سحابة أرسيا مونس على المريخ تكشف سر التنوّي المتجانس
كل صيف على المريخ تظهر سحابة بيضاء تمتد 1800 كيلومتر غرب بركان أرسيا مونس. دراسة جديدة تفسرها بتجمّد بخار الماء دون غبار عبر ظاهرة التنوّي المتجانس النادرة. اكتشف كيف تكشف هذه السحابة أسرار جو المريخ مع وورلد برس عربي.

كل يوم من أيام الصيف على المريخ، يظهر غربيّ بركان أرسيا مونس (Arsia Mons) سحابة بيضاء رفيعة يبلغ طولها نحو 1,800 كيلومتر، تبقى بضع ساعات ثم تتلاشى، وتعود صباح اليوم التالي. عرف العلماء هذه الظاهرة منذ عقود ولم يجدوا لها تفسيراً مقنعاً. دراسة جديدة تقترح الآن أن السحابة تتكوّن من تجمّد بخار الماء مباشرةً من دون حبيبات غبار، وهي عملية نادرة تُعرف بـ«التنوّي المتجانس» (Homogeneous Nucleation).
ما هي سحابة أرسيا مونس الممتدة؟
تُعرف الظاهرة باسم «سحابة أرسيا مونس الممتدة» (AMEC)، وتتكرر يومياً طوال الصيف المريخي. أما أرسيا مونس فبركان خامد يبلغ ارتفاعه 20 كيلومتراً. وقد عرض الظاهرةَ أنطون بيتروف (Anton Petrov) في فيديو على قناة SciStarter في يوتيوب.
نُشرت الورقة البحثية في مجلة «نيتشر جيوساينس» (Nature Geoscience)، وقاد فريقها الدكتور خورخي إرنانديث-برنال (Jorge Hernández-Bernal) من جامعة السوربون. وتقترح الدراسة أن السحابة قد تكون أول مثال طبيعي موثّق للتنوّي المتجانس، وهي في الوقت نفسه المثال الطبيعي الوحيد المعروف لهذه العملية. وتستند النتائج إلى محاكاة حاسوبية لا إلى رصد مباشر للعملية داخل السحابة، وهو فارق ينبغي إبقاؤه في الذهن عند قراءة كلمة «تفسير».
لماذا عجزت النماذج التقليدية؟
على الأرض، حين يصعد هواء رطب يتمدّد ويبرد وترتفع رطوبته النسبية. لكنّ جزيئات بخار الماء لا تتجمع بسهولة، لأن التوتر السطحي يدفع القطرات الوليدة إلى التبخّر. لذلك يحتاج التكاثف عادةً إلى جسيمات عالقة في الجو تُسمّى «نوى التكاثف»، وهذه هي حال «التنوّي غير المتجانس». ومن أمثلتها على الأرض بلّورات ملح البحر والتلوّث الصناعي.
افترض العلماء بطبيعة الحال أن غبار المريخ هو ما يوفّر هذه النوى لسحابة AMEC، فالكوكب مغبرّ وتجتاحه عواصف غبار عالمية. غير أن المحاكاة السابقة أعطت نتيجتين لا تطابقان المرصود: بقعاً واسعة من الضباب، أو غياب سحابة ذيلية تمتد آلاف الكيلومترات.
أما التنوّي المتجانس، أي تشكّل قطرات سائلة أو بذور جليدية دون جسيمات سابقة، فيتطلب رطوبة عالية استثنائياً. ولهذا عدّه العلماء فضولاً مخبرياً رغم أساسه النظري.
ماذا يحدث عند البركان؟
استخدم الباحثون نماذج طقس وحزماً متخصصة في فيزياء الجسيمات الدقيقة ضمن «نموذج المناخ الكوكبي للمريخ» (Mars Planetary Climate Model). وتصف المحاكاة التسلسل الآتي:
- في الصيف تصطدم رياح غربية بأرسيا مونس مباشرةً.
- ترتفع الرياح فوق البركان وتولّد أمواج جاذبية جوية، وهي تموجات ثابتة في الغلاف الجوي ترتبط بتغيّرات كبيرة في الضغط.
- يبرد الهواء نحو 30 درجة مئوية في أقل من 15 دقيقة عبر التمدد الكظوم (Adiabatic Expansion)، فتنخفض حرارته دون -143 درجة مئوية.
- يحتوي الغلاف الجوي المريخي صيفاً على 0.1 حبة غبار فقط لكل سنتيمتر مكعب، وهذا القلة تسمح للرطوبة المحلية بالارتفاع إلى نحو 10 ملايين بالمئة.
- عند هذه الرطوبة يتجمد بخار الماء تلقائياً إلى مئات البلّورات الجليدية في كل سنتيمتر مكعب.
- تحمل الرياح الجسيمات الجليدية خارج «جيب التجمّد» لتشكّل ذيلاً سحابياً رفيعاً كالقلم، يمتد أكثر من ألف ميل دون أن يتبدد.
هل تتكرر العملية خارج المريخ؟
تقول الدراسة إن أماكن أخرى قد تجمع بين رطوبة عالية وقلّة في جسيمات الغبار. وتشير إلى احتمال تشكّل غيوم بالآلية نفسها على إنسيلادوس (Enceladus)، القمر الجليدي في المجموعة الشمسية، وفي الغلاف المتوسط القطبي (Polar Mesosphere) على الأرض. وتناول المركز الأوروبي مقالاً لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) عن هذه السحابة الغريبة، كما تتوافر دراسة عن التنوّي المتجانس على المريخ لمن أراد الاطلاع على التفاصيل.
يبقى السؤال المفتوح: هل ظلّ التنوّي المتجانس «فضولاً مخبرياً» لأننا لم نبحث عنه خارج المختبر؟ إن صحّ الطرح، فقد تكون سحابة المريخ اليومية مجرد أول حالة نتعرّف إليها.
أخبار ذات صلة

مسبار الشمس يكتشف منشأ الانقلابات المغناطيسية العملاقة في الرياح الشمسية

تجارب نباتية في المدار: عالم النبات يستكشف الزراعة في الفضاء

أخف نظام نجمي نيوتروني على الإطلاق يثبت صحة نظرية أينشتاين للنسبية مرة أخرى
