى عامل آخر: «الأشخاص الذين تظهر لديهم اضطرابات إيقاعية أوضح يعانون في الغالب مرضاً أشدّ واضطرابات نفسية مصاحبة، وقد يسهم ذلك في مقاومة العلاج». وقال الباحثون أنفسهم إن اضطراب الإيقاع قد لا يكون السبب الوحيد لضعف استجابة الأدوية المعتادة، وإن شدّة المرض والاضطرابات النفسية المصاحبة قد تؤدي دوراً.

يقترح الباحثون مسارات علاجية محتملة، منها الميلاتونين والعلاج بالضوء الساطع والروتين السلوكي وجداول النوم المنظّمة و«العلاج الزمني» (Chronotherapy)، وهو تنسيق توقيت الدواء أو التعرّض للضوء مع الإيقاعات الداخلية للجسم (مرجع). وتقول Benca: «تشمل المقاربات المحتملة الروتين السلوكي وجداول النوم المنظّمة أو العلاج الزمني». وهذه المسارات مقترحات بحثية وليست توصيات علاجية، والمقال معلوماتي ولا يُغني عن استشارة طبية.

أين تقف حدود الدراسة؟

أول الحدود منهجي. فقد اعتمد الباحثون على أنماط النوم التي أبلغ بها المشاركون أنفسهم، وهذه التقارير لا ترتبط إلا ارتباطاً متواضعاً بالقياسات المباشرة لتوقيت الإيقاع اليومي، مثل قياس الميلاتونين في اللعاب. وهنا يحذّر Brant Hasler، عالم النفس والباحث في النوم بجامعة Pittsburgh: «يمكن للمرء أن يصف نفسه بأنه من النمط المسائي ويذكر مواعيد نوم متأخرة، ومع ذلك لا يكون توقيته الفيزيولوجي اليومي متأخراً بصورة لافتة».

الحد الثاني يخص التعميم. فالدراسة اعتمدت مجموعة أسترالية واحدة، وشمل تحليلها الجيني أشخاصاً من أصول أوروبية فقط، ولذلك تحتاج النتائج إلى تحقّق في فئات سكانية أوسع. وتحتاج آثار العلاج إلى تجارب سريرية تثبتها. ولا نعرف من هذه المعطيات إن كان النمط ينطبق على سكان المنطقة العربية، وهو سؤال لا تجيب عنه عيّنة أسترالية أوروبية الأصل. كما لم يرد في المعطيات التي اطّلعنا عليها ما يخص مصدر تمويل الدراسة.

شارك في الدراسة، إلى جانب Tonini بوصفها المؤلفة الأولى، كلٌّ من J. J. Crouse و M. Shin و J. S. Carpenter و B. L. Mitchell و E. M. Byrne و P. A. Lind و S. D. Gordon و R. Parker و S. J. Hockey و T. To و A. Shim و A. Hill و A. Treneman و E. Scott و J. Scott و K. R. Merikangas و N. R. Wray و N. G. Martin و S. E. Medland، وجاء اسم I. B. Hickie مؤلفاً أخيراً.

ومع هذه التحفظات، ترى Tonini أن الدراسة «خطوة مهمة نحو مقاربة علاجية أكثر تخصيصاً». يبقى السؤال المفتوح: هل سيُثبت الاكتئاب الإيقاعي نفسه نمطاً مستقلاً بقياسات فيزيولوجية مباشرة وعيّنات أكثر تنوعاً، وهل ستُظهر التجارب السريرية أن الضوء وتنظيم النوم يمنحان هؤلاء المرضى ما عجزت عنه الأدوية المعتادة؟ إلى أن تصدر هذه الإجابات، يظلّ المفهوم فرضيةً بحثية.

أخبار ذات صلة

Loading...
دماغ بشري يظهر من خلال خطوط أفقية متقطعة باللون البنفسجي، يرمز إلى دراسة استخدام الموجات فوق الصوتية المركزة لعلاج أعراض الفصام عبر تحفيز مناطق عميقة في الدماغ.

الموجات الفوق صوتية تخفف أعراض الهلاوس في الفصام: دراسة صغيرة تبشّر بذلك

اكتشف كيف يمكن لجلسة قصيرة من الموجات فوق الصوتية أن تخفف ضلالات الفصام بدون جراحة، فهل تفتح هذه التقنية آفاقاً جديدة لعلاج الذهان؟ اقرأ المزيد الآن.
صحة
Loading...
رسم توضيحي يبرز تأثير المتغيّر الجيني APOE4 على خلايا الدماغ وعلاقته بخلل إشارة «وينت» وتراكم الدهون المرتبط بمرض ألزهايمر.

تحور جيني يرفع خطر الزهايمر ثلاث مرات — تراكم الدهون في خلايا الدماغ قد يكون السبب

اكتشف العلماء دور خلل إشارة «وينت» في تراكم الدهون المرتبط بجين APOE4 وتأثيره على ألزهايمر، ما يفتح آفاقاً لعلاج جديد. تابع التفاصيل لتعرف أكثر.
صحة
Loading...
امرأة حامل تستند على أريكة تحاول التبريد بمروحة، تعبيراً عن تأثير ارتفاع الحرارة على صحة الحوامل ومخاطر الولادة المبكرة.

ارتفاع درجات الحرارة يزيد مخاطر الحمل عالمياً إليك التفاصيل

ارتفاع درجات الحرارة يشكل خطراً متزايداً على صحة الحوامل وأطفالهن، خصوصاً مع موجات الحر المتكررة. اكتشف المزيد عن تأثيرات الحرارة على الولادة وكيف تحمي نفسك وجنينك.
صحة
Loading...
رجل يرتدي كمامة واقية في شارع ملوث بالهواء، يرمز لخطر تلوث الهواء وجسيمات PM2.5 على صحة العين وزيادة احتمالات الجلوكوما والساد.

تلوّث الهواء والجلوكوما: العلماء يكتشفون مساراً مباشراً للضرر

تلوث الهواء والجسيمات الدقيقة PM2.5 تزيد خطر الإصابة بالجلوكوما والساد، مما يهدد صحة عيوننا. اكتشف المزيد عن هذا الرابط وتأثيره على رؤيتك الآن.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية