صوت واحد يغير مستقبل الطاقة النظيفة في أمريكا
في مقاطعة صغيرة بولاية إلينوي صوت واحد فقط قلب قرار مجلس محلي بالموافقة على مشروع طاقة رياح بقدرة 300 ميغاواط ما يفتح الباب أمام مستقبل الطاقة النظيفة الذي يتحدد اليوم في قاعات المجالس المحلية وليس في واشنطن وورلد برس عربي


في مقاطعة كولز بولاية إلينوي، فصل صوتٌ واحد بين الموافقة والرفض: بنتيجة 6 مقابل 5، أقرّ مجلس المقاطعة مشروع Coles Wind بقدرة نحو 300 ميغاواط، بُعيد جلسة استماعٍ علنية عُقدت في يوليو الماضي. الفارق الضئيل ليس تفصيلاً عابراً؛ إنه نافذة على نظامٍ أوسع بكثير من مقاطعة صغيرة في الغرب الأوسط الأمريكي، نظامٌ يتقرّر فيه مستقبل جزءٍ من الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة ليس في واشنطن ولا في قاعات المفاوضات المناخية الدولية، بل في قاعات مجالس مقاطعاتٍ محلية، حيث يكفي عددٌ صغير من الأصوات المؤيدة لتغيير نتيجة تصويت.
لماذا يتوقف مستقبل الرياح والشمس عند باب المجلس المحلي؟
ما قد لا يظهر في العناوين التي تتابع توسّع مشاريع الرياح والشمس في أمريكا هو أنّ نقطة الاختناق الحقيقية لم تعد التمويل ولا التكنولوجيا، بل التصاريح المحلية. يقول مات ترالدي، مؤسس المنظمة غير الربحية Greenlight America ومديرها التنفيذي، إنّ هذا هو أكبر عائقٍ أمام خفض انبعاثات قطاع الكهرباء اليوم. وفق تعبيره: «الحكومات المحلية لا تقرّر ما إذا كان تغيّر المناخ حقيقياً، ولا حتى ما إذا كانت الطاقة النظيفة أمراً جيداً، بل تقرّر: هل نبني هذا الشيء هنا؟». والسؤال الذي يحكم قرار كثيرٍ من أعضاء المجالس، بحسب ترالدي، هو: «ماذا يريد ناخبونا؟ وهل سأُعاد انتخابي إذا وافقت على هذا؟». في مجتمعاتٍ تسود فيها المعارضة، تتحوّل الموافقة إلى ما يصفه ترالدي بـ«انتحارٍ سياسي» لعضو المجلس؛ وفي مجتمعاتٍ يظهر فيها الدعم بوضوح، يمكن للمشروع أن «يمرّ بسلاسة».
والبيانات تدعم هذه القراءة: نحو ربع مقاطعات الولايات المتحدة يفرض قيوداً على تطوير الطاقة المتجددة. وتضاف إلى ذلك حملات تضليلٍ منظّمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف تأثيرات الطاقة المتجددة على الأراضي الزراعية والصحة والحياة البرية وغيرها وهي حملاتٌ تجد بيئة خصبة في المجتمعات الريفية التي تستضيف غالبية المشاريع المقترحة. ومع ذلك، تشير بيانات مسحٍ أجراه برنامج ييل للتواصل بشأن تغيّر المناخ في أبريل الماضي إلى أنّ نحو نصف الأمريكيين يؤيدون مشاريع الطاقة الشمسية والرياح في مناطقهم. الفجوة بين هذا التأييد الصامت وصخب المعارضين في جلسات الاستماع العلنية هي الإشارة الأضعف في هذه القصة: المؤيدون موجودون، لكنهم غالباً لا يتكلمون.
دوروثي ميسي: كيف حوّلت معلّمة متقاعدة صوتها إلى رقمٍ حاسم
هنا تدخل دوروثي ميسي، المعلّمة المتقاعدة التي تقيم في مقاطعة كولز منذ 30 عاماً وارتاد أبناؤها مدارس تشارلستون العامة. لم تكن ميسي ناشطة مخضرمة؛ بل واحدة من نحو اثني عشر مؤيداً فقط ظهروا لدعم مشروع Coles Wind. تقول عن قرارها الشهادة أمام مجلس المقاطعة: «هناك أشخاص أفضل مني، أشخاص يمكنهم التحدث أمام مجالس المقاطعات، وهم بارعون في ذلك». لكنها أضافت: «لكنني أهتم. قررت: أستطيع فعل هذا».
في شهادتها أمام المجلس في يوليو الماضي، ركّزت ميسي على البُعد المالي المباشر الذي يهمّ الناخبين المحليين أكثر من أي خطاب مناخي عام. فبحسب توقعات شركة Apex Clean Energy المطوّرة للمشروع، سيولّد Coles Wind أكثر من 81 مليون دولار من الضرائب على مدى 30 عاماً، منها أكثر من 43 مليون دولار تذهب مباشرة إلى المدارس المحلية. قالت ميسي للمجلس: «هذا مصدر دخل جديد سيوفر أموالاً لمدارسنا العامة في تشارلستون»، وأضافت: «وسيبقي ضرائبي منخفضة». بعد الجلسة بوقتٍ قصير، صوّت المجلس بأغلبية 6 مقابل 5 على الموافقة على المشروع الذي كان يتطلب تصريحاً خاصاً من المقاطعة.
بعد أشهرٍ قليلة، عادت ميسي لتدعم مشروعاً ثانياً هو Glacier Moraine Solar، بقدرة 210 ميغاواط. هذه المرّة رفض المجلس التصريح في مرحلته الأولى، قبل أن يعكس قراره في أكتوبر ويوافق على المشروع، بحسب ما نقلته قناة WCIA المحلية. واليوم، كلا المشروعين الرياح والشمس قيد الإنشاء الفعلي.
من صوتٍ واحد إلى 44 ألف سيارة: حساب الأثر
يقيس ترالدي وزن مشاركةٍ فردية كهذه بلغة مضاعِفة. تُقارن Greenlight America مشروعاً شمسياً بقدرة 270 ميغاواط بإزالة 44 ألف سيارة تعمل بالبنزين من الطرق. وحين يظهر شخصٌ واحد في جلسة استماعٍ حاسمة ويقلب نتيجة التصويت لصالح مشروعٍ كهذا، يصف ترالدي الأثر بقوله: «قد تظن أنّ التحوّل إلى سيارة كهربائية هو أحد أهم القرارات التي يمكنك اتخاذها»، ثم يضيف: «الأمر أشبه بأن تفعل ذلك نحو 10 آلاف مرة». هذا هو جوهر الحجة التنظيمية: خمسة أو عشرة مؤيدين حاضرين في القاعة الصحيحة، في اللحظة الصحيحة، يكفون لقلب نتيجة تصويتٍ يفوق أثره المناخي عشرات آلاف القرارات الفردية.
كيف يتحوّل مواطنٌ عادي إلى مؤيدٍ فعّال؟
القصة لا تكتمل بدون الشبكة التي دعمت ميسي. فقد شجّعتها سيندي شيبرد، مديرة الفريق الأخضر في منظمة Faith in Place، على دعم مشروعي الرياح والشمس في مقاطعة كولز، وساعدتها في إعداد خطاباتها. وتوصي شيبرد وغيرها بأن يتضمن خطاب المؤيد أمام مجلسٍ محلي أربعة عناصر بسيطة: الشكر، ثم بيان الموقف، ثم أسباب الدعم، ثم إعادة تأكيد الموقف في الختام.
في بنسلفانيا، تنظّم لاريسا ميدنيس، منسّقة المناصرة في Clean Air Council، شبكة مؤيدين عبر الهاتف والرسائل النصية، بالتعاون مع Environmental Integrity Project وائتلاف Beaver County Marcellus Awareness Coalition ومنظمة Veterans Power America. تقول ميدنيس عن تجربتها: «من الرائع حين يتواصل الناس معنا بمبادرةٍ ذاتية»، وتنصح المؤيدين المحتملين بالبحث أولاً في حجم المشروع وموقعه وفوائده على المجتمع. وتلاحظ أنّ الحجج التي تلقى صدى أكبر لدى المجتمعات المحلية هي الفوائد الاقتصادية وحقوق الملكية الخاصة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمزارعين. وتوضح: «كثير من هذه المشاريع تُقام على أراضٍ خاصة»، مضيفة: «المزارعون الذين يؤجّرون أراضيهم يمكنهم الحصول على دخلٍ ثابت من ذلك».
أما جيف ريسلي، مدير جمعية Renewable Energy Farmers of America، فيقدّم نصيحة تخص كيفية التعامل مع المعارضين قبل أي شيءٍ آخر: «استمع قبل أن تتكلم»، ويضيف: «اسألهم عن مخاوفهم الحقيقية... تعاطف معهم بأنك تدرك أنّ هذا تغيير». لكنه يقرّ أيضاً بأنّ بعض المعارضين الأشدّ تصلّباً قد لا يغيّرون موقفهم مهما قُدّم لهم من معلومات وهو تمييزٌ مهم بين إقناع المتردد ومحاولة تحويل الرافض المطلق. ولمن يبحث عن أدواتٍ لمواجهة الحجج المضللة تحديداً، جمع مركز Sabin Center for Climate Change ردوداً موثّقة على أكثر الادعاءات شيوعاً ضد الطاقة النظيفة، كما تتوفر موارد أخرى حول كيفية الرد على التضليل بشأن الطاقة النظيفة وتتبّع كيفية انتشار هذا التضليل عبر منصات التواصل.
أين يبدأ المهتم؟
يمكن للمهتمين معرفة المشاريع المقترحة في مناطقهم عبر الصحف المحلية والتلفزيون والراديو والمكتبات العامة والمواقع الإلكترونية للمطوّرين، إضافة إلى Facebook وNextdoor. ولمن يبحث عن دعمٍ تنظيمي مباشر، تتيح Greenlight America نموذج "اسأل منسّقاً" للتواصل مع منظّمين محليين، وتقدّم دليلاً إرشادياً حول الطاقة النظيفة. كما تحتفظ منظماتٌ بيئية أخرى بفروعٍ محلية على امتداد الولايات المتحدة، من بينها League of Conservation Voters وThe Climate Reality Project وSolar United Neighbors وThird Act، إلى جانب دليلٍ عام حول كيفية إبداء الرأي في اجتماعات الحكومات المحلية. وتشير تقارير سابقة إلى أنّ نسبة كبيرة من مقاطعات أمريكية تفرض قيوداً على مشاريع الطاقة المتجددة، وأنّ المعارضة المحلية لهذه المشاريع تتصاعد في بعض المجتمعات وهو ما يجعل تنظيم المؤيدين، لا مجرد وجودهم، هو العامل الحاسم.
تختم ميسي تجربتها بنصيحةٍ بسيطة موجّهة لمن يتردد في الحديث علناً: «شعرتُ تماماً كما تشعرون الآن، قبل أن أفعلها لأول مرة مع مشروع Apex للرياح»، ثم تضيف: «إذا كنت أؤمن بهذا، فعليّ أن أقول شيئاً». وخلاصتها لكل من يفكر في التغيّب عن جلسة استماعٍ محلية: «إذا كنت تريد حقاً أن يحدث هذا، فلا يمكنك أن تصمت».
ثلاثة مسارات محتملة لما هو آتٍ في هذا الملف: الأرجح أن يستمر النمط الحالي تصويتاتٌ متقاربة تُحسم بفارق صوتٍ أو صوتين، حيث يظل حضور عشرة مؤيدين منظَّمين كافياً لقلب النتيجة في غياب معارضةٍ منظمة بالقدر نفسه. المحتمل أن تتوسع نماذج التنظيم الهاتفي والرقمي التي تتبناها جهاتٌ مثل Greenlight America وClean Air Council لتغطي عدداً أكبر من المقاطعات الريفية، ما يرفع تدريجياً معدل الموافقة على المشاريع في المناطق التي كانت تُعتبر حتى الآن بيئة طاردة. الأقل احتمالاً أن تنجح حملات التضليل المنظمة عبر منصات التواصل في عكس اتجاه الرأي العام المحلي بشكلٍ حاسم بحلول الموعد الذي يقيسه ييل في مسحه المقبل، إذ تشير بيانات الدعم الحالية رغم صمت نصفها إلى أرضيةٍ أكثر ثباتاً مما توحي به صخب جلسات الاستماع.
أخبار ذات صلة

الطاقة الشمسية في أمريكا: هل بدأ النمو يتراجع؟

الجمهوريون يكتشفون الطاقة الشمسية: صوتٌ جديد في المعادلة

الولايات المتحدة نحو شتاء إل نينيو غير مسبوق: السيناريوهات المحتملة
