الحوار البنّاء بين ألمانيا وإسرائيل وهمٌ قاتل
ألمانيا تعرقل مقترح إسباني لتعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل بسبب انتهاكات حقوق الإنسان. وزير الخارجية الألماني يدعو للحوار رغم المجازر المستمرة في غزة والضفة. هل يكفي الحوار أمام الإبادة الجماعية؟ اقرأ المزيد على وورلد برس عربي.

كان متوقّعاً أن يحدث هذا.
في 21 أبريل، أقدمت ألمانيا بالتنسيق مع إيطاليا على عرقلة مقترحٍ تقدّمت به إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا يدعو إلى تعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وذلك على خلفية انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وحربها الإبادية على غزة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وحتى لو كانت هذه الخطوة ستُحدث تغييراً محدوداً في أحسن الأحوال إذ كانت إسرائيل ستحتفظ بوصولها المميّز إلى السوق الأوروبية فإنّ ردّ الفعل الألماني جاء فاضحاً بامتياز؛ إذ أعلن وزير الخارجية الألماني Johann Wadephul أنّ مبادرة الدول الثلاث غير لائقة، قائلاً: "علينا أن نتحدّث مع إسرائيل حول القضايا الحرجة... وهذا يجب أن يتمّ عبر حوارٍ نقدي وبنّاء معها."
هذا ما يقوله الوزير بعد ما يزيد على سنتَين ونصف من الإبادة الجماعية في غزة وحصار المساعدات الإنسانية؟ في ظلّ وحشيةٍ غير مسبوقة في الضفة الغربية يرتكبها مستوطنون صهاينة بدعمٍ من قوات الاحتلال الإسرائيلي في ما يُشبه "نكبةً ثانية" بعد شهورٍ من قتل المدنيين في لبنان وتدمير بنيته التحتية بالكامل، تماماً كما فعلت آلة الحرب الاستيطانية في غزة، وقصف المناطق السكنية الإيرانية؟
بدلاً من اتخاذ موقفٍ حازم إزاء هذه المجازر المتواصلة، لا يقدّم Wadephul سوى كلامٍ فارغ عن المسؤولية التاريخية الألمانية ، مع ترديدٍ ببغائي لعبارة "الحوار البنّاء" مع القتلة.
في تسعة عشر شهراً، لم يُسفر هذا "الحوار البنّاء" عن أيّ نتيجةٍ تُذكر لصالح ضحايا الصهيونية. ومع ذلك يُصرّ Wadephul على مواصلته، ممّا يدفعنا إلى التأمّل فيما يعنيه هذا النوع من الحوار فعلاً.
الحوار البنّاء
"الحوار البنّاء هو شكلٌ من أشكال التواصل يسعى فيه أصحاب وجهات النظر المختلفة إلى فهم بعضهم البعض دون التخلّي عن قناعاتهم بهدف التعايش والتعلّم والعمل معاً. وهو مناسبٌ بشكلٍ خاص لمعالجة القضايا المهمّة والمعقّدة التي كثيراً ما تُفرّق الناس."
إذا كان هذا هو تعريف الخبراء، فإنّ مثل هذا الحوار بين ألمانيا وإسرائيل لا لزوم له البتّة.
حين يتعلّق الأمر بالإبادة الجماعية وعنف المستوطنين والنكبة المستمرّة منذ عقود وتدمير جنوب لبنان وقصف الأحياء السكنية اللبنانية والإيرانية، فإنّ برلين والكيان الصهيوني لا يملكان "وجهتَي نظرٍ مختلفتَين" تحتاجان إلى توضيح. إنّهما "يتفاهمان" تماماً، ولا يضطرّ أيٌّ منهما إلى "التخلّي عن قناعاته"، وليس ثمّة جريمةٌ من هذه الجرائم من شأنها أن "تُفرّق" بينهما.
ويُضيف المصدر ذاته: "في جوهره، يُقدّم الحوار البنّاء التفاهم المتبادل أولويةً قصوى: أي السعي المشترك لفهم وجهات نظر الآخرين مع العلم بأنّهم يبذلون الجهد ذاته تجاهك. ومن خلال هذه العملية، قد يُثري المشاركون رؤيتهم، ويُوضّحون خلافاتهم، ويكتشفون أرضيةً مشتركة، أو يفتحون آفاقاً للتعاون المستقبلي بدت يوماً بعيدة المنال."
هذا يُساعدنا على فهم سبب كون هذا الحوار عديم الجدوى أصلاً.
في ضوء جرائم الحرب المتواصلة التي يرتكبها الكيان الصهيوني، يتوفّر أصلاً "تفاهمٌ متبادل" بينه وبين ألمانيا. ومن البديهي أنّ المستشار الألماني Friedrich Merz لا يرى فيما أعلنه أصدقاؤه المقرّبون وما نفّذوه و يواصلون تنفيذه في غزة وما وراءها أيَّ إبادةٍ جماعية.
في "الحوار البنّاء"، لا تستطيع برلين والكيان الصهيوني أن "يُثريا" رؤيتَيهما أو "يُوضّحا خلافاتهما"، لأنّهما متّفقان تماماً على كلّ ما يفعله الصهاينة.
ولا يحتاجان إلى "اكتشاف أرضيةٍ مشتركة"، لأنّهما شريكان في الإبادة وحليفان في الميدان. ولا مجال لـ"فتح آفاق تعاونٍ مستقبلي"، لأنّ مشروع الإبادة الذي يستهدف الشعب الفلسطيني كان مشتركاً منذ البداية، وكذلك الحال مع ما تلاه من تدمير للبنان والضرب العسكري لإيران. لم يكن أيٌّ من هذا "بعيد المنال" في يومٍ من الأيام.
قنابل دخان
حين وجد Wadephul نفسه تحت ضغط الدول الأعضاء الثلاث في الاتحاد الأوروبي، لجأ إلى حيلةٍ مجرَّبة لا تعدو كونها خداعاً بالجملة، وهو ما تكشفه قراءةٌ أخرى في ما لا يعنيه "الحوار البنّاء":
"الحوار البنّاء ليس إقناع الآخرين أو الفوز في جدلٍ، وليس إثبات خطأ الطرف الآخر. وإن كانت هذه أهدافاً مشروعةً في أشكالٍ أخرى من الحوار، فإنّها ليست غايات الحوار البنّاء."
وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل ألمانيا تتمسّك بـ"الحوار البنّاء". فهو بتعريفه يستبعد كلّ ما يجب فعله فعلاً.
هذا "الحوار البنّاء" المنافق مصمَّمٌ لإعفاء وزير الخارجية الألماني من واجبه الحقيقي: إقناع الصهاينة بوقف جرائمهم البشعة والضغط عليهم. كان يجب عليه أن يستنفد كلّ ما في وسعه لمواجهة آلة القتل المسمّاة إسرائيل، وإنقاذ أرواح من تذبحهم.
الأفعال لا الأقوال الفارغة هي الواجب بل المسؤولية التاريخية لوزير خارجيةٍ ألماني. ما أكثر ما سيكون ذلك "بنّاءً"! إذ سيخدم مباشرةً قضية الحياة، لا السياسة الصهيونية لـنيكروبوليتيكس (Necropolitics) أي سياسة السيادة على الموت.
غير أنّ أحداً يكاد لا يتخيّل وزير خارجيةٍ ألمانياً يكتفي بـكلامٍ "بنّاء" فارغ دون أيّ تبعات. فمَن الذي يجرؤ على فرض عقوباتٍ على نظامٍ يرتكب قائمةً شبه لا نهائية من الجرائم الوحشية يومياً؟
"إسرائيل أولاً"
بالتأكيد لا أحد، لكنّ في دعوة Wadephul إلى "حوارٍ بنّاء" دروساً كثيرة يمكن استخلاصها.
إنّ الدعوة إلى هذا "الحوار البنّاء" الآن بعد أن دعمت ألمانيا الإبادة الجماعية وشجّعت عليها دون تحفّظٍ طوال سنتَين ونصف، إلى جانب حروب العدوان المتواصلة على لبنان وسوريا وإيران هي في جوهرها تكريسٌ لمبدأ "إسرائيل أولاً".
"الحوار البنّاء" الآخر لن يُفضي إلى شيء، لأنّه غير مُصمَّم للإفضاء إلى شيء ولا يُراد له ذلك. لا شيء يُفترض أن يتغيّر. إبادة الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية ينبغي أن تستمرّ. وهذا تعبيرٌ عن الاحتقار المُضمَر الذي تكنّه كلٌّ من ألمانيا والكيان الصهيوني للحضارتَين العربية والفارسية، احتقارٌ متجذِّرٌ في نزعة التفوّق العنصري.
في المقابل، تُجلّ ألمانيا إسهام الصهيونية في الحضارة الغربية، الذي يتلخّص في جوهره في تطوير بعض أكثر التقنيات العسكرية تقدّماً وأكثر تقنيات المراقبة تطوراً لأغراض القتل والسيطرة على البشر. وكلاهما تعبيرٌ عن عبادة الموت الصهيونية التي تدعمها ألمانيا وتسعى إلى الاستفادة منها.
"إسرائيل أولاً" هذا مبدأٌ ألماني بامتياز، ومنذ عقود.
واليوم نرى النتائج: بينما تسعى الحكومة الألمانية، حتى في مواجهة الإبادة الجماعية، إلى تهدئة شعبها والعالم بالدعوة إلى "حوارٍ بنّاء"، فإنّها في الوقت ذاته تُمهّد الطريق لفرسان نهاية الزمان من المشروع الصهيوني المسيحاني.
قتل الأطفال وتشويههم عمداً، والنساء والرجال، و محو عائلاتٍ بأكملها،وإبادة الصحفيّين وعمّال الإغاثة والكوادر الطبية، وتدمير المستشفيات والمدارس والقرى والمجمّعات السكنية والأحياء بأسرها هذا ما يفعله أكثر جيوش العالم انحطاطاً بمساعدةٍ ألمانية مباشرة.
"الحوار البنّاء" الذي يقترحه Wadephul ليس أكثر من جلسة قهوةٍ أخرى تطمئن فيها ألمانيا، بصورةٍ "بنّاءة" للغاية، الكيانَ الصهيوني بأنّها تمنحه يداً حرّة ودعماً كاملاً لمواصلة حملات الإبادة الوحشية.
وما دام لن تكون ثمّة عواقب في أيّ يوم، فإنّ مثل هذه المحادثات، واستعارةً من تعبير Wadephul نفسه، "غير لائقة" بالمطلق.
أخبار ذات صلة

ترامب وشي جينبينغ: مفاوضات الأسبوع القادم قد تحدّد مصير جيمي لاي

غارة عسكرية أميركية على زورق مخدّرات في المحيط الهادئ تودي بحياة شخصين

الخلاف الإماراتي السعودي: أيديولوجيا وعائلة وتاريخ
