وورلد برس عربي logo

أبراج المراقبة الأمريكية وحقيقة الوفيات المجهولة على الحدود

تحقيق يكشف مئات الوفيات قرب أبراج المراقبة الأمريكية على الحدود مع المكسيك رغم استخدام الذكاء الاصطناعي وتوسع الجدار الافتراضي بمليار دولار دون أي تقييم فعلي أو شفافية في البيانات والمساءلة وورلد برس عربي.

عناصر حرس الحدود الأمريكي يتحدثون مع مهاجر جالس على الأرض قرب سياج وحدود في منطقة صحراوية، في سياق مراقبة الحدود ومواجهة تحديات الهجرة.
عناصر دورية الحدود الأمريكية يلقون القبض على أشخاص يعبرون الحدود بشكل غير قانوني قرب صنلاند بارك، نيو مكسيكو، 17 يوليو 2024.
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل يعرف أحدٌ حقاً ما تراه أبراج المراقبة الأمريكية المنتشرة على طول الحدود مع المكسيك؟ السؤال ليس نظرياً؛ فتحقيقٌ استمرّ عاماً كاملاً أجرته "MIT Technology Review" بالتعاون مع "Times of San Diego" وجد أنّ عشرات، وربما مئات الأشخاص ماتوا على بُعد أمتار من هذه الأبراج المزوّدة بالذكاء الاصطناعي دون أن يرصدهم أحد، وبقيت جثث بعضهم دون اكتشاف لأسابيع أو أشهر. هذا بينما تستعدّ واشنطن لضخّ مليار دولار حتى عام 2034 لمضاعفة ما يُعرف بـ"الجدار الافتراضي" ثلاث مرّات.

المفارقة هنا ليست تقنية بحتة، بل مؤسّساتية: نظامٌ يُسوَّق كحلٍّ ذكيّ لمراقبة حدودٍ شاسعة، بينما لا توجد جهة واحدة تتحقق فعلياً مما إذا كان يعمل، أو تُحصي من مات في نطاق رؤيته.

كيف رُصدت الثغرات في نظامٍ لا تنشر عنه الحكومة خريطة؟

من المفارقات اللافتة أن وكالة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) لا تنشر خريطة شاملة لأبراج مراقبتها. لذلك اضطرّ فريق التحقيق إلى الاستعانة بخرائط أعدّتها منظمة مؤسّسة الحدود الإلكترونية (EFF)، وهي منظمة حقوقية رقمية غير ربحية، ثم تحقّقوا من مواقع الأبراج بصور الأقمار الصناعية. راجع المحقّقون آلاف تقارير الشرطة ووثائق أخرى متعلقة بأبراج المراقبة، وحلّلوا ما يقارب 600 برج من أصل نحو 800 برج تعمل اليوم بحسب أرقام الحكومة نفسها.

النتيجة: تقدير بوفاة أكثر من 1,050 شخصاً بالقرب من الأبراج التي جرى تحليلها فقط وهو رقمٌ يصفه المحقّقون أنفسهم بأنه أقلّ من الواقع، لأن الأبراج المشمولة بالتحليل تمثّل أقل من العدد الإجمالي البالغ 800 برج عامل. حتى تواريخ تركيب هذه الأبراج ومواقعها الدقيقة ظلّت تقريبية وغير مكتملة، وهو ما يصعّب أي محاولة جادّة للمساءلة.

في ولاية نيو مكسيكو وحدها، سُجّلت أكثر من 18 حالة وفاة قرب الأبراج في امتدادٍ صحراويّ واحد خلال عام 2024. وفي موقعٍ محدّد بالولاية، وقعت عدّة وفيات خلال أشهر قليلة فقط، على مرأى مباشر من برجٍ متطوّر يعمل بالذكاء الاصطناعي بعضها لا يفصل بين ضحاياها سوى مئات الأقدام.

عائلة مهاجرة تسير على طريق ترابي قرب الحدود الأمريكية المكسيكية، تعبير عن تحديات المهاجرين وسط مراقبة حدودية غير فعالة.
Loading image...
في صورة أرشيفية بتاريخ 16 يونيو 2021، تنتقل عائلة من فنزويلا إلى مركبة نقل تابعة لدوريات الحدود بعد أن عبروا مع مهاجرين آخرين الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك وسلموا أنفسهم لوكلاء الحدود في ديل ريو، تكساس.

من يستفيد من توسيع الجدار الافتراضي؟

شركة Anduril، وهي شركة تكنولوجيا دفاعية، هي الجهة التي تبني أحدث أجيال هذه الأبراج، وما زالت تحصل على عقودٍ حكومية ضخمة رغم غياب أي تقييمٍ علنيّ لفعالية ما تبنيه. الاستثمار المرتقب بقيمة مليار دولار حتى 2034 يهدف إلى مضاعفة الجدار الافتراضي ثلاث مرّات أي أن التوسّع يسير بوتيرة أسرع بكثير من أي محاولة لقياس أثره الفعلي، وهو ما يخلص إليه التحقيق صراحة.

لماذا لا يعرف أحد كم شخصاً مات؟

لا توجد في الولايات المتحدة جهة وطنية واحدة تجمع وتنشر سجلّاً شاملاً لوفيات المهاجرين. اضطرّ الباحثون إلى مراجعة آلاف السجلات من عشرات الوكالات المختلفة في ولاية تكساس وحدها، دون وجود بروتوكول موحّد لتوثيق هذه الوفيات.

داخلياً، أنشأ خفر الحدود نظام "Border Safety Initiative Tracking System" (BSITS) عام 2007 لتتبّع وفيات المهاجرين، لكن القواعد الوطنية الموحّدة لإدخال البيانات فيه لم تُوضع إلا عام 2021. وفي 2022، وجد مكتب المساءلة الحكومية (GAO) أن عدداً كبيراً من الوفيات ظلّ غائباً عن هذا النظام، وأن الوفيات التي لم يكتشفها خفر الحدود بنفسه كانت الأكثر عرضةً للإغفال تماماً. أعلن خفر الحدود عام 2023 عن خطوات تصحيحية، لكن باحثين مستقلّين ما زالوا يجدون أن تقديرات الوكالة لعدد الوفيات أقلّ من الواقع.

أمّا برنامج "Missing Migrant Program" الذي أطلقته وكالة الجمارك عام 2017 بهدفين معلَنين هما زيادة عمليات الإنقاذ وتقليل الوفيات، فقد وجد مكتب المساءلة الحكومية في أبريل 2025 أن جمع البيانات وتتبّعها تحسّن، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى غياب أي خطة لقياس ما إذا كان البرنامج يحقّق أهدافه فعلاً. أصدر المكتب توصيتين، ولم تُنفّذ أيّ منهما حتى الآن.

بيانات "المساعدة التقنية" غير موثوقة منذ سنوات

منذ 2014، أوصى مكتب المساءلة الحكومية بتسجيل الحالات التي تساهم فيها التكنولوجيا في اعتقال المهاجرين، ووافقت وكالة الجمارك وطلبت من عناصرها تسجيل ذلك. لكن بحلول 2017، وجد المكتب نفسه أن هذه البيانات غير دقيقة وغير موثوقة؛ ففي تكساس تحديداً، نسب عناصر الحدود الفضل لأنواع أبراج غير موجودة أصلاً مئات المرّات. وافق خفر الحدود حينها على تدريب عناصره على تسجيل بياناتٍ دقيقة، لكن مسؤولين سابقين قالوا إن تسجيل بيانات المساعدة التقنية ما زال، بعد سنوات، أولوية متدنّية. وصف أحد المسؤولين السابقين في وكالة الجمارك، الذي طُلب عدم الكشف عن هويته، الوضع بقوله: "بصراحة، هذا أشبه بمن يبصق في الريح."

برج مراقبة مزود بكاميرات وأجهزة استشعار على الحدود الأمريكية المكسيكية يستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة الهجرة والحد من الوفيات.
Loading image...
برج مراقبة تابع لجمارك وحماية الحدود الأمريكية على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة في سانلاند بارك، نيو مكسيكو. تصوير جنغيز يار لـ MITTR

التدقيق الذي لم يحدث قطّ

الأكثر لفتاً للانتباه أن وكالة الجمارك وحماية الحدود تملك نظرياً، منذ 2015 على الأقل، القدرة على تدقيق فعالية الأبراج ومقارنتها بالوفيات القريبة منها، إذ إنها تتتبّع نظرياً تواريخ تفعيل الأبراج وتركيبها. لكن مصادر مطّلعة قالت إن الوكالة لم تُجرِ مثل هذا التدقيق قطّ. حتى أغسطس 2021، لم تكن الوكالة قد حلّلت فعالية الأبراج أصلاً، وحين أنجزت تحليلاً كهذا عام 2022، ظلّت نتائجه غير منشورة حتى اليوم.

تقول سارة سيلفا، عضو مجلس النواب في ولاية نيو مكسيكو: "لو كنتُ في موقع الحكومة الفيدرالية، لأجريتُ تدقيقاً، لأن هذا يبدو وكأنه لا يعمل."

