اكتشاف أصل الارتدادات المغناطيسية في الرياح الشمسية
اكتشف باحثون لأول مرة مصدر الارتدادات المغناطيسية في الرياح الشمسية من الإكليل الشمسي عبر بيانات مسبار Solar Orbiter. نتائج الدراسة تكشف دور إعادة الاتصال المغناطيسي وديناميكيات الموجات في تكوين هذه الظواهر المعقدة وورلد برس عربي.

ليست الرياح الشمسية تياراً منتظماً من الجسيمات كما قد يُتخيَّل. ففي مجالها المغناطيسي «التواءات» تغيّر مسار الجسيمات، وتؤثر في مقدار تعرّض المجموعة الشمسية لهذه الرياح. وللمرة الأولى، تتبّع باحثون أحد هذه الالتواءات، المعروفة باسم الارتدادات المغناطيسية (Switchbacks)، إلى موضع ولادته في الإكليل الشمسي، مستندين إلى بيانات مسبار Solar Orbiter. وتفيد النتائج بأن الظاهرة تشكّلت عبر إعادة اتصال مغناطيسي، وأن ديناميكيات الموجات في البلازما أسهمت في تشكيلها أيضاً.
والورقة البحثية منشورة في مجلة «Nature Astronomy»، ومن مؤلفيها الباحث Jesse T. Coburn. وهي تقوم على تحليل بيانات رصدٍ واحد لارتداد كبير، لا على عيّنة واسعة من الظواهر، وهذا يستحق التنبيه قبل تعميم أي استنتاج.
ما الذي رصده Solar Orbiter في 2 مارس 2022؟
في 2 مارس 2022 مرّ المسبار الأوروبي Solar Orbiter عبر ارتداد مغناطيسي ضخم في الرياح الشمسية. وكان آنذاك في منتصف المسافة تقريباً بين الأرض والشمس، ويتحرك بسرعة تتراوح بين 30 و40 كيلومتراً في الثانية. أما الارتداد فعبر المسبار بسرعة تراوحت بين 450 و460 كيلومتراً في الثانية.
سجّلت مقاييس المغناطيسية ومستشعرات الجسيمات في المسبار قراءات مرتفعة استمرت نحو ساعة ونصف الساعة. ومن هذه المدة وسرعة العبور قدّر الباحثون الحجم الشعاعي للارتداد بنحو 2.75 مليون كيلومتر. هذا الرقم يعادل قرابة 6 أضعاف المسافة بين الأرض والقمر، أو 3.5 من أنصاف أقطار الشمس.
كيف ربط الباحثون الجسيمات بمصدرها؟
الدليل الأهم جاء من مستشعر الأيونات الثقيلة (Heavy Ion Sensor) في المسبار. فقد رصد زيادة في أيونات الأكسجين والكربون المجرّدة من إلكتروناتها، مقابل كمية من الهيليوم أقل من المتوقع. تفقد الأيونات الثقيلة إلكتروناتها في الغلاف الجوي السفلي الحار للشمس، وتحتفظ بهذه الحالة أثناء انتقال البلازما إلى الخارج. ولهذا استنتج الباحثون أن بلازما الارتداد سُخِّنت إلى ما يفوق مليون درجة مئوية.
ثم جاءت بيانات مرصد Solar Dynamics Observatory، المسجّلة في الفترة نفسها، لتربط هذه البلازما بحلقة مغناطيسية مغلقة قرب ثقب إكليلي. والحلقات الإكليلية أقواس من البلازما الساخنة، مثبّتة من طرفيها في سطح الشمس. أما الثقوب الإكليلية فمناطق أكثر قتامة وبرودة تمتد فيها المجالات المغناطيسية للشمس إلى الفضاء بين الكوكبي.
ما دور إعادة الاتصال التبادلي؟
خلص الباحثون إلى أن إعادة اتصال تبادلي (Interchange Reconnection) هي التي أطلقت الارتداد. تحدث هذه العملية حين يلتقي قوس حلقة مغلقة بخط مجال مغناطيسي مفتوح، فينقطع الخط المفتوح ويكسر القوس مؤقتاً قبل أن يعيد ترتيب نفسه. وقد تدفع العملية بغازات القوس الشديدة السخونة إلى الفضاء بين الكوكبي.
غير أن الإطلاق لا يفسّر كل شيء. فجسيمات الارتداد بدت وكأنها تتبع خطوط المجال المغناطيسي بدل أن تنطلق في خط مستقيم، وشبّه الباحثون حركتها بموجة ألفين (Alfvén wave). وتنتقل هذه الموجات على امتداد خطوط المجال بنمط يشبه الموجات الميكانيكية على وتر الغيتار. فالسلوك الذي رُصد في الارتداد يجمع إذن بين الإطلاق بإعادة الاتصال وديناميكيات الموجات في بلازمته. وتتناول الورقة وصف هذا اللقاء الرصدي وانعكاساته على أصل الارتدادات.
لماذا يهم هذا النقاش؟
رصد مسبار Parker Solar Probe التابع لوكالة NASA أعداداً هائلة من الارتدادات المغناطيسية. وظل العلماء منقسمين بين تفسيرين رئيسيين: أن تتشكل في اضطراب الرياح الشمسية نفسها، أو أن تنشأ في الإكليل الشمسي. والرياح الشمسية تيار فوق صوتي من الجسيمات يتدفق من سطح الشمس إلى الفضاء. وهذه الحالة الموثّقة تدعم الأصل الإكليلي، ولو في ارتداد واحد كبير، وهي أول مرة يُتتبَّع فيها ارتداد إلى مهده في الإكليل. يمكن الاطلاع على تقرير وكالة ESA حول أصل الارتدادات، وعلى ورقة Coburn عن الأصل الإكليلي.
يبقى الكثير مجهولاً عن الإكليل الشمسي. لكن مركبات فضائية جديدة أسهمت أخيراً في زيادة كبيرة في بيانات فيزياء الشمس. والسؤال المفتوح الآن هو ما إذا كانت بقية الارتدادات التي رصدها Parker Solar Probe وُلدت بالآلية نفسها، أم أن لبعضها منشأً آخر.
أخبار ذات صلة

تجارب نباتية في المدار: عالم النبات يستكشف الزراعة في الفضاء

سحابة المريخ الغامضة قد تتحدّى قوانين الفيزياء التقليدية

أخف نظام نجمي نيوتروني على الإطلاق يثبت صحة نظرية أينشتاين للنسبية مرة أخرى
