خفض احترار الطيران بخطوات بسيطة ومؤثرة
ثلاثة بالمئة فقط من الرحلات الجوية تسبب ثمانين بالمئة من الاحترار الناتج عن الأثر الجليدي للطيران إعادة جدولة هذه الرحلات خاصة ليلاً وفي الشتاء قد تؤجل الاحترار العالمي لعقد كامل وتفتح فرصة ذهبية لمواجهة تغير المناخ وورلد برس عربي

في بيانات 2019 رقمٌ يستحقّ التوقّف عنده: 3% فقط من الرحلات الجوية كانت مسؤولة عن 80% من الاحترار الناتج عن «الأثر الجليدي» (Contrails) تلك الخطوط البيضاء التي تتركها الطائرات خلفها في السماء. الإشارة هنا ليست في حجم المشكلة، بل في تركّزها: مشكلة مناخية واسعة الأثر، ضيّقة المصدر. وهذا بالضبط ما يجعلها، وفق تقريرٍ جديد كلّفت بإعداده منظّمة النقل والبيئة الأوروبية (T&E)، "الثمرة السهلة القطف" في مسار خفض انبعاثات الطيران.
التقرير الذي أعدّته شركة Klima Consulting وشارك في كتابته أوليفييه بوشيه، العالم السابق في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC)، يضع رقماً مركزياً أمام صنّاع القرار الأوروبيين: تجنّب هذه الخطوط الجليدية يمكن أن يؤخّر مساهمة قطاع الطيران في الاحترار العالمي بعقدٍ كامل. بعبارةٍ أدقّ، الاحترار الذي قد يصل إلى 0.08 درجة مئوية بحلول 2040 يمكن تأجيله حتى 2050 وهو فارقٌ زمني ثمين في نظامٍ مناخي يُقاس فيه كلّ عُشر درجة بميزانياتٍ محدودة سلفاً.
ماذا تعني الأرقام على أرض الواقع؟
خفض احترار الأثر الجليدي بمقدار النصف ابتداءً من 2030 يمكن أن يجنّب العالم 0.025 درجة مئوية من الاحترار بحلول 2050، و0.049 درجة مئوية بحلول 2070. الرقمان يبدوان صغيرين معزولَين، لكنّهما يتحوّلان إلى شيءٍ آخر عند إسقاطهما على مسار الحدّ من الاحترار عند درجتين مئويتين: التقرير يقدّر أنّ هذا الإجراء وحده قد يحرّر ما بين 3 و5 نقاط مئوية من ميزانية الحرارة المتاحة للفترة الممتدّة بين 2025 و2050. وهذا يحدث في وقتٍ يُتوقّع فيه أن يتضاعف استهلاك الطاقة في قطاع الطيران العالمي أكثر من مرّتين بحلول 2050 مقارنةً بمستويات 2019 أي أنّ نافذة الفرصة تتقلّص مع كلّ سنةٍ من نموّ حركة الطيران.
من زاوية الانبعاثات المكافئة، فإنّ خفض احترار الأثر الجليدي بمقدار النصف عند مستويات حركة الطيران الحالية يمكن أن يجنّب ما بين 67 و225 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وفق قياسٍ يمتدّ على مئة عام. هذا يعادل ما بين 7% و23% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية الناتجة عن الطيران في 2025، أو ما تنتجه سنوياً ما بين 15 و50 مليون سيارة ركاب تعمل بالبنزين. الفجوة بين الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى في هذه التقديرات كبيرة وهي بحدّ ذاتها إشارةٌ إلى أنّ العلم لم يستقرّ بعد على معاملات دقيقة، لا إلى أنّ الظاهرة غير حقيقية.
لماذا الليل والشتاء تحديداً؟
ما قد لا يظهر في العناوين التي تتناول هذا التقرير هو أنّ معظم الرحلات ذات الأثر الأعلى في توليد الاحترار كانت تحدث ليلاً وفي فصل الشتاء. هذا التفصيل يحوّل المشكلة من معضلةٍ تقنية معقّدة إلى مسألة تشغيلية قابلة للحلّ عبر إعادة توجيه أو إعادة جدولة عددٍ محدود من الرحلات وهو ما يصفه التقرير بأنّه من أكثر إجراءات المناخ فعاليةً من حيث الكلفة.
