زلزال فنزويلا يترك خلفه دماراً وأملًا متجددًا
زلزالان قويان يهزّان شمال فنزويلا ويخلّفان أكثر من 1,400 قتيل. فرق الإنقاذ تتسابق مع الزمن وسط يأس متزايد، والحكومة تواجه انتقادات حادة. تعرّف على تفاصيل الكارثة والجهود الدولية لإنقاذ المفقودين.






فجأةً، في منتصف نهارٍ عادي، اهتزّت الأرض في شمال فنزويلا هزّتين عنيفتين لم تتركا وراءهما سوى الركام والصمت الثقيل. بعد أربعة أيام على الكارثة، لا تزال فرق الإنقاذ المحلية والدولية تتسابق مع الزمن في ولاية لا غوايرا (La Guaira) الساحلية، وسط يأسٍ متصاعد وأمل لا يريد أن يخبو.
أعلنت الحكومة الفنزويلية عن تجاوز عدد الضحايا حاجز 1,400 قتيل حتى يوم السبت، في حين تواجه انتقاداتٍ متصاعدة من المواطنين الذين يرون أن استجابتها كانت قاصرة، وأن المبادرات الشعبية لإنقاذ المفقودين تجاوزتها. وتشير قواعد البيانات الإلكترونية التي تستخدمها العائلات للإبلاغ عن ذويها المفقودين إلى أن الآلاف لا يزالون في عداد المجهول مصيرهم.
وأعلنت الرئيسة بالإنابة Delcy Rodriguez يوم الأحد أن 33 شخصاً أُنقذوا خلال اليوم السابق، دون أن تُقدّم حصيلةً محدَّثة لأعداد الوفيات.
سباقٌ مع الزمن تحت الأنقاض
في صباح الأحد، تمكّن فريق إنقاذ أمريكي قادم من ولاية فيرجينيا من انتشال رجلٍ وابنه من تحت الأنقاض، وحملهما بعنايةٍ فائقة على قطعة قماش سوداء إلى سيارة الإسعاف. تجمّع حشدٌ كبير من الناس لمشاهدة عملية الإنقاذ، فيما كان الناجيان المغطّيان بالغبار يتلقّيان السوائل عبر الوريد.
تعدّ وكالات الإغاثة الساعاتِ الـ 48 إلى الـ72 الأولى التالية لأي كارثة طبيعية حاسمةً لاستخراج الأحياء، وإن كان هذا الإطار الزمني قابلاً للتمدّد إذا توفّر للمحاصرين ماءٌ وطعام. وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 2,200 عنصر إنقاذ من شتّى أنحاء العالم وصلوا بحلول يوم السبت، ولا يزال المزيد منهم يتوافد.
وفي خضمّ موجة التضامن الدولية مع فنزويلا، رفع البابا Leo صلواتٍ من أجل «راحة أبدية للمتوفّين»، وأعرب عن «امتنانه وتشجيعه لكل من يعمل بسخاءٍ في جهود البحث والإنقاذ».
توتّرٌ يتصاعد وسط عمليات الإنقاذ
أعلنت Rodriguez عبر التلفزيون الرسمي يوم السبت أن أكثر من 14,000 عنصر من الجيش والشرطة ينتشرون في ولاية لا غوايرا، التي باتت مغلقةً أمام العامة ولا يُسمح بدخولها إلا بتصاريح خاصة. غير أن كثيرين من سكان المناطق المنكوبة قالوا إنهم لم يروا للحكومة أثراً يُذكر.
تُشكّل هذه الكارثة تحدّياً هائلاً أمام Rodriguez، نائبة الرئيس السابقة التي تولّت السلطة في يناير إثر القبض على الرئيس Nicolás Maduro وترحيله من قِبَل الولايات المتحدة. وفنزويلا تعاني منذ أكثر من عقدٍ من فوضى اقتصادية خانقة، فضلاً عن أن شريحةً واسعة من الشعب ترفض شرعية التيار السياسي الذي تمثّله Rodriguez.
في المشهد الميداني، تسلّق بعض الناس بقايا المباني المنهارة ونادوا بأسماء ذويهم أملاً في أي إشارة حياة. غطّى الغبارُ الأبيض المجتمعاتِ الساحلية، وفي حرارةٍ لا ترحم، لجأ كثيرون إلى ارتداء الكمّامات مع انتشار رائحة التحلّل في الهواء. وفي مواقع أخرى من لا غوايرا، كانت فرقٌ تُحمّل جثثاً بعضها في أكياس بيضاء وبعضها بلا غطاء على شاحناتٍ بيضاء من ساحة ترابية أمام مستشفى، حيث تجري عمليات التعرّف على الهويات.
وبدلاً من خوذات الحماية التي لا تتوفّر لديهم، ارتدى المتطوّعون وعناصر الإنقاذ خوذات الدرّاجات النارية وهم يفتّشون بين أكوام الحطام. وفي مشهدٍ كشف عمق الغضب الشعبي، أوقف بعض السكان آلةَ حفرٍ حكومية عن مغادرة موقع انهيار، وسحبوا مشغّلها من كابينته، وذلك بُعيد أن التقط موظّفو الحزب الحاكم صوراً تذكارية أمام المباني المدمّرة وغادروا دون أن يُسهموا في جهود الإنقاذ.
ضبابٌ وبحثٌ لا يتوقّف
أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 6 ملايين شخص قد يكونون تأثّروا بالزلزالين، منهم نحو 2 مليون في العاصمة كاراكاس وحدها.
و أوضح خبراء أن حجم الدمار تضاعف بسبب تتابع الهزّتين الضحلتين بسرعةٍ كبيرة. وللأيام التالية، ظلّت هزّاتٌ ارتدادية أصغر تضرب العاصمة والمناطق المتضرّرة، من بينها هزّة بلغت قوّتها 4.8 درجة يوم السبت.
تواصل وصول فرق البحث والإغاثة الأجنبية من المكسيك والولايات المتحدة والبرازيل والسلفادور وفرنسا وغيرها. وفي يوم السبت، تسلّقت فرق الإنقاذ المكسيكية المباني المنهارة وأدخلت رؤوسها في الفتحات الضيّقة بين طبقات الخرسانة المتراكمة بحثاً عن أي علامة حياة، وكانوا يسمعون أحياناً حركةً خافتة.
«نحن فريق إنقاذ من الجيش المكسيكي، إذا كان هناك أحدٌ لا يزال حيّاً في الأسفل، أحدث ضجيجاً أو اصرخ. الآن!» هتف أحد عناصر الفريق.
بصيصٌ من الأمل
بالنسبة لكثيرين، كانت مشاهد وصول فرق الإغاثة الدولية وتسلّقها الأنقاض جنباً إلى جنب مع ذويهم بمثابة ضوءٍ في آخر النفق. Yonahí Regalado لم تتوقّف عن مناداة اسم شقيقتها وابن أختها البالغ من العمر سنةً واحدة وابن عمّها منذ الساعة الأولى من صباح اليوم التالي للزلازل، حتى بدأت فرق الإغاثة بالوصول.
«لا يهمّ من يكون، سواءٌ أكان من العائلة أم من غيرها. إذا كان هناك أحدٌ حيّ، فلنُخرجه»، قالت وهي تنظر إلى طائرات الهليكوبتر تحلّق فوقها.
في خضمّ الحزن والرعب، لمعت لحظاتٌ إنسانية مؤثّرة. أظهر أحد مقاطع الفيديو عنصرَ إنقاذ فنزويلياً يُهدّئ من روع امرأةٍ عجوز محاصرة تحت الأنقاض، كانت تخشى أن تنهار عليها البنية إن تحرّكت.
«السقف لن يسقط. وإن سقط، فسأكون هنا معكِ»، قال لها.
أما مطار Simón Bolívar الدولي الذي يخدم كاراكاس، فقد تضرّر بشدّة. وأفاد Jeremy Lewin، المسؤول الرفيع في وزارة الخارجية الأمريكية المكلّف بشؤون المساعدات الخارجية، بأن مدرجاً واحداً بات صالحاً للعمل في حين تعمل الفرق الأمريكية على إصلاح هذا الممرّ الحيوي. وأضاف Lewin أن سفينة نقل تابعة للبحرية الأمريكية رابضةٌ قبالة الساحل، جاهزةٌ لاستقبال الناجين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة، مؤكّداً أن ما يجري هو «سباقٌ مع الساعة» لإنقاذ المصابين.
أخبار ذات صلة

نافذة الإنقاذ تضيق في فنزويلا بعد الزلازل المزدوجة المدمّرة
