الذكاء الاصطناعي وتأثيره الحقيقي على توظيف الخريجين
رغم تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لم تسجل بطالة خريجي الجامعات الجدد ارتفاعًا غير معتادًا وتبقى فرص التوظيف مستقرة مما ينفي وجود أزمة تسريح واسعة كما يظهر في أحدث الدراسات على وورلد برس عربي.

يشير رقمٌ واحد إلى ما قد لا يظهر في عناوين الصيف الأخيرة عن «موجة تسريح الخريجين»: بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الأمريكية الجدد في صيف 2026 نحو 7.3%، أي ضمن النطاق ذاته الذي تحرّكت فيه هذه النسبة منذ عام 2022 من 6.3% في تلك السنة إلى 7.8% في صيف 2024. الرقم لا يشي بأزمةٍ استثنائية، رغم أنّ صيف 2026 هو أوّل صيفٍ يدخل فيه خرّيجون إلى سوق العمل في ظلّ استخدامٍ متسارع للذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل.
هذا ما خلصت إليه ورقة بحثية جديدة صادرة عن البحثية في ميونيخ، أعدّها الباحثان Robert Fairlie وJane Wu، ونُشرت ضمن سلسلة أوراق العمل الاقتصادية للمركز. الاستنتاج المركزي واضح ومباشر: «لا يوجد دليلٌ على أيّ إحلال واسع النطاق أو تراجعٍ ملموس في توظيف خرّيجي الجامعات الجدد، سواءً بالقيم المطلقة أو النسبية»، بحسب نصّ الورقة البحثية.
لماذا يُفضَّل التوظيف على الفصل كمؤشرٍ مبكر؟
اختار الباحثان التركيز على معدّلات التوظيف بدلاً من حالات الفصل المباشر لسببٍ منهجي دقيق: «لأنّ التغيّرات في الطلب على العمالة قد تظهر أوّلاً عبر تراجع التوظيف» قبل أن تنعكس في تسريحاتٍ فعلية. الفرضية الكامنة هنا أنّ الشركات، حين تعتمد الذكاء الاصطناعي، تميل إلى أتمتة «المهام المعيارية نسبيًا» (relatively standardized tasks) المرتبطة بالوظائف المبتدئة، بدلاً من الاستغناء عن موظفين ذوي خبرة متراكمة. بعبارةٍ أخرى، الإشارة الأضعف التي يبحث عنها الباحثون ليست في عدد المطرودين، بل في عدد الوظائف التي لم تُفتَح أصلاً.
اعتمدت الدراسة على بيانات دقيقة من مسح القوى العاملة الحالي التابع لمكتب الإحصاء الأمريكي (Current Population Survey)، وشملت خرّيجي البكالوريوس بين 22 و25 عامًا ممّن لا يتابعون دراساتٍ عليا. وغطّت التحليل الفترة من 2022 عام عودة التوظيف إلى مستويات ما قبل الجائحة، وهو العام نفسه الذي أُطلق فيه ChatGPT حتى صيف 2026. كما قارن الباحثان هذه الفئة بمجموعتين مرجعيّتين: خرّيجي التعليم غير الجامعي في الفئة العمرية نفسها (22-25 عامًا)، وخرّيجي الجامعات الأكبر سنًّا (30-49 عامًا)، مع تصنيف الوظائف بحسب درجة تعرّضها المحتمل للذكاء الاصطناعي استنادًا إلى دراسةٍ سابقة لعام 2023 حدّدت الأدوار الوظيفية الأكثر قابليةً للأتمتة. النتيجة: معظم الفروقات بين المجموعات خلال الفترة 2022-2026 لم تكن ذات دلالةٍ إحصائية معتبرة. كذلك أعاد الباحثان الاختبار باستخدام مقاييس موسّعة تشمل من «يريدون وظيفة» (want a job) دون أن يكونوا مصنّفين رسميًّا كـ«عاطلين» (unemployed) لأنهم لا يبحثون عنها بنشاط فجاءت النتيجة متماسكة: لم تكن بطالة خريجي صيف 2026 مرتفعةً بشكلٍ غير معتاد مقارنةً بالصيفَين السابقين.
بين فينك وأندريسن... وستانفورد
هذا الاستنتاج يصطدم مباشرةً بموجةٍ من التحذيرات الصادرة هذا العام. في مارس، حذّر Larry Fink، الرئيس التنفيذي لشركة BlackRock، من أنّ «السرعة التي يتغيّر بها الذكاء الاصطناعي» قد تدفع نحو مستوياتٍ غير معتادة من البطالة بين خريجي هذا العام «حتى دون ركودٍ اقتصادي»، على حدّ تعبيره. وفي وقتٍ سابق من العام، قال المستثمر Marc Andreessen إنّ الذكاء الاصطناعي «حتى ديسمبر 2025 لم يكن في الواقع جيّدًا بما يكفي لأداء أيٍّ من الوظائف التي يجري تسريحها فعليًّا الآن»، في إشارةٍ إلى أنّ القدرات التقنية بلغت مؤخّرًا عتبةً تسمح ببعض تسريحات الوظائف هذا العام، وفق تصريحاته.
الشهر الماضي، جاءت دراسة من جامعة Stanford لتدعم هذا الاتجاه، إذ رصدت تراجعًا في التوظيف عند مستوى الدخول في المهن الأكثر تعرّضًا للذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى بيانات كشوف الرواتب الصادرة عن شركة ADP. هنا يكمن الفارق المنهجي الذي يستحقّ التوقّف عنده: بيانات ADP تقيس العرض الوظيفي عبر القطاعات أي عدد الوظائف المتاحة فعليًّا بينما تعكس بيانات مكتب الإحصاء المستخدمة في دراسة CESifo الطلب الكلّي على الوظائف. وبما أنّ العرض قد ينكمش في لحظةٍ معيّنة بينما يتحوّل الطلب في اتجاهٍ مختلف في الوقت نفسه، فإنّ الدراستين قد تكونان صحيحتين كلٌّ من زاويتها، دون أن تتناقضا بالضرورة.
ويكتسب هذا التباين وزنًا إضافيًّا في ضوء مؤشراتٍ أخرى تدعم فرضية التسارع: أظهر مسح لمكتب الإحصاء الأمريكي زيادةً حادّة في عدد الشركات التي «تستبدل عددًا كبيرًا من مهام الموظفين بالذكاء الاصطناعي»، فيما ارتفع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لكلّ موظف خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، إلى جانب زيادةٍ في استخدام «الرموز» (tokens) داخل خدمة ChatGPT Enterprise التابعة لـOpenAI في الفترة نفسها.
اختبارٌ أوّل، لا حكمٌ نهائي
يصف الباحثان نتائج صيف 2026 بأنّها «اختبارٌ أوّل مفيد» (useful first test) لتسارع استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، لا حكمًا نهائيًّا على مسار السنوات المقبلة. وهما يحذّران صراحةً من استقراء الاتجاهات المستقبلية من هذه النتيجة الأولية، مشيرَين إلى أنّه «إذا استمرّت كثافة استخدام الذكاء الاصطناعي في مكان العمل بالتزايد، فقد تتأثّر دفعات خريجي 2027 وما بعدها أكثر من دفعة 2026، وستكون هناك حاجةٌ إلى سنواتٍ إضافية من البيانات لتحديد ما إذا كانت الآثار ستظهر مع تعمّق استخدام الذكاء الاصطناعي في مكان العمل».
بناءً على ما تقدّم، يمكن رسم ثلاثة مسارات لبطالة الخريجين الجدد في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة المقبلة. الأرجح، استمرار النمط الحالي لموسمٍ أو موسمين إضافيَّين، مع بقاء التغيّرات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي محصورةً في مهامَّ معيارية محدودة لا تنعكس بعد على المؤشرات الكلّية. المحتمل، ظهور فجوةٍ تدريجية تتّسع بدءًا من دفعة 2027 مع تعمّق أتمتة الوظائف المبتدئة، بما يتوافق مع إشارات الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي وتوسّع استخدامه داخل الشركات. الأقلّ احتمالًا، حدوث قفزةٍ حادّة ومفاجئة في بطالة الخريجين خلال موسمٍ واحد، وهو سيناريو يتطلّب تسارعًا تقنيًّا وتنظيميًّا يفوق ما ترصده البيانات المتاحة حاليًّا. والفيصل، كما يقرّ الباحثان أنفسهم، لن يظهر إلا مع تراكم بياناتٍ إضافية من المواسم المقبلة.
أخبار ذات صلة

تراجع Crusoe عن خطة بـ 1.25 مليار دولار لتوربينات Boom في مراكز البيانات

وايمو تتسارع: ماذا تكشف أرقام الأسطول الفعلية

ارتفاع أسعار الخدمات: Disney+ و Hulu تنضمّان إلى موجة التضخّم في البث المباشر
