معاناة المهاجرين الإثيوبيين من أحكام الإعدام في السعودية
في مركز خميس مشيط يحتجز مئات المهاجرين الإثيوبيين المحكومين بالإعدام بتهم مخدرات وسط ظروف قاسية ومحاكمات تفتقر للعدالة. قصة مأساوية تكشف معاناة اللاجئين بين خوف الإعدام وانعدام حقوقهم على وورلد برس عربي.

في مركز الاحتجاز بخميس مشيط، جنوب غرب المملكة العربية السعودية، يقبع مئات المهاجرين الإثيوبيين في أروقة مكتظّة، ينتظرون أحكام الإعدام في ظروف قاسية، وسط خوفٍ متواصل من أن يكون كلّ طرق للباب إيذاناً بنهايتهم.
في الحادي والعشرين من أبريل، دوّت أصوات الحراس في أرجاء السجن المكتظّ بمنطقة عسير، حين جاؤوا يقرؤون أسماء المحكوم عليهم بالإعدام. ثلاثة إثيوبيين أُخذوا ذلك اليوم إلى حتفهم.
هيلاي برهان، مهاجر من منطقة غولوماهدا في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، محتجزٌ في خميس مشيط. روى ما جرى عبر تطبيق Imo للمراسلة. وكما سائر السجناء الذين تم التواصل معهم لهذا التقرير، جرى تغيير اسمه.
قال برهان: "جاء الحراس في وقتٍ مبكّر من الصباح على عجل، وسلّموا بطاقاتٍ لثلاثة من المهاجرين الإثيوبيين بيننا ثم أخذوهم."
وأضاف: "بعد ساعتين، عاد الحراس أنفسهم وأخبرونا بأنّ المهاجرين الثلاثة قد قُطعت رؤوسهم، وحذّرونا بأنّ هذا المصير ينتظرنا جميعاً."
أفريم كيدان، سجينٌ آخر على قائمة الإعدام، شهد بدوره اقتياد أصدقائه. وأفاد بأنّ الحراس، بعد تنفيذ الحكم، لفّوا جثث المنفَّذ فيهم في بطاطينهم.
الضحايا الثلاثة هم: كيبروم غبرمريام، وتسيغابو هاغوس، وكيدان أنغيسوم. كانوا شباباً فرّوا إلى المملكة العربية السعودية هرباً من إقليم تيغراي المنكوب بالحرب، حيث لا تزال الأوضاع الإنسانية بالغة الصعوبة.
عبر هؤلاء الشبّان خليج عدن، وشقّوا طريقهم عبر اليمن باحثين عن عمل في المملكة. وكانوا يحملون معهم نبات القات، الذي يُمضغ منبّهاً خفيفاً في أجزاء واسعة من شرق أفريقيا. غير أنّهم لم يعلموا أنّ حمل القات، وإن كان مشروعاً في إثيوبيا واليمن، يُعدّ جريمةً يعاقب عليها القانون السعودي.
تهم المخدّرات في المملكة العربية السعودية
وفقاً لمنظمة Human Rights Watch، اعتقلت السلطات الأمنية السعودية الإثيوبيين الثلاثة بين عامَي 2023 و2024، ووجّهت إليهم تهماً تتعلّق بالمخدّرات، ثم نقلتهم بين مراكز احتجاز متعدّدة حتى انتهى بهم المطاف في خميس مشيط.
وفي الثالث والعشرين من يونيو، نُفّذ حكم الإعدام بخمسة إثيوبيين آخرين، ضمن أجانب عديدين وُجّهت إليهم اتهاماتٌ بجرائم مخدّرات غير عنيفة. وأفادت مصادر متعدّدة بأنّ السجناء اعترفوا بالتهم المنسوبة إليهم خشيةً من أن يُنفَّذ فيهم الحكم دون أن يُتاح لهم أيّ تمثيل قانوني.
وقال برهان إنّ المهاجرين أُجبروا على التوقيع على وثائق باللغة العربية دون أن يفهموا مضمونها، وتعرّض بعضهم للضرب على أيدي قوات الأمن.
وروى : "سلّموني 41 كيلوغراماً من المخدّرات وأجبروني على الاعتراف بأنّها ملكي، ثم أرغموني على التوقيع على وثائق لا أفهم ما تقوله بالعربية"، متذكّراً لحظة اعتقاله على أيدي عناصر الأمن السعودي قبل ثلاث سنوات.
كان ذلك في المنطقة الحدودية الخطرة بين اليمن والمملكة العربية السعودية المعروفة بـ"راغو"، التي باتت مشهورةً بوحشية التعامل مع المهاجرين، إذ وثّقت منظمات حقوق الإنسان اتهاماتٍ لحرس الحدود السعودي بإطلاق النار عشوائياً عليهم.
وأضاف برهان: "في السنوات الثلاث الماضية، مثلتُ أمام المحكمة ثلاث مرات لفتراتٍ قصيرة جداً، وفي جميعها لم يكن ثمّة مترجم"، واصفاً صعوبة تقديم دفاعه وإثبات براءته.
وقال ياريد هيلمريام، المدافع الإثيوبي عن حقوق الإنسان: "الرعايا الأجانب المحكوم عليهم بالإعدام في المملكة العربية السعودية يخضعون في الغالب لمحاكماتٍ تفتقر افتقاراً فادحاً إلى معايير العدالة."
ما يقارب 100 حكم إعدام في المملكة خلال هذا العام
نفّذت السلطات السعودية ما يقارب 100 حكم إعدام منذ مطلع هذا العام، من بينها ما لا يقلّ عن 61 حكماً في قضايا مرتبطة بالمخدّرات، وفق تقريرٍ جديد أصدرته منظمة Amnesty International.
وجاء في التقرير: "تحمّل الرعايا الأجانب العبء الأكبر من اللجوء السعودي الصارم إلى عقوبة الإعدام في قضايا المخدّرات، وغالباً ما يسبق ذلك محاكماتٌ تعتريها مخالفاتٌ جسيمة لمعايير المحاكمة العادلة."
ووصفت Amnesty بالأمر "البالغ الإثارة للقلق" أنّ ما لا يقلّ عن 63 مواطناً إثيوبياً محتجزون في جناحٍ واحد من مركز خميس مشيط، وأنّهم "معرّضون لخطرٍ وشيك من تنفيذ أحكام الإعدام بحقّهم بسبب جرائم مخدّرات حصراً."
وبحسب مسؤولين محليين ومنظمات مجتمع مدني ومدافعين عن حقوق الإنسان قالوا : يبلغ عدد المواطنين الإثيوبيين المحكوم عليهم بالإعدام في المملكة نحو 200 شخص. ويرى كثيرٌ من السجناء أنّ الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى من ذلك.
وقال برهان: "ثمّة مهاجرون كثيرون في الأجنحة الستّة لمراكز الاحتجاز في المملكة. في مركز خميس مشيط وحده، يوجد 58 مهاجراً إثيوبياً، معظمهم من تيغراي، اقتلعهم الصراع المتواصل وتراجع الدعم الإنساني."
ومن داخل مركز الاحتجاز، يتحدّث السجين الإثيوبي عبر هاتفٍ مهرَّب وعدسات كاميرات المراقبة تلاحق كلّ حركاته، قائلاً إنّه لا يعرف كم تبقّى له من الوقت.
وقال كيدان، سجينٌ آخر : "في كلّ مرّة يطرق فيها الحراس الباب، نشعر بأنّ أسماءنا ستُنادى وسنصبح رقماً إضافياً في قائمة المتّهمين ظلماً مثلي، الذين تمرّ استغاثتهم دون أن يلتفت إليها أحد."
كيبروم غبرمريام، البالغ من العمر 30 عاماً، كان من بين المهاجرين الإثيوبيين الذين نُفّذ فيهم حكم الإعدام في مركز خميس مشيط في الحادي والعشرين من أبريل بسبب تهم مخدّرات.
