تأثير الفضاء على خصوبة الأجيال القادمة من البشر
دراسة تكشف تأثير الإقامة في الفضاء على خصوبة الفئران وأجيالها القادمة مع تراجع في عدد الولادات وقوة العضلات وسلوك التوتر، ما يفتح تساؤلات مهمة حول استيطان الإنسان للفضاء ومستقبل الإنجاب خارج الأرض وورلد برس عربي.

عندما يتحدّث العلماء عن هجرة الإنسان إلى المريخ أو استيطان كواكب أخرى، تُطرح عادةً أسئلة الطاقة والإشعاع والزمن. لكنّ دراسة جديدة نُشرت في 30 يونيو في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (PNAS) تعيد فتح سؤالٍ أقلّ حضوراً في النقاش العام: ماذا يحدث لقدرة الإنسان على الإنجاب، ولأبنائه وأحفاده، حين يُقيم لفتراتٍ طويلة خارج الجاذبية الأرضية؟ الإجابة، حتى الآن، جاءت من الفئران لا من البشر، لكنّ نتائجها كافية لتستدعي وقفةً جادّة قبل التخطيط لبعثاتٍ طويلة الأمد.
ماذا وجد الباحثون في فئران محطة الفضاء الدولية؟
اختبر فريقٌ بحثي، شارك فيه لين كريستنسون من مركز جامعة كانساس الطبي، تأثيرات إقامة عشرين فأرةً أنثى لمدة 42 يوماً على متن المحطة الفضائية الدولية على قدرتها الإنجابية، وعلى أجيالها التالية. بعد عودتها إلى الأرض، تمكّنت هذه الفئران من الحمل والولادة بشكلٍ طبيعي، وكانت خصوبتها قريبةً من فئران المجموعة الضابطة التي بقيت على الأرض. صحيحٌ أنّ حجم بطونها (litters) جاء أصغر قليلاً من المعتاد، لكنّ هذا الفارق لم يكن ذا دلالة إحصائية عند الجيل الأوّل.
المفاجأة ظهرت مع الجيل الثاني. فقد سجّل نسل الفئران التي عادت من الفضاء انخفاضاً في قوة العضلات بنسبة تقارب 15%، إلى جانب سلوكٍ أكثر قابليةً للتوتّر لدى الإناث تحديداً. وعند محاولة هذا الجيل الإنجاب، أنتج بطوناً أقلّ عدداً وأصغر حجماً بشكلٍ ملحوظ، مع مستوياتٍ أدنى من الهرمون المضاد لمولّر (AMH)، وهو مؤشرٌ حيوي يرتبط مباشرةً بمخزون البويضات لدى الإناث فكلّما ارتفع مستواه دلّ على احتياطي بيوضٍ أكبر، والعكس صحيح. واللافت أنّ الجيل الثالث، رغم بُعده الزمني عن التجربة الأصلية، ظلّ يحمل مستويات AMH منخفضة مقارنةً بفئران المجموعة الضابطة، ما يعني أنّ الأثر لم يتوقّف عند الجيل الأوّل من الأبناء.
يلخّص كريستنسون هذه النتائج بقوله: "تغيّر نسل الفئران التي عادت من الفضاء في سلوكها، وفي عضلاتها، وفي قدرتها على مواصلة التكاثر"، مضيفاً أنّ "كلّ مؤشرٍ تقريباً نظرنا إليه أظهر بعض الفروق". ويصف الفريق هدف الدراسة بأنّها تسعى إلى "سدّ فراغ" بحثي قائم، إذ إنّ الأبحاث السابقة حول تأثيرات السفر الفضائي على الإنجاب لدى الإناث ظلّت محدودة مقارنةً بدراسات أخرى.
لماذا يهمّ الهرمون الأنثوي في هذا السياق؟
يشير الباحثون إلى أنّ الإستروجين "يؤثّر على جميع أجهزة الجسد الأنثوي تقريباً"، وليس فقط على الجهاز التناسلي؛ فهو يشارك أيضاً في عمليات الحفاظ على كثافة العظام. هذا الاتساع في تأثير الهرمون يفسّر جزئياً لماذا امتدّت الاضطرابات إلى مؤشراتٍ متعدّدة تتجاوز الخصوبة وحدها، من قوة العضلات إلى الاستجابة السلوكية للتوتّر.
أمّا الآلية المقترحة لتفسير هذه التغيّرات فهي ما يصفه كريستنسون بـ"تسارع الشيخوخة" الناتج عن انعدام الوزن الجزئي (Microgravity)، إذ تشير دراسات سابقة إلى أنّ هذه البيئة قد تزيد من هشاشة الخلايا أمام الإجهاد، وترتبط بخللٍ في وظائف الميتوكوندريا وهي الحاملة الوحيدة للحمض النووي المنقول حصراً من الأم إلى طفلها. غير أنّ هذه الآلية تبقى، بحسب الفريق نفسه، فرضيةً غير مؤكَّدة بعد، وتحتاج إلى مزيدٍ من العمل قبل اعتمادها تفسيراً نهائياً.
ويعترف كريستنسون بأنّ حجم التغيّر فاجأ الفريق: "لقد فوجئنا كثيراً بأنّ فترةً قصيرة نسبياً، 42 يوماً فقط، قادرة على إحداث هذه التغيّرات اللافتة".
هل ينطبق هذا على البشر؟ ولماذا محطة الفضاء الدولية لا تكفي للحكم؟
هنا يفرض المنهج العلمي حذره المعتاد. الفئران نموذجٌ ثديي يشترك مع الإنسان في تشابهٍ كبير على مستوى الجهاز التناسلي، لكنّ دورتها الإنجابية لا تتجاوز أربعة إلى خمسة أيام، مقابل 28 يوماً في المتوسط للدورة الشهرية عند المرأة فارقٌ زمني يجعل نقل النتائج مباشرةً إلى البشر أمراً غير مضمون. تقول الدكتورة أولريكه لودرر، مديرة مركز الصحة المهنية والبيئية في جامعة كاليفورنيا-إيرفاين: "لكنّ الكثير من الخلفية الجزيئية متشابهة جداً"، وهو ما يمنح النتائج وزناً علمياً رغم حدود النموذج الحيواني.
عاملٌ آخر يستحق التنويه: محطة الفضاء الدولية تدور في مدارٍ منخفض نسبياً، وتعرّض قاطنيها لإشعاعٍ كوني أقلّ بكثير مما قد يواجهه روّاد الرحلات إلى أعماق الفضاء، مثل الرحلة إلى المريخ. وهذا يعني أنّ التجربة الحالية قد تكون قد قلّلت من حجم التأثير المحتمل عند رحلاتٍ أطول وأبعد. وتستند لودرر هنا إلى بحثها السابق حول تعرّض شبيه بظروف رحلة المريخ، والذي وجد "انخفاضاً كبيراً جداً في عدد البويضات والحويصلات في المبايض" جرّاء الإشعاع. وتضيف أنّ "هذه الدراسة تضيف إلى مجموعةٍ متنامية من الأدبيات حول تأثيرات السفر الفضائي عموماً على الجهاز التناسلي"، وهو ما يصبح ذا أهمية عملية إذا "أمضى البشر فتراتٍ طويلة في الفضاء أو استوطنوا كوكباً آخر".
ماذا تخبرنا الدراسات البشرية السابقة؟
المرجع الأبرز في هذا المجال يبقى "دراسة التوأمين" (NASA Twins Study) التي أجرتها ناسا، ومقارنت رائد الفضاء سكوت كيلي، الذي أمضى عاماً كاملاً على متن محطة الفضاء الدولية، بتوأمه الهوَوي مارك كيلي الذي بقي على الأرض طوال تلك المدة. وقد رصدت تلك الدراسة تأثيراتٍ صحية متواضعة نسبياً على المدى القصير، لكنها لم تتناول الإنجاب عبر الأجيال بالطريقة التي فعلتها الدراسة الجديدة. كما أشارت دراسةٌ سابقة نُشرت عام 2019 إلى أنّ فئران الذكور التي تعرّضت لبيئة محطة الفضاء الدولية أنجبت نسلاً سليماً، ما يطرح تساؤلاً إضافياً حول الفرق بين تأثيرات التعرّض الفضائي على الإناث والذكور على حدٍّ سواء وهو مسارٌ يحتاج بحثاً مستقلاً.
ما الذي يحتاجه العلم قبل أن يستقرّ الحكم؟
يدعو الباحثون إلى توسيع الدراسة لتشمل مؤشرات إنجابية إضافية، بينها مستويات هرمونية أدقّ، قبل الجزم بحجم الخطر على البشر. فالمسافة بين نموذج الفأر وواقع الرحلات البشرية الطويلة لا تزال شاسعة، والآلية المقترحة تسارع الشيخوخة عبر انعدام الوزن الجزئي لم تُثبَت بعد بشكلٍ قاطع. لكنّ ما تكشفه هذه النتائج، عبر ثلاثة أجيالٍ متعاقبة من الفئران، يفرض على وكالات الفضاء ومخطّطي البعثات الطويلة سؤالاً لا يمكن تأجيله: هل تكفي الاختبارات الحالية على مدار أسابيع لضمان سلامة الأجيال القادمة من روّاد الفضاء، أم أنّ الطريق إلى المريخ يستدعي فهماً أعمق لما يحدث لأجساد البشر، وأجساد أبنائهم، بعيداً عن جاذبية الأرض؟
هذا المقال إخباريّ وتحليليّ بطبيعته، ولا يُغني عن استشارة طبية متخصّصة.
أخبار ذات صلة

ماذا تتوقّع أن يكتشف تلسكوب Roman الفضائي التابع لناسا؟

OpenAI تشكّل فريق استشاري في الرياضيات بعد حلّ أكثر من 100 مسألة مفتوحة

SpaceX تنقل معزّز Super Heavy الضخم إلى منصة الإطلاق قبل رحلة Starship المدارية الأولى
