الإسلاموفوبيا في بريطانيا تهديد لوحدتنا الوطنية
الإسلاموفوبيا ليست مجرد خطاب، بل هي تهديد حقيقي لمجتمعاتنا. في زمن الانقسام، يجب أن نتحد ضد الكراهية ونواجه التحديات المشتركة. المسلمون جزء لا يتجزأ من نسيج بريطانيا، وعلينا تعزيز الثقة والكرامة للجميع.

ثمّة نوعٌ من الخداع العميق في أن يُسمَّى تجمُّعٌ بـ"توحيد المملكة"، بينما يُفسح المجال فيه لخطابٍ يُخبر المسلمين البريطانيين بأنّهم لا ينتمون إلى هذا البلد، ويسخر من ملابس المرأة المسلمة.
ما جرى في لندن هذا الأسبوع لم يكن مجرّد إساءة، ولا مجرّد حلقةٍ قبيحة أخرى في نقاشٍ عام مسموم أصلاً. كان تحذيراً من الاتجاه الخطير الذي تسير نحوه أجزاءٌ من حياتنا السياسية والإعلامية.
حين تتنكّر الإسلاموفوبيا في هيئة وطنية، وحين يُتحدَّث عن مجتمعاتٍ بأكملها كما لو كانت تهديداً ينبغي إزالته أو تقييده أو هزيمته، فنحن لم نعد نشهد خلافاً سياسياً مشروعاً.
نحن نشهد تجريداً متعمَّداً من الإنسانية لملايين المواطنين وهو مسارٌ أثبت التاريخ أنّه لا يُفضي إلّا إلى الظلام.
وثّق تقريرٌ حديث صادر عن مؤسسة Runnymede Trust ارتفاعاً ملحوظاً في الإسلاموفوبيا بالمملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، تجلّى بوضوح في أعمال الشغب التي شهدها صيف 2024. علاوةً على ذلك، كشفت استطلاعاتٌ متعدّدة عن حجم هذه المشكلة، إذ وجد تقريرٌ صدر العام الماضي أنّ واحدةً من كلّ ثلاث نساء مسلمات تعرّضت للإسلاموفوبيا أو العنصرية بشكل مباشر خلال تنقّلها بوسائل النقل العام.
المسلمون البريطانيون الذين يُشكّلون أكثر من 6% من مجموع السكان، ليسوا ضيوفاً في هذا البلد. هذا وطنهم.
يُدرِّسون في مدارسه، ويتلقَّون العلاج في مستشفياته، ويعملون في مؤسّساته العامة، ويُديرون أعماله التجارية، ويتطوّعون في مجتمعاته المحلية، ويُربّون أسرهم على أرضه. يتقاسمون مع بريطانيا همومها وآمالها وإحباطاتها ومستقبلها. القول بغير ذلك ليس تعصّباً وحسب، بل هو كذبٌ على بريطانيا ذاتها.
في مواجهة الضغوط نفسها
لكن لنكن صريحين: المواطن العادي القلق من غلاء المعيشة، والأب القلق على تعليم أبنائه، والمريض الذي ينتظر طويلاً للحصول على العلاج، والبريطانيون الذين يشعرون بأنّ السياسة لم تعد تُنصت إليهم هؤلاء ليسوا أعداءنا. كثيرٌ من هذه المخاوف مشتركةٌ بين جميع المجتمعات.
الأسر المسلمة أيضاً تُعاني من أعباء الفواتير والسكن ورعاية الأطفال والخدمات العامة، ومن ذلك الشعور بانعدام الأمان تجاه المستقبل. نقف في طوابير المستشفيات نفسها، ونُرسل أبناءنا إلى المدارس ذاتها، ونعيش في الشوارع نفسها، ونواجه الضغوط عينها.
المأساة أنّ هذه المخاوف الحقيقية تُوظَّف سلاحاً في يد أناسٍ لا يملكون حلولاً جدية. لا يُقدّمون إجاباتٍ مقنعة لإصلاح هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، ولا لبناء المساكن، ولا لخفض فواتير الطاقة، ولا لتطوير المدارس، ولا لرفع الأجور، ولا لاستعادة الثقة في السياسة. بدلاً من ذلك، يُقدّمون كبش الفداء.
يُحوّلون الغضب الذي ينبغي أن يتّجه نحو الأنظمة الفاشلة، ليصوّبوه نحو الأقليات. يُخبرون الناس بأنّ جارهم هو المشكلة، لا الخيارات السياسية والإخفاقات الاقتصادية التي تركت كثيرين يشعرون بالتخلّي عنهم.
يدّعون أنّهم يتصرّفون باسم الوطنية. في الحقيقة، هم يُخرّبون البلد الذي يقولون أنهك يدافعون عنه. قوّة الأمّة لا تُقاس بصخب الإقصاء، بل بمتانة نسيجها الاجتماعي: الثقة بين الجيران، والكرامة الممنوحة لكلّ مواطن، وقدرة المجتمعات المختلفة على الوقوف معاً في الأوقات العصيبة.
هذا أمرٌ بالغ الأهمية، لأنّ بريطانيا تواجه أصلاً تحدياتٍ جسيمة. الخدمات العامة تحت ضغطٍ متصاعد. كثيرٌ من المجتمعات تشعر بأنّها مُهمَّشة. الثقة في المؤسسات في حضيضها. والعالم من حولنا يزداد اضطراباً.
في مثل هذه اللحظة، لا يمكننا أن نتحمّل الانقسام. البلد المتصدّع من الداخل يكون أعجز بكثير عن مواجهة الضغوط القادمة من الخارج.
تطبيق القانون على الجميع
لهذا السبب، يجب على القادة السياسيين والإعلام والسلطات العامة أن يتوقّفوا عن معاملة الإسلاموفوبيا بوصفها شأناً ثانوياً. لو صدر خطابٌ مماثل يستهدف أيّ أقلية أخرى، لأثار حقّاً موجةً من الغضب والتحقيقات والتبعات. المسلمون البريطانيون يستحقّون الحماية ذاتها، والكرامة ذاتها، والاعتراف ذاته.
القانون يجب أن يُطبَّق على الجميع بالتساوي. الإدانة العلنية يجب أن تكون متسقّة. وعلينا أن نكفّ عن تلميع الكراهية بلافتة "الجدل" أو "حرية التعبير"، حين لا تعدو كونها تشهيراً بمجتمعٍ ديني بأكمله.
لكنّ الحلّ لا يمكن أن يكون قانونياً أو مؤسّسياً بحتاً. يجب أن يكون مدنياً أيضاً. نحتاج إلى روايةٍ أفضل عن بريطانيا من تلك التي يُقدّمها المستفيدون من الانقسام. المواطنة لا يمكن أن تكون مشروطة.
طفلٌ مسلم يشعر بالأمان والتقدير في بريطانيا لا يجعل أحداً أقلّ بريطانية. مسجدٌ يخدم مجتمعه المحلي لا يُضعف البلد. التنوّع، حين يقوم على الاحترام المتبادل والمواطنة المشتركة، ليس تهديداً للتماسك الوطني، بل هو جزءٌ من الواقع المعاش لبريطانيا.
مهمّتنا ليست أن نصف كلّ مواطنٍ قلق بالكراهية أو العنصرية، ولا أن نتظاهر بأنّ مشكلات بريطانيا وهمية. مهمّتنا هي الفصل بين القلق العام الحقيقي وبين من يستغلّونه.
علينا أن نتحدّث إلى مخاوف الناس دون أن نُغذّي التحيّز، وأن نبني قضيةً مشتركة حول ما يهمّ فعلاً: خدماتٌ عامة لائقة، ومجتمعاتٌ آمنة، ومستقبلٌ مستقر، وبلدٌ لا يُعامَل فيه أحدٌ كغريبٍ في وطنه.
المسلمون البريطانيون مستعدّون للمشاركة في هذا العمل، كما كانوا دائماً. نقف ضدّ الكراهية الموجَّهة نحو أيّ مجتمع، ليس لأنّها خاطئةٌ وحسب، بل لأنّنا نؤمن ببريطانيا أقوى: بريطانيا لا يُلاعَب فيها الناس بمخاوفهم من جيرانهم، وبريطانيا لا يتحوّل فيها الاختلاف إلى تجريدٍ من الإنسانية، وبريطانيا تعني فيها الوحدة أكثر من مجرّد رفع الأعلام بينما تُمزَّق المجتمعات.
اليمين المتطرّف يُقدّم الانقسام ويُسمّيه قوّة. علينا نحن أن نُقدّم ما هو أفضل: التضامن والكرامة والمستقبل المشترك.
أخبار ذات صلة

إسرائيل تُدرج في «قائمة الأمم المتحدة السوداء» لجرائم العنف الجنسي في مناطق النزاع

استخدام القوة ضد ناشطي فلسطين في محاكمة ألمانية تحت المجهر

مليزيا تُحضّر دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضدّ إسرائيل بتهمة تعذيب ناشطي أسطول غزة
