تحديات اقتصادية وسياسية تواجه رئيس وزراء بريطانيا الجديد
رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام يواجه تحديات ضخمة في إعادة تنشيط الاقتصاد وخفض الدين العام مع وعد بتخفيف أعباء غلاء المعيشة عبر إلغاء ضريبة الكهرباء ودعم النمو الاقتصادي وسط ضغوط مالية وسياسية كبيرة وورلد برس عربي




تكشف الإعلانات التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني Andy Burnham خلال أولى 24 ساعة من توليه منصبه عن حجم التحديات السياسية والمالية التي تنتظره وهو يسعى إلى إعادة تحريك عجلة اقتصادٍ يراوح في مكانه.
Burnham، القادم من حزب العمّال ذي التوجّه اليساري، يجد نفسه أمام ناخبين غاضبين يطالبون بتخفيف وطأة غلاء المعيشة. وفي الوقت ذاته، يشترط المستثمرون الذين يموّلون الحكومة بشراء سنداتها أن يعمل على تقليص الدين العام الذي تضخّم إلى مستوياتٍ لم تُشهد منذ ستينيات القرن الماضي.
في محاولةٍ لتحقيق التوازن بين هذه المطالب المتنافسة، فاجأ Burnham المراقبين بتعيين وزير الدفاع السابق John Healey وزيراً للخزانة. Healey، الذي سبق له العمل في الخزانة إبّان حكومة رئيس الوزراء الأسبق Gordon Brown، يُنظر إليه باعتباره الرجل الكفيل بضمان وفاء الحكومة بتعهّدها بخفض الدين العام.
وفي صباح يوم الثلاثاء مباشرةً، قدّم Burnham بادرةً أولى على التزامه بتخفيف الضغط عن المستهلكين المثقلين بالديون؛ إذ أعلنت الحكومة إلغاء الضريبة على استهلاك الكهرباء المنزلية لمدة ستة أشهر على الأقل اعتباراً من أكتوبر، ما سيوفّر على الأسرة المتوسطة نحو 45 جنيهاً إسترلينياً (60 دولاراً) سنوياً.
والأهم من ذلك أنّ الحكومة أوضحت أنّ هذه الخطوة ستُموَّل عبر إلغاء خطط إدخال بطاقة الهويّة الرقمية، في رسالةٍ واضحة للمستثمرين مفادها أنّ Burnham لا ينوي الانطلاق في موجة إنفاقٍ غير مموَّل.
مهمّة ثقيلة تنتظر وزير الخزانة
قالت Victoria Scholar، رئيسة قسم الاستثمار في interactive investor: «تنتظر Healey مهمّةٌ شاقّة للغاية».
وأضافت: «لدى الحكومة خططٌ طموحة لمعالجة ضغوط تكاليف المعيشة... لكنّه يواجه وضعاً مالياً عاماً بالغ الصعوبة لتنفيذ هذه الخطط المكلفة».
مع تولّيه زمام الملفّ الاقتصادي، يجد Burnham نفسه في مواجهة المعضلات ذاتها التي أرهقت كلّ رئيس وزراء منذ الأزمة المالية عام 2008. وفشل هؤلاء في إيجاد حلولٍ لها يُفسّر جزءاً كبيراً من السبب الذي جعل متوسّط مدة إقامة الرجال والنساء الثمانية خلف الباب الأسود الشهير في 10 Downing Street لا يتجاوز عامين.
ويقف Burnham، كما وقف من سبقه، أمام تحدّي إعادة تنشيط اقتصادٍ لم ينمُ سوى بمعدّل أقل من 1.5% سنوياً منذ عام 2009، مقارنةً بمعدّل نموٍّ سنوي بلغ 3% في السنوات الخمس عشرة التي سبقت الأزمة المالية.
وجاء لصالح Burnham أنّ معدّل التضخّم تراجع في يونيو إلى أدنى مستوياته خلال 15 شهراً، مدعوماً بانخفاض أسعار الغذاء والوقود. إذ سجّل مؤشّر أسعار المستهلكين 2.6% في يونيو، بعد أن كان 2.8% في مايو، وفق ما أفاد به مكتب الإحصاء الوطني. غير أنّ الخبراء يحذّرون من أنّ هذه البشرى قد تكون مؤقّتة، نظراً لأنّ التوترات في منطقة الشرق الأوسط ستواصل الضغط على أسعار الطاقة بالجملة.
وفي سياق رسم خططه الاقتصادية، سيكون Burnham مقيَّداً بتعهّداته بخفض الدين الحكومي الذي يتجاوز حالياً 95% من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب هيئة الرقابة على الميزانية البريطانية، ارتفعت مدفوعات فوائد الدين إلى 111.2 مليار جنيه إسترليني (149 مليار دولار)، أي ما يعادل 8.3% من الإنفاق الحكومي في السنة المالية المنتهية في أبريل، ممّا يُضيّق هامش الإنفاق على الخدمات العامة من رعاية صحية وتعليم ودفاع.
اقرأ أيضاً
تحدّياتٌ جديدة تُضاف إلى القديمة
يواجه Burnham أيضاً تحدّياً مستجدّاً، بعد أن تعهّد سلفه كسائر الحكومات الأوروبية برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وذلك استجابةً للضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي Donald Trump على حلفائه لعدم تحمّلهم نصيبهم العادل من أعباء الدفاع الأوروبي.
وتُشير تقديرات معهد الدراسات المالية (Institute for Fiscal Studies)، وهو مؤسّسة بحثية مستقلة ذات مصداقية عالية، إلى أنّ الوفاء بهذا الالتزام سيكلّف نحو 36 مليار جنيه إسترليني سنوياً، أي ما يوازي 500 جنيه لكلّ فردٍ في المملكة المتحدة.
وقالت Olivia O'Sullivan من مؤسّسة Chatham House البحثية في لندن: «ينبغي أن نُقرّ بأنّ هذه القيود هيكليّة بامتياز، وستكون عبئاً ثقيلاً على أيّ رئيس وزراء في هذه المرحلة».
ولهذا السبب بالذات، يغدو تحفيز النموّ الاقتصادي مفتاحاً لا غنى عنه لكلّ خطط Burnham.
تحفيز النموّ الاقتصادي في صلب خطط Burnham
فبدون نموٍّ أسرع، سيكون على دافعي الضرائب البريطانيين إمّا قبول ضرائب أعلى أو تقبُّل تقليصات في البرامج الشعبية كهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) التي توفّر الرعاية الطبية المجانية للجميع. في المقابل، سيؤدّي الازدهار الاقتصادي إلى رفع العائدات الضريبية تلقائياً، نظراً لارتفاع قيمة أرباح الشركات والرواتب وسائر المعاملات الاقتصادية.
وقد أودى الركود الاقتصادي بحكومة رئيس الوزراء السابق Keir Starmer حين أجبره نوّابٌ عمّاليون غاضبون على التراجع عن تخفيضات الرعاية الاجتماعية التي كانت تهدف إلى تحقيق التوازن في الميزانية. وقد تعرّض لانتقاداتٍ واسعة لاحقاً بسبب إخفاقه في تقديم خطّةٍ موثوقة لزيادة الإنفاق الدفاعي.
وبينما يُبدي بعض مؤيّدي حزب العمّال تذمّراً من أنّ الحكومة «لا ينبغي أن تكون رهينةً لسوق السندات»، يؤكّد الاقتصاديون أنّ على Burnham وHealey أخذ هذه القيود المالية بجدّية تامّة إذا أرادا النجاح في تعزيز الاقتصاد وتوسيع الموارد المتاحة لتمويل البرامج الشعبية.
وقال David Aikman، مدير المعهد الوطني المستقل للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (National Institute of Economic and Social Research): «ليس ثمّة وحشٌ وهميٌّ في سوق السندات. نحن بحاجةٍ فعلاً إلى من يشتري الديون التي نُصدرها».
حتى الآن، لم يكشف Burnham عن تفاصيل كافية لخططه الاقتصادية. فكرته الكبرى هي «إعادة تصنيع» الاقتصاد البريطاني عبر تحويل الاستثمارات من لندن نحو مناطق أخرى في البلاد عانت بشدّةٍ من تراجع قطاع التصنيع. كما يعتزم تكثيف بناء المساكن الاجتماعية لمعالجة أزمة الإسكان وتنشيط قطاع البناء، فضلاً عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توفّر 60% من فرص العمل في القطاع الخاص.
وفي الوقت ذاته، تعهّد بالالتزام بوعود حزب العمّال بعدم رفع الضرائب على العمّال، والإبقاء على ما يُعرف بـ«القفل الثلاثي» (triple lock) للمعاشات التقاعدية الحكومية، وهو سياسةٌ مكلفة تضمن رفع المعاشات سنوياً وفق أعلى القيم بين معدّل التضخّم أو متوسّط نموّ الأجور أو 2.5%.
وكان Jim O'Neill، كبير الاقتصاديين السابق في Goldman Sachs وعضو مجلس اللوردات الذي سبق له تقديم المشورة لـBurnham، قد قال الشهر الماضي إنّ رئيس الوزراء الجديد يجب أن «يواجه الواقع».
وأضاف: «نحتاج إلى شخصٍ مستعدٍّ لفعل شيءٍ جريء ومختلف».
وأردف بشأن Burnham: «أمامه التحدّي ذاته الذي يتهرّب منه الجميع، وهو معالجة ملفّات كالرعاية الاجتماعية، ووضع حدٍّ لهذا الارتفاع المتواصل والمتسارع في الإنفاق على NHS، والتعامل مع القفل الثلاثي وغيره، والخروج من هذا السجن الغريب الذي تفرضه كلّ مجموعةٍ صغيرة تعارض أيّ خطوةٍ يريد أحدٌ اتّخاذها».
أخبار ذات صلة

إد ميليباند: وزير الخارجية البريطاني الجديد يتحدّث عن إسرائيل والعراق وسوريا وإيران

حركات فلسطينية تطالب بـ"إجراءات حاسمة" بعد اعتذار بيرنهام عن غزة

نيجل فاراج يستقيل ويراهن على لعبةٍ سياسية جديدة