تقول ديان فيتري، مديرة قسم الطيران في T&E: "الأثر الجليدي هو الثمرة السهلة القطف في مسار إزالة الكربون من قطاع الطيران. أمامنا فرصة ذهبية للتعامل مع هذه المُسرّعات للاحترار المناخي." وتضيف في موضعٍ آخر: "إعادة توجيه أو إعادة جدولة عددٍ قليل فقط من الرحلات يمكن أن تؤجّل مساهمة صناعة الطيران في الاحترار العالمي بعقدٍ كامل. تجنّب كسورٍ ثمينة من الدرجة يوفّر نافذة فرصة فريدة. تقليل الأثر الجليدي قد يكون الفرصة الوحيدة أمام الطيران للبقاء على المسار الصحيح مع أهدافنا المناخية. نعرف أنّ الأمر ناجع وأنّه رخيص، فلماذا تعارض صناعة الطيران العمل؟"
هذا السؤال الأخير يشير إلى ما يصفه التقرير بأنّه سببٌ رئيسي وراء سنواتٍ من التقاعس: ادّعاءات الصناعة بشأن عدم اليقين العلمي. حتى الآن، لا توجد أيّ تدابير إقليمية أو عالمية ملزمة للحدّ من الآثار المناخية غير الكربونية للطيران رغم أنّ التقرير يرى أنّ العلم المتوفّر يكفي لتبرير التحرّك بموجب مبدأ الاحتراز، حتى مع استمرار الحاجة إلى بحثٍ إضافي، خصوصاً في مجالَي التنبّؤ بالرطوبة والتحقّق عبر الأقمار الصناعية في الزمن الحقيقي.
أين تقف أوروبا الآن؟
الإشارات الأضعف غالباً ما تكون في التفاصيل التنظيمية لا في العناوين. في 2025، بدأت المفوّضية الأوروبية مراقبة الانبعاثات غير الكربونية للطيران، وطرحت مؤخّراً مقترحاً بمنح حصص مجانية ضمن نظام تداول الانبعاثات (ETS) لشركات الطيران التي تنجح في تجنّب الأثر الجليدي. وتوصي T&E بتوسيع نطاق المراقبة ليشمل جميع الرحلات بحلول 2027، إلى جانب دعم ربط الحصص المجانية بأداء تجنّب الأثر الجليدي، وتمويل بحوثٍ إضافية حول أوجه عدم اليقين التي لا تزال تعترض صياغة السياسات.
على المستوى التشغيلي، تستعدّ مجموعة تضمّ الحكومة البريطانية وخدمات مراقبة الحركة الجوية لإجراء تجربةٍ هذا الشتاء في المجال الجوي الأوقيانوسي لشمال الأطلسي ما يُوصف بأنّه أوّل تجربة لتجنّب الأثر الجليدي على مستوى مجالٍ جوي أوقيانوسي بأكمله في العالم. التجربة، إذا نجحت، قد تشكّل نموذجاً تشغيلياً يمكن تكراره في مسارات جوية أخرى مكتظّة.
لكن التقرير يضع تحذيراً واضحاً في صلب استنتاجاته: منافع تجنّب الأثر الجليدي على درجة الحرارة تستمرّ فقط طالما استمرّت إجراءات التخفيف. هذا ليس بديلاً عن خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطيران، بل مكمّلٌ لها ضمن نافذة زمنية محدودة.
ثلاثة مسارات محتملة
الأرجح، أن تمضي أوروبا في مسارٍ تدريجي: توسيع المراقبة إلى جميع الرحلات بحلول 2027، مع اختبارات تشغيلية محدودة النطاق كتجربة شمال الأطلسي، دون إطارٍ ملزم قبل نهاية العقد. المحتمل، أن تُحدث نتائج التجربة البريطانية-الأوروبية زخماً كافياً لدفع حوافز ETS نحو التطبيق الفعلي قبل 2030، خصوصاً إذا ترافقت مع تقدّمٍ في التنبّؤ بالرطوبة والتحقّق الساتلي. الأقلّ احتمالاً، أن تتعثّر المبادرة بفعل مقاومة الصناعة واستمرار الاحتجاج بعدم اليقين العلمي، ما يُبقي ميزانية الحرارة لعام 2050 محرومة من هامش الـ3 إلى 5 نقاط مئوية التي يتحدّث عنها التقرير. القفزة الحقيقية في هذا الملف لن تأتي من تقريرٍ جديد، بل من اللحظة التي تتحوّل فيها البيانات التشغيلية لهذا الشتاء إلى سياسةٍ ملزمة أو لا تتحوّل.
أخبار ذات صلة

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته
