وورلد برس عربي logo

اللوبي الإسرائيلي وتأثيره الخفي على السياسة البريطانية

الحكومة البريطانية تدرج التدخل في الديمقراطية ضمن المخاطر الوطنية وتكشف عن تأثيرات أجنبية تشمل حلفاء وأعداء مع تسليط الضوء على دور لوبي إسرائيلي وأدوات قانونية تستهدف منظمات فلسطينية في بريطانيا وورلد برس عربي.

مجموعة من الأشخاص يرتدون أزياء سوداء ووجوهاً مطلية باللون الأبيض في احتجاج أمام مبنى يحمل الرقم 55، يعكسون رمزياً مظاهر التدخل الأجنبي في السياسة البريطانية.
احتجاج لحركة تمرد الانقراض أمام 55 شارع توفتون في 20 ديسمبر 2025. يضم شارع توفتون مراكز أبحاث وجماعات ضغط لعبت دورًا في تشكيل السياسات البريطانية (أندريا دومينيكوني/صور SOPA عبر رويترز كونكت)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أضافت الحكومة البريطانية الشهر الماضي التدخّل في العملية الديمقراطية إلى سجلّ المخاطر الوطنية، مُصنِّفةً إيّاه جنباً إلى جنب مع الهجمات الإلكترونية والأوبئة بوصفه تهديداً للأمن القومي.

هذا التأطير متّسق في مجمله، ومبرَّر إلى حدٍّ بعيد: فـقانون الأمن القومي لعام 2023، ومخطَّط تسجيل النفوذ الأجنبي (Foreign Influence Registration Scheme)، وفرقة عمل الدفاع عن الديمقراطية (Defending Democracy Taskforce)، كلّها تستهدف الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وقد وثّقت لجان البرلمان جهوداً عدائية ممنهجة تسعى إلى التأثير في السياسة البريطانية.

غير أنّ التدقيق نادراً ما يتجاوز هذه الأسماء الأربعة، رغم أنّ دولاً أخرى مارست هي الأخرى محاولاتها الخاصة. وقد أثار أعضاء مجلس اللوردات هذه المسألة في نقاشٍ برلماني دفع الوزراء إلى الأمر بإجراء مراجعة، إذ أبلغ Lord Wallace of Saltaire المجلسَ بأنّ الأموال جاءت "من الولايات المتحدة والإمارات، فضلاً عن دول عدائية كروسيا والصين".

وذهبت مراجعة Philip Rycroft الصادرة في مارس 2026 أبعد من ذلك، محذِّرةً من "استعدادٍ متنامٍ لدى جهات أجنبية ومواطنين من القطاع الخاص، بمن فيهم حلفاء كالولايات المتحدة، للتدخّل في السياسة الداخلية للدول الأخرى والتأثير فيها".

قبلت الحكومة هذه النتيجة في يوليو، لكنّها لم تتصرّف على أساسها. فبعد أشهر، حين ظهرت هيئة مناصرة مقرّها إسرائيل في مجلس اللوردات ذاته لاتّهام المسلمين البريطانيين باستيراد نفوذٍ أجنبي، لم يطرح أحدٌ عليها السؤال الذي طُرح على سواها.

تأسّست NGO Monitor داخل مركز القدس للشؤون العامة (Jerusalem Center for Public Affairs)، وهو مركز أبحاث إسرائيلي يميل نحو اليمين، كان رئيسه آنذاك Isidore "Dore" Gold يشغل في الوقت نفسه منصب مستشارٍ لدى رئيسَي وزراء إسرائيليَّين.

أمّا مؤسّسها Gerald Steinberg، فقد كان مستشاراً مدفوع الأجر لوزارة الخارجية الإسرائيلية ومجلس الأمن القومي. وتمرّ تمويلاتها عبر وعاءٍ أمريكي غير شفّاف تموّله جهاتٌ داعمة لإسرائيل بصورة راسخة.

اللوبي الإسرائيلي وغموض التمويل الأمريكي

خلصت وزارة الخارجية الهولندية إلى أنّ عمل NGO Monitor يرتكز على "اقتباسات انتقائية وأنصاف حقائق وتلميحات". وأعلن مقرّر أممي خاص في سبتمبر 2024 أنّ NGO Monitor شنّت "حملة تشهير إلكترونية حادّة" ضدّ منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان.

وفي المشهد البريطاني، تُرافق NGO Monitor منظمةٌ أخرى هي UK Lawyers for Israel (UKLFI). وقد كشفت وثيقةٌ حكومية إسرائيلية أنّ المديرة التنفيذية للمنظمة Jonathan Turner وزوجته التقيا بمسؤولٍ رفيع في وزارة العدل الإسرائيلية عام 2019، طالبَين مساعدتها ضدّ جمعية بريطانية ومنظمة للأطفال الفلسطينيين.

وُصفت أساليب المجموعة بأنّها حربٌ قانونية (lawfare)، أي تهديداتٌ قانونية تستهدف التخويف لا الفوز أمام المحاكم. واكتفى خطابٌ واحد بدفع مستشفى Chelsea and Westminster لـإزالة معرضٍ لأطباقٍ رسمها أطفال من غزة.

وقد أقرّ Turner بأنّ مجموعته تُقدّم "دعماً" لوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، التي تدير حملات تشهير ضدّ منظمات حقوقية في الخارج. كما سوّت UKLFI دعوى تشهير بعد اتّهامها زوراً لجمعية بتمويل الإرهاب. وتخضع المنظمة حالياً لتحقيق هيئة الجمعيات الخيرية (Charity Commission) بشأن تمويلٍ مخفيّ، دون أن تتّضح نتائجه بعد. ومع ذلك، لا يبدو أنّ شيئاً من هذا يُصنَّف ضمن خانة التدخّل الأجنبي، رغم أنّه كذلك بوضوح.

في الأسبوع ذاته الذي احتضن فيه مجلس اللوردات فعالية NGO Monitor، كشفت الغارديان أنّ وزارة الخارجية الأمريكية تعتزم منح 12 مليون دولار، مباشرةً ودون منافسة، لمنظمات يمينية أسّسها Jacob Rees-Mogg و Toby Young، في إطار ما وُصف بدعم "الروابط الحضارية المشتركة".

وفي وقتٍ سابق من هذا العام، حصل Free Speech Union التابع لـ Young على أمرٍ قضائي من المحكمة العليا لمنع تسريب قائمة متبرّعين تضمّنت منظمات أمريكية مناهضة للإجهاض.

وحين رصد المستشار الألماني أموالاً مماثلة تتدفّق نحو جماعات موالية لتيار MAGA في بلاده، سمّى الأمر بصراحة: تدخّلاً في الانتخابات.

وليس هذا بجديد: فمراكز أبحاث شارع Tufton، من بينها Institute of Economic Affairs وPolicy Exchange وthe Adam Smith Institute، تلقّت ملايين الدولارات من متبرّعين أمريكيين منذ عام 2012 عبر وعاءات أمريكية غير شفّافة.

وفي عام 2018، رصد تحقيق Unearthed مديرَ IEA وهو يعرض على المتبرّعين تسهيل لقاءاتٍ مع وزراء مقابل التمويل، وهو ما أفضى إلى تحذيرٍ قانوني رسمي من هيئة الجمعيات الخيرية بسبب انتهاك قانون الجمعيات.

والمسألة لا تقتصر على مراكز الأبحاث المشبوهة وتبادل الأموال. فـ Elon Musk، عبر منصّته X، عزّز حضور شخصيات كـ Tommy Robinson، الذي حصدت منشوراته 434 مليون مشاهدة خلال أحداث الشغب عام 2024، بما يُعادل عائداً يبلغ 19 مليون دولار سنوياً للمنصّة.

أساليب الإمارات: ما هو أخطر من اللوبي

أمّا الإمارات، فأساليبها تتجاوز اللوبي والتبرّعات إلى ما هو أشدّ خطورة. فقد أكّد مختبر Citizen Lab وجود إصاباتٍ متعدّدة ببرنامج التجسّس Pegasus، المصنوع من قِبَل شركة NSO Group الإسرائيلية، في شبكات مكتب رئيس الوزراء في Downing Street ووزارة الخارجية البريطانية خلال عامَي 2020 و2021، وكلاهما مرتبطٌ بجهةٍ إماراتية.

وقد جُرّدت Baroness Pola Uddin، العضو في مجلس اللوردات، من بين المواطنين البريطانيين الذين تعرّضوا للاختراق ببرنامج Pegasus على الأراضي البريطانية، وقدّمت شكوى جنائية بشأن ذلك. بل إنّ النفوذ الإماراتي الأكثر تقليديةً يمتدّ مباشرةً عبر البرلمان.

إذ يشغل ثلاثة من أعضاء مجلس اللوردات أدواراً مدفوعة الأجر في شركة FGS Global، التي تمارس ضغطاً على المسؤولين البريطانيين لصالح الإمارات منذ أكتوبر، وذلك مسجَّلٌ بصورة نظامية في إطار مخطَّط تسجيل النفوذ الأجنبي. وقد لخّص Steve Goodrich من منظمة Transparency International الأمرَ بصراحة في مقالٍ نشر: "حين يشغل أعضاء مجلس اللوردات مناصب رفيعة في شركات تمارس ضغطاً لصالح حكومات أجنبية، يصعب معرفة مصالح من يُمثّلون فعلاً".

وفي أوروبا، لا تختلف الأساليب. فقد كشف تحقيق مجلة The New Yorker عام 2023 أنّ الإمارات دفعت لشركة استخباراتية سويسرية لتنفيذ حملة عبر أوروبا تستهدف تشويه سمعة معارضيها ورجال أعمال بتلفيق صلاتٍ لهم بقطر أو جماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك، لا يُطلَق على شيءٍ من هذا وصف التدخّل، بل يُسمّى "شراكة".

التدخّل الروسي والصيني والإيراني يستحقّ كلّ ما يناله من تدقيق ومراقبة. لكن حين يقف هذا التدقيق عند حدود ثلاث دول، يكفّ عن أن يكون استراتيجيةً أمنية متماسكة، ويتحوّل إلى مصفاةٍ للملاءمة السياسية، تُعفي حلفاء بريطانيا من أسئلةٍ مُحرجة.

تمتلك الحكومة الأدوات الكافية لمواجهة هذا التهديد من كلّ اتجاه ومن كلّ مصدر. ما تحتاجه فحسب هو توظيف هذه الأدوات بصورة متّسقة ومتكافئة. فما لم تُعامَل الأموال الأجنبية والتوجيهات الأجنبية بوصفها إشكاليةً بصرف النظر عن الجهة التي أرسلتها، سيظلّ مصطلح "التدخّل" كلمةً تلجأ إليها بريطانيا انتقائياً، لا معياراً تلتزمه فعلاً.

أخبار ذات صلة

Loading...
واجهة المسجد المركزي في كامبريدج بتصميم خشبي مميز مع نافورة مياه في الساحة، رمز لمبادرة كفاءة المياه في المجتمعات الإسلامية.

الحكومة البريطانية تطلب من المسلمين تقليل استهلاك المياه في الوضوء

تدعو هيئة Ofwat في بريطانيا إلى تقليل استهلاك المياه في الوضوء وغسل الأرز ضمن مبادرات للحفاظ على الماء في ظل أزمة التسرّبات. اكتشف كيف تساهم هذه الخطوات في ترشيد استهلاك المياه وكن جزءاً من الحل.
Loading...
الأمير هاري بابتسامة خلال مؤتمر صحفي، مع تركيز على عودته المرتقبة إلى بريطانيا بعد سنوات من الغياب والمصالحة العائلية المحتملة.

الأمير هاري وميغان يعودان إلى بريطانيا: ما تحتاج معرفته

بعد غياب ست سنوات، يعود الأمير Harry مع عائلته إلى بريطانيا في خطوة مفاجئة نحو المصالحة مع العائلة المالكة. تعرف على تفاصيل عودته وتأثيرها على العلاقات الملكية. تابع القراءة لتكتشف المزيد.
Loading...
شاب أسود يحمل شعلة أولمبياد لندن 2012 بابتسامة خلال مسيرة المشعل، رمزاً لإنجازاته الأكاديمية المثيرة للجدل.

جيسون أرداي: وفاة أكاديمي تشعل نقاشاً بريطانياً حول العنصرية والمعايير الجامعية

قصة Jason Arday تكشف تحديات التنوّع الأكاديمي في بريطانيا بين الإنجازات المبهرة والاتهامات الصادمة. اكتشف تفاصيل الجدل وتأثيره على الجامعات والإعلام. تابع القصة كاملة الآن!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية