هل تنجح المجموعة الاستشارية في ضبط أبحاث الذكاء الاصطناعي؟
أوبن إيه آي تؤسس مجموعة استشارية للرياضيات والذكاء الاصطناعي تهدف لمنح العلماء صوتًا في أبحاثها لكن بدون سلطة قرار حقيقية وسط جدل حول شفافية النتائج وتساؤلات حول دور الرقابة الحقيقية وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

هل يستطيع فريق استشاري لا يملك سلطة قرار أن يهدّئ قلق أبرز علماء الرياضيات في العالم من نتائج تُنشر بين ليلةٍ وضحاها بلا مراجعة كافية؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه إعلان OpenAI عن مجموعتها الاستشارية الجديدة، وهو سؤال لا تجيب عنه الشركة بنفسها، بل يجيب عنه المعهد المضيف للمجموعة بصراحةٍ لافتة: لا، ليس تماماً.
أعلنت OpenAI يوم الاثنين تأسيس "المجموعة الاستشارية للرياضيات والذكاء الاصطناعي" (Advisory Group on Mathematics and Artificial Intelligence)، على أن يستضيفها معهد الدراسات المتقدّمة (Institute for Advanced Study) في برينستون بولاية نيوجيرزي. الهدف المعلن، بحسب إعلان الشركة، هو منح علماء الرياضيات صوتاً أكبر في توجيه أبحاث الشركة المتعلقة بهذا المجال: "ستكون هذه المجموعة بمثابة جسر إلى مجتمع الرياضيات والجمهور الأوسع، تمنح علماء الرياضيات صوتاً في كيفية المضيّ قدماً."
من أين جاءت الحاجة إلى مجموعة كهذه؟
التوقيت ليس عرضياً. فقبل الإعلان بأيام، نشرت OpenAI فجأةً حلاً لمسألة نافييه-ستوكس (Navier-Stokes)، إحدى مسائل جائزة الألفية السبع الشهيرة في الرياضيات، ثم أضافت ادّعاءً أكبر: أنّ النموذج الداخلي نفسه توصّل إلى حلول لأكثر من 100 مسألة رياضية مفتوحة أخرى، تغطّي معظم فروع الرياضيات. ادّعاءات بهذا الحجم، منشورة بهذه السرعة، هي بالضبط ما دفع 25 عالم رياضيات من الحاصلين على ميدالية فيلدز — أرفع تكريم في هذا التخصص إلى توقيع رسالة مفتوحة في وقتٍ سابق من الشهر نفسه، حذّروا فيها من أنّ مختبرات الذكاء الاصطناعي تهدّد العمل الفكري لعلماء الرياضيات عبر منافستهم في حلّ المسائل بطريقةٍ تفتقر إلى الشفافية والمراجعة.
بعبارة أخرى: المجموعة الاستشارية لم تُولد من فراغ، بل وُلدت كردّ فعل على أزمة ثقة حقيقية.
ماذا تملك المجموعة فعلياً، وماذا لا تملك؟
هنا يكمن جوهر القصة بالنسبة لأي قارئ يتابع الموضوع بجدّية. مهمّة المجموعة، كما تُعرّفها OpenAI، هي تقييم أهمية النتائج الرياضية الجديدة وتنسيق طريقة الإعلان عنها للجمهور. أعضاؤها لا يتقاضون أي أجر من OpenAI، ويمكنهم تقديم استشارات غير مطلوبة والتعبير عن آرائهم علناً، كما أنّهم يتحكّمون بمن ينضمّ إلى عضوية المجموعة وهو ما يمنحها قدراً من الاستقلالية عن الشركة الممولة لها ضمنياً عبر استضافة أنشطتها.
لكن هذا الاستقلال له سقف واضح. تقرّ OpenAI نفسها بأنّ "المجموعة لن تكون مسؤولة عن تقديم المشورة بشأن وتيرة تقدّمنا الداخلي في الرياضيات." أي أنّها لا تستطيع إبطاء أبحاث الشركة أو إعادة توجيهها، مهما كانت النتائج مثيرة للجدل. ومعهد الدراسات المتقدّمة، المضيف الرسمي للمجموعة، كان أكثر صراحةً في بيانه الخاص: "رغم أننا سنقدّم المشورة، فإننا لا نملك سلطة اتخاذ القرار في أي شركة ذكاء اصطناعي، وتظلّ مسؤولية القرارات التي تتخذها أي شركة على عاتق تلك الشركة."
هذا التصريح، الصادر عن المعهد لا عن OpenAI، هو أهمّ جملة في القصة كلّها. إنه اعترافٌ مؤسسي بأنّ الرقابة المستقلة على أبحاث الذكاء الاصطناعي في الرياضيات تماماً كما في مجالات أخرى كثيرة تبقى استشارية بالاسم، بلا أنياب فعلية.
من يجلس على طاولة المراجعة؟
أعلنت OpenAI عن تسعة علماء رياضيات كأعضاء مؤسّسين للمجموعة. من بينهم، عضوٌ واحد فقط هو من وقّع سابقاً على رسالة الاحتجاج التي أطلقها الحاصلون على ميدالية فيلدز: كاميلو دي ليليس (Camillo De Lellis)، الباحث في معهد الدراسات المتقدّمة نفسه. غياب باقي الموقّعين الأربعة والعشرين عن قائمة العضوية المؤسِّسة سؤالٌ مطروح بذاته، وإن لم يوضّح لنا هذا الملف سببه.
في النهاية، ما تقدّمه OpenAI هنا هو آلية شفافية بدرجة معيّنة قناة تُمكّن مجتمع الرياضيات من إبداء الرأي علناً في نتائج قد تُعلن بسرعة أكبر من قدرة المراجعة العلمية التقليدية على مجاراتها. لكنّها ليست آلية رقابة بالمعنى الذي طالب به موقّعو الرسالة المفتوحة. من يقرّر متى تُنشر نتيجة رياضية جديدة، ومتى تُسحب إذا ثبت خطؤها، يبقى بيد OpenAI وحدها. والسؤال الذي سيبقى معلّقاً في الأشهر المقبلة هو: هل ستكتفي الشركة بالاستماع إلى هذا الجسر الاستشاري، أم ستستمر في نشر ادّعاءاتها الكبرى أولاً، وتترك المراجعة لما بعد؟
أخبار ذات صلة

ماذا تتوقّع أن يكتشف تلسكوب Roman الفضائي التابع لناسا؟

الرحلات الفضائية قد تؤثر على الجهاز التناسلي لأطفال رواد الفضاء وأحفادهم، تشير دراسة أولية على الفئران

SpaceX تنقل معزّز Super Heavy الضخم إلى منصة الإطلاق قبل رحلة Starship المدارية الأولى