أصاب خبر إعدامه صدمةً عميقة لوالديه في منطقة إيغيلا بتيغراي، التي يغادرها كثيرٌ من الشباب نحو المملكة العربية السعودية. ومن أبناء الأسرة السبعة، كان اثنان قد سلكا هذا الطريق المحفوف بالمخاطر عبر خليج عدن ثم اليمن الممزّق بالحرب. وكان مرهاوي، الأخ الأكبر لكيبروم، قد هاجر بصورة غير نظامية إلى اليمن عام 2020، وقُتل على يد قوات الأمن قبل ثلاث سنوات. هكذا ابتلعت الهجرة طفلَين من هذه الأسرة الواحدة.
قالت والدته المكلومة، غيمجا غبرمريام، من منزلها في تيغراي: "الهجرة غير النظامية أخذت أبناءنا. كنّا ننتظر عرس كيبروم، لا خبر موته. مقتله غدا جرحاً نازفاً لا يندمل."
وبدمعٍ ملأ عينيها، أوضحت أنّها باتت تدعو الله أن تُعيد السلطات السعودية جثمان ابنها لتتمكّن من مواراته الثرى. لكنّ هذا الأمل يبقى بعيد المنال لها ولكثيرٍ من الأمهات والآباء الذين يُجبرون على الحداد دون جنازة.
حين غادر كيبروم عبر الصومال، ثم البحر، ثم اليمن إلى المملكة قبل اثني عشر عاماً، كان يحلم بحياةٍ مغايرة لواقع قريته التي تشحّ فيها الفرص. كان يعرف أنّه يخاطر، لكنّه لم يتخيّل يوماً أن يُزجّ به في السجن ويُترك هناك أحد عشر عاماً قبل أن يُعدَم، وفق ما قاله والده غبرمريام غبرزغيابهر.
ظلّ الأب ينتظر الإفراج عن ابنه سنواتٍ طويلة، فجاءه بدلاً من ذلك خبر إعدامه. أوهنته الصدمةُ حتى لزم الفراش.
آخر مرّة كلّم كيبروم والده كانت في الحادي والعشرين من أبريل، قبل يومٍ واحد من إعدامه، عبر تطبيق Imo، حين طمأنه بأنّه سيعود قريباً ويلتمّ شمله بأسرته. وجاء تأكيد وفاته لاحقاً من سجناء آخرين أرسلوا رسالةً صوتية تفيد بأنّ كيبروم قد قُطع رأسه.
قال غبرزغيابهر، البالغ من العمر 60 عاماً وقد أنهكه الحزن: "كان من الصعب جداً أن أسمع خبر موته كأبٍ، لا سيّما الطريقة التي قُتل بها. موته أمات جزءاً منّي، ويزيد الأمر مرارةً أنّني لن أدفنه."
"أراد أن يعيش حياةً منتجة"
تسيغابو هاغوس، أحد زملاء كيبروم في الزنزانة، نُفّذ فيه الحكم أيضاً. كان هاغوس الابن الوحيد بين ثمانية أبناء لأسرةٍ تعتمد على الزراعة. في عام 2020، وصل إلى المملكة العربية السعودية سالكاً طريق الصومال واليمن. وقال والده هاغوس غبريمسكل إنّه أراد البقاء هناك أو المضيّ إلى أوروبا.
وقال غبريمسكل وهو يتأمّل صورة ابنه البالغ من العمر 26 عاماً على شاشة هاتفه المحمول: "أراد أن يمتلك مشروعه الخاص، ويعتمد على نفسه، ويعيش حياةً منتجة."
وتذكّرت والدته ليتكريستوس غبرتسادكان ما أخبرها به تسيغابو حين بلغ المملكة؛ قال إنّه سيجعلها فخورةً به، ووعد بأن يُعيل أخواته الصغيرات.
وأشار غبريمسكل، الذي سبق أن أقام في المملكة حين كان في مطلع العشرينيات وعرف مخاطر تهم المخدّرات، إلى أنّه لم يكن يظنّ ابنه متورّطاً في هذا النوع من التجارة.
وقال: "لم أُصَب بالصدمة حين اعتُقل. كنت آمل أن يُفرَج عنه في نهاية المطاف لأنّه كان بريئاً."
وأجهشت ليتكريستوس قائلةً: "لم أتخيّل قطّ أنّهم سيقتلون ابني." وأضافت أنّها تجد العزاء في زوجها، وأنّها تتساءل عن حجم التعذيب الذي عاناه ابنها قبل مقتله، وإن كانت الأسرة ستنال يوماً العدالة، وإن كانوا سيستردّون جثمانه على الأقلّ.
أمّا أخته ماشو هاغوس، فقالت إنّ مصير أخيها لن يثنيها عن السفر إلى المملكة العربية السعودية. هذه الفتاة البالغة من العمر 20 عاماً لا تزال طالبةً في المرحلة الثانوية، بعد أن اضطرّت إلى تعليق دراستها بسبب حرب تيغراي الوحشية.
الحرب والأزمة الاقتصادية في تيغراي
منذ انتهاء حرب تيغراي رسمياً عام 2022، شهد الإقليم قدراً من الاستقرار النسبي، غير أنّ الأوضاع الإنسانية لا تزال متردّية. خلّفت الحرب مئات الآلاف من القتلى، وهجّرت الملايين. ولا يزال كثيرٌ من الشباب يفرّون من الإقليم في ظلّ مخاوف من اندلاع نزاعٍ جديد، هذه المرّة حربٌ بالوكالة تتورّط فيها إريتريا.
تدفع معدّلات البطالة المرتفعة والاقتصاد المنهك جرّاء الحرب والصراعات المتكرّرة هؤلاء الشباب إلى ركوب المخاطر في رحلاتٍ شاقّة نحو المملكة العربية السعودية أو أوروبا.
وقال هيلمريام، خبير حقوق الإنسان الإثيوبي: "عدم الاستقرار السياسي والنزاع المسلّح والأزمة الاقتصادية هي العوامل الرئيسية التي تُحكم قبضتها على حياة الشباب الإثيوبي. فضلاً عن ذلك، يُجنَّدون قسراً للتدريب العسكري ويُزجّ بهم في الصراعات الداخلية والحروب العابرة للحدود."
وقد ناشد أساقفةٌ مسيحيون من الكنيستَين الكاثوليكية والأرثوذكسية في تيغراي المملكةَ العربية السعودية أن تُبدي رأفةً بالـ200 سجين المحتجزين على أراضيها. وانضمّ رئيس إقليم تيغراي إلى هذه المناشدة.
وقالت ناديا هاردمان، الباحثة الأولى في حقوق اللاجئين والمهاجرين في Human Rights Watch: "استعداد المملكة العربية السعودية لإعدام مهاجرين أجانب بسبب جرائم غير عنيفة في أعقاب محاكماتٍ حُرموا فيها من الحدّ الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة يكشف عن ازدراءٍ عميق لحقوقهم وأرواحهم. ينبغي لشركاء المملكة العربية السعودية أن يتدخّلوا بإلحاح قبل فوات الأوان."
في قرية إيغيلا، يجلس والد كيبروم مكلوم الفؤاد، يأمل ألّا يضطرّ آباءٌ آخرون إلى تحمّل كابوس سماع خبر مقتل أبنائهم في سجونٍ سعودية. ويتمنّى أن تتوقّف هذه المآسي قبل أن تُحطَّم أحلام المزيد من الشباب الإثيوبي الساعي إلى مستقبلٍ أفضل في بلدانٍ أكثر ثراءً.
وقال في نبرةٍ خافتة تكاد لا تُسمع، مثقلاً بحزن فقدان الولد: "يجب أن يتوقّف هذا."
أخبار ذات صلة

المحكمة العليا تؤيد الجنسية بالميلاد وترفض تقييدات ترامب المقترحة

صفقة لبنان وإسرائيل قد تعرقل المساءلة عن جرائم الحرب

الاحتلال يقتل أطفالاً فلسطينيين بالضفة بأعلى معدّل منذ 1967 (تقرير B'Tselem)
