هافانا تحت وطأة الأزمة والليل الخاوي
تراجع الحياة الليلية في هافانا بفعل أزمة اقتصادية خانقة وحظر النفط. الشوارع خالية، والمقاهي مغلقة، والكوبيون يواجهون صعوبات يومية. كيف أثرت العقوبات على روح المدينة؟ اكتشفوا القصة وراء هذا التغير في وورلد برس عربي.





شوارع هافانا الفسيحة باتت خاوية في الليل. المسارح أغلقت أبوابها. المقاهي والحانات أسدلت ستائرها. يصعب أن تجد ضوءاً في الشوارع، أو كوبياً يكسب رزقه من الترفيه السياحي.
تحت وطأة حظر النفط الذي فرضته إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump في ولايته الثانية، وفي خضمّ أشدّ أزمة اقتصادية تعصف بالجزيرة منذ عقود، خبا بريق الحياة الليلية في هافانا التي كانت يوماً تنبض بالحركة.
قالت يوسلايدي بلانكو (Yusleydi Blanco)، وهي محاسبة تبلغ من العمر 41 عاماً: «أشعر بفراغٍ في داخلي حين أرى شوارعي خالية. لا أستطيع أن أكون سعيدةً وبلدي حزين».
«أسوأ من الفترة الخاصة»
شاهد ايضاً: قانون بريطاني يحظر بيع السجائر للأجيال الجديدة
في أعقاب الاتفاق الذي أُبرم عام 2016 بين الرئيسين Barack Obama وRaúl Castro لتخفيف القيود الأمريكية على السفر إلى كوبا، تدفّقت الأموال على الجزيرة مع ارتفاع حادّ في أعداد السياح. فتح عددٌ من رجال الأعمال مشاريع خاصة باتت مسموحاً بها لأول مرة، واقتنوا سيارات حديثة مستوردة تشاركت الشوارع مع السيارات الكلاسيكية التي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
في عام 2018، بلغ عدد السياح الوافدين إلى الجزيرة رقماً قياسياً بلغ 4.7 مليون سائح. وكانت الفنادق مكتظّةً لدرجة أن مسافرين عجزوا عن إيجاد أماكن للإقامة، ورُصدوا نائمين في أحد المتنزهات في بلدة فيناليس (Viñales) الغربية الصغيرة التي تستقطب آلاف السياح ومتسلّقي الصخور بجروفها الكلسية الخلابة.
أما اليوم، فمبيعات البنزين محدودة بـ20 لتراً (5 غالونات) للسيارة الواحدة، وقد ينتظر أصحاب السيارات أشهراً للحصول على دورهم عند محطات الوقود. توقّفت الحافلات عن العمل في السادسة مساءً، وأوقفت شركات طيران دولية كبرى رحلاتها إلى هافانا من بينها Air France وAir Canada وIberia لعجزها عن التزوّد بالوقود هناك. حتى صوت السيارات اختفى من حيّ إل فيدادو (El Vedado) الراقي، وحلّت محلّه أصوات تغريد الطيور من جديد.
وأعلنت الحكومة الكوبية أن عدد السياح الوافدين في فبراير بلغ 77,600 سائح فحسب، مقارنةً بـ178,000 في الشهر ذاته من العام الماضي.
قالت دولوريس دي لا كاريداد مينديز (Dolores de la Caridad Méndez)، حارسة موقف سيارات تبلغ من العمر 65 عاماً: «هذا أسوأ من الفترة الخاصة» في إشارةٍ إلى سنوات الانهيار الاقتصادي التي أعقبت تفكّك الاتحاد السوفيتي، الداعم الرئيسي لكوبا إبّان الحرب الباردة، في تسعينيات القرن الماضي.
«تختبر صمود الجميع»
على خلاف أسلافه الديمقراطيين، شدّد الرئيس الأمريكي Donald Trump العقوبات الاقتصادية على كوبا، مطالباً بوضع حدٍّ للقمع السياسي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتحرير الاقتصاد المتداعي للجزيرة.
أفضت الأزمة المتفاقمة إلى انقطاعات متكرّرة في الكهرباء، وتقليص نظام التموين الغذائي الذي تديره الدولة، وشحٍّ حادّ في الماء والدواء، ممّا حوّل الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة لكثيرٍ من سكّان الجزيرة البالغ عددهم 10 ملايين نسمة. وبين عامَي 2021 و2024، غادر الجزيرةَ نحو 1.4 مليون كوبي معظمهم من الشباب، لكن أيضاً من بينهم موسيقيون وممثلون وراقصون وفنانون بارزون كانوا يُضخّون الحياة في الليالي الهافانية.
في يناير، اعتقلت الولايات المتحدة الرئيسَ الفنزويلي آنذاك Nicolás Maduro، الذي كانت فنزويلا بموجب حكمه المورّدَ الرئيسي للنفط إلى كوبا. قطعت إدارة Trump هذا الإمداد، وهدّدت بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع النفط لكوبا، فبقيت الجزيرة دون أيّ شحنة واحدة حتى وصل ناقل نفط روسي في مارس.
بالنسبة لأصحاب المشاريع والتجّار في أرجاء الجزيرة، باتت الحياة عسيرة مع تراجع السياحة وتحطّم آمالهم في بيع بضائع بأسعار معقولة لمواطنيهم الكوبيين أمام صخرة الواقع الاقتصادي القاسي.
قالت يني بيريز (Yeni Pérez)، صاحبة مقهى Entre Nos في هافانا القديمة: «تستيقظ وأنت مستعدٌّ لفتح المقهى وتقول: "اليوم سأبيع أكثر من أيّ وقت مضى". ثم لا يأتي أحد، وتعود إلى البيت محطّماً».
وأضافت: «في اليوم التالي تقول: "لنمنحها فرصةً أخرى". إنّه وقتٌ يختبر صمود الجميع».
أخبار ذات صلة

قافلة مهاجرين تغادر مدينة مكسيكية لكن وجهتها لم تعد الحدود الأمريكية

إسبانيا تعتمد خطّةً لتخفيف أزمة السكن