الأدلة التي تُحذَف كل 30 يوماً

من الناحية التقنية، تسجّل عناصر الحدود بالفعل إحداثيات نظام تحديد المواقع (GPS) عند عمليات الاعتقال، وتتبّع آثار الأقدام، وحالات الاشتباك الأخرى. لكن وكالة الجمارك لا تشترط التحقق مما إذا كانت جثث المهاجرين وُجدت بالقرب من بنية تحتية للمراقبة، ولا توجد عملية رسمية محدّدة لتحديد ما إذا وقعت الوفاة داخل نطاق رؤية أحد الأبراج. والأنكى أن لقطات الأبراج تُحذف عادةً بعد 30 يوماً فقط؛ والمراجعات الداخلية لا تحفظ هذه اللقطات عادةً إلا في حالات الوفاة أثناء الاحتجاز، لا في وفيات المهاجرين العاديين خارج نطاق حجز السلطات.

هل رأت الكاميرات الضحايا، أم فشلت في رؤيتهم؟

هذا هو السؤال الذي يضعه التحقيق في صميمه: هل كانت هذه التقنية باهظة الثمن تراقب فعلاً حين مات هؤلاء الأشخاص، أم أنها فشلت في رؤيتهم تماماً؟ الإجابة، بحسب ما وثّقه المحقّقون، مزيج من الاثنين: أبراج معطّلة، وخوارزميات كشف قاصرة، وتنبيهات لم يردّ عليها أي عنصر.

تدعو نتائج التحقيق إلى إصلاحاتٍ في أربعة محاور: إجراء تدقيقات شاملة لفعالية الأبراج، وتحسين تتبّع الوفيات على مستوى وطني، وضمان دقة بيانات الاعتقال المرتبطة بالتقنية، والتحقيق تحديداً في الوفيات التي تقع بالقرب من البنية التحتية للمراقبة. مراجعات مقترحة من هذا النوع يمكن أن تكشف تحديداً أين فشل الكشف، وأين تُركت التنبيهات دون رد.

يبقى السؤال مفتوحاً بينما تتضاعف الاستثمارات في هذا "الجدار الافتراضي": من يراقب من يراقب؟ ولمن يقدّم فريق التحقيق فرصة المساهمة عبر تطبيق Signal على الرقمين jamesodonnell.22 وeileenguo.15، أو عبر البريد الإلكتروني tips@technologyreview.com، لمن لديه معلومات إضافية عن وفياتٍ لم تُروَ بعد.

أخبار ذات صلة

Loading...
يد شخص يضبط راديو السيارة داخل مقصورة قيادة مركبة حديثة، مع التركيز على أهمية تضمين راديو AM في السيارات الجديدة حسب قانون أمريكي.

السيارات الأمريكية قد تُلزَم بتضمين راديو FM مجاناً

صوت مجلس النواب الأمريكي على قانون يلزم جميع السيارات الجديدة براديو AM لضمان التواصل في حالات الطوارئ رغم التحديات التقنية. اكتشف كيف سيحمي هذا القانون البنية التحتية الحيوية للمستقبل. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
الجنرال دان كاين يتحدث في مؤتمر القوات الجوية والفضائية الأمريكية عن أهمية الاستعداد للقتال في الفضاء القمري والنطاق الاستراتيجي من الأرض إلى القمر.

الفضاء ساحة معركة جديدة، يحذّر أعلى قائدٍ عسكري أمريكي

الفضاء القمري يتحول إلى ساحة تنافس عسكري استراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، حيث تُحضر القوات الأمريكية أسلحة متطورة للسيطرة والدفاع. اكتشف كيف تتغير قواعد اللعبة في هذا الصراع الفضائي الحاسم. تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
معرض تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الصين يعكس التنافس الدولي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

الصين ترد على اتهامات واشنطن بـ "تحريف" الذكاء الاصطناعي قبل محادثات ترامب وشي

تتصاعد التوترات بين أمريكا والصين حول سرقة تقنيات الذكاء الاصطناعي مع اتهامات بسرقة نماذج متقدمة. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على مستقبل التكنولوجيا العالمية الآن.
سياسة
Loading...
ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز تتحدث بحماس أمام مبنى الكابيتول الأمريكي خلال مؤتمر صحفي حول الصفقة الخضراء الجديدة لمواجهة أزمة المناخ.

تحرّكات صغيرة، تأثيرات كبيرة: كيف انطلقت الحركة المناخية الشعبية في أمريكا

تغير المناخ ليس فقط أزمة بيئية بل قضية إنسانية عميقة تجسدت في الصفقة الخضراء الجديدة بقيادة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز. اكتشف كيف تُعيد هذه المبادرة تشكيل السياسة الأمريكية وتحفز العدالة البيئية. تابع التفاصيل الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية