الطاقة المتجددة تغطي زيادة الطلب على الكهرباء في أمريكا
الطلب على الكهرباء في أمريكا يرتفع والطاقة المتجددة تغطي كامل الزيادة دون الحاجة للفحم أو النووي. الشمس والرياح تتصدران المشهد رغم تباطؤ نمو الطاقة الشمسية بسبب تقليل الدعم الحكومي. تعرف على تفاصيل التحول الطاقي مع وورلد برس عربي.

في السطر الإحصائي الذي نشرته وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (Energy Information Agency) عن الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، رقمان يتطابقان بدقة تكاد تكون رمزية: زاد الطلب على الكهرباء في الشبكة الأمريكية بمقدار 51 تيراواط/ساعة، بينما زاد إنتاج الرياح والطاقة الشمسية مجتمعَين بمقدار 55 تيراواط/ساعة. بعبارة أخرى، غطّت مصادر الطاقة المتجدّدة وحدها كامل الزيادة في استهلاك الكهرباء الأمريكي هذا العام، من دون الحاجة إلى أي مساهمة صافية إضافية من الوقود الأحفوري أو الطاقة النووية. هذه هي الإشارة التي قد لا تظهر في العناوين، لكنها تختصر المسار الذي تسير فيه الشبكة الأمريكية أكثر من أي رقمٍ آخر في التقرير.
لماذا يتسارع الطلب على الكهرباء من جديد؟
بعد عقودٍ من الاستقرار النسبي في استهلاك الكهرباء الأمريكي استقرارٌ اتّكأ في مطلع الألفية الثانية على تحسّنات الكفاءة أكثر من أي عاملٍ آخر يبدو أن الاتجاه ينعكس تدريجياً. ارتفع استخدام الكهرباء بنسبة 2% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو رقمٌ أقل من نسبة 3% المسجَّلة في الفترة المقارنة السابقة، لكنه يظل جزءاً من نمطٍ تصاعدي تغذّيه موجة الكهرباء (Electrification) من السيارات الكهربائية إلى مضخّات الحرارة. ثمة تفصيلٌ منهجي يستحق الذكر هنا: مراكز البيانات التي تولّد كهرباءها موقعياً لا تظهر بالكامل في أرقام الطلب على الشبكة، ما يعني أن الرقم الفعلي للاستهلاك الكهربائي في الاقتصاد الأمريكي قد يكون أعلى مما تسجّله بيانات الشبكة وحدها.
الطاقة الشمسية تتباطأ فيما تتقدّم على الفحم
الإشارة الأضعف في التقرير، والتي قد تفسّر لماذا لا يُترجَم النمو المطّرد في الطلب إلى قلقٍ حاد بشأن أمن الإمداد، هي أن الطاقة الشمسية رغم تباطؤ وتيرة نموها ما زالت تتصدّر مصادر التوليد الجديدة. فقد تجاوزت معدّلات نمو الطاقة الشمسية 30% سنوياً في عدة أرباعٍ سابقة، لكنها هبطت حتى سبتمبر 2026 إلى 22%، مضيفةً 48 تيراواط/ساعة مقارنةً بـ39 تيراواط/ساعة أُضيفت في الفترة المقارنة من 2025. التباطؤ نفسه، رغم كونه ملحوظاً، لم يمنع الطاقة الشمسية من الوصول إلى إنتاجٍ يعادل 72% من إنتاج الفحم خلال الأشهر السبعة الأولى من العام وهي نسبةٌ كانت غير متصوَّرة قبل سنوات قليلة. الطاقة الشمسية الصغيرة الحجم (كالألواح المنزلية على الأسطح) واصلت نموّها بأكثر من 12% سنوياً، بمعزلٍ عن أرقام الشبكة الرئيسية.
هذا التباطؤ في وتيرة النمو الشمسي لا ينفصل عن قرارٍ سياسي: أزالت الحكومة الفدرالية حوافز الطاقة المتجددة التي كانت تدعم التوسّع، ما قد يُبطئ معدلات التركيب في المرحلة المقبلة، رغم أن الطاقة الشمسية لا تزال توصَف بأنها الوسيلة الأرخص لتلبية الطلب المتصاعد على الكهرباء.
الفحم يتراجع، والغاز والنووي يقفان على أرضٍ مستوية
في المقابل، تراجع إنتاج الفحم بما يزيد قليلاً على 10% على أساسٍ سنوي، مستمراً في انحدارٍ بنيوي طويل الأمد يعكسه غياب أي مشروعٍ جديد للفحم قيد التطوير حالياً في الولايات المتحدة آخر محطة فحم أمريكية جديدة اكتملت قبل 13 عاماً. أما مصادر التوليد الأخرى فتحرّكت بوتائر متفاوتة: الطاقة الكهرومائية زادت بنسبة 9%، والرياح بنسبة 6%، بينما ظلّت الطاقة النووية والغاز الطبيعي في حدود نموٍّ أقل من 2% لكل منهما ما يشير إلى أن الثقل الحقيقي للنمو يقع بالكامل تقريباً على عاتق الشمس والرياح والمياه.
من حيث الحصص الإجمالية، توفّر الرياح والطاقة الشمسية مجتمعتين 21% من الطلب الأمريكي على الكهرباء، وترتفع هذه النسبة إلى 27% إذا أُضيفت الطاقة الكهرومائية ضمن مظلة المتجددات، بينما تبلغ حصة المصادر غير المنبعثة للكربون بما فيها الطاقة النووية 45% من الاستهلاك الأمريكي. (قد لا تصل مجموع هذه النسب إلى 100% بدقة بسبب مصادر ثانوية كالطاقة الحرارية الأرضية والديزل).
المقارنة مع الاتحاد الأوروبي تكشف فجوة الطموح: توفّر الرياح والطاقة الشمسية نحو 30% من توليد الكهرباء الأوروبي أعلى بقليل من النسبة الأمريكية بينما تبلغ حصة المصادر الخالية من الانبعاثات 65%، وترتفع إلى 71% إذا احتُسبت الطاقة الحيوية التي تُوصَف بأنها محايدة كربونياً إلى حدٍّ كبير وإن لم تكن خالية من الانبعاثات بالكامل.
الرياح البحرية تتراجع فيما تتوسّع البطاريات براً
أكثر الإشارات دلالةً على مسار السياسة الأمريكية للطاقة تظهر في ملف الرياح البحرية. لا تزال هناك مشروعان كبيران للرياح البحرية متوقَّع اكتمالهما قبالة الساحل الشرقي، أحدهما بقدرة 2.6 غيغاواط قبالة سواحل فيرجينيا، لكن ما وراء هذين المشروعين يبدو فارغاً: دفعت إدارة ترامب لمطوّرين آخرين مقابل التوقّف عن بناء مشاريع مماثلة، وقد لا تعاود مشاريع الرياح البحرية المشابهة الظهور قبل ثلاثينيات هذا القرن.
في المقابل، يستمر التوسّع في الرياح البرّية عبر منطقتي الغرب الأوسط والسهول الوسطى، بينما تتقدّم الطاقة الشمسية في الغرب الأوسط والسهول والجنوب، مع مشاريع لافتة في ميشيغان وويسكونسن وهما ولايتان شمالتيان ربما لم تكونا مجديتين اقتصادياً لمشاريع شمسية حتى وقتٍ قريب. أما البطاريات، فتخرج من معقلَيها التقليديين في كاليفورنيا وتكساس لتصل إلى أريزونا وكولورادو، فيما تُقرَن منشآت شمسية جديدة في ميشيغان بعدّة بطاريات، وتنتظر جورجيا تركيب منشأة بطاريات كبيرة. محطات الغاز الطبيعي الجديدة، من جهتها، تتركّز أساساً في الغرب الأوسط وتكساس، فيما لا توجد أي محطة نووية أو محطة فحم جديدة مجدوَلة للاكتمال في المدى المنظور.
ثلاثة مسارات محتملة للربع المقبل
الأرجح أن يستمر النمط الحالي دون تغيّر جوهري: تباطؤٌ تدريجي في وتيرة إضافة الطاقة الشمسية بفعل إزالة الحوافز الفدرالية، مع بقاء الرياح والشمس والبطاريات كافيةً لتغطية الزيادة المتوقعة في الطلب، دون الحاجة إلى نموٍّ صافٍ ملموس في الفحم أو النووي.
المحتمل أن يتسارع الطلب على الكهرباء بوتيرة تفوق التوقعات الحالية مدفوعاً بموجة الكهرباء الأوسع من السيارات الكهربائية ومضخّات الحرارة، إلى جانب توسّع مراكز البيانات بما يجعل مساهمة الغاز الطبيعي الجديد في الغرب الأوسط وتكساس أكثر أهمية مما تشير إليه الأرقام الحالية.
الأقل احتمالاً أن يؤدي غياب الحوافز الفدرالية إلى تباطؤٍ حاد في التركيبات الشمسية بما يتجاوز التوقعات، ما قد يفتح فجوةً بين نمو الطلب ونمو العرض من المصادر المتجددة تُضطر معها الشبكة إلى الاعتماد بشكلٍ أكبر على الغاز الطبيعي لسدّها. بيانات وكالة معلومات الطاقة (يمكن متابعتها عبر تقاريرها الشهرية) ستكون الفيصل في تحديد أيّ من هذه المسارات يتحقق فعلياً خلال الأشهر المقبلة.
أخبار ذات صلة

الدفاع عن مشاريع الطاقة المتجددة في منطقتك

الجمهوريون يكتشفون الطاقة الشمسية: صوتٌ جديد في المعادلة

الولايات المتحدة نحو شتاء إل نينيو غير مسبوق: السيناريوهات المحتملة
