وورلد برس عربي logo

معركة استرداد برونزيات بنين بين الماضي والحاضر

تعرف على قصة برونزيات بنين التي نهبتها الإمبراطورية البريطانية وكيف تكافح نيجيريا لاسترداد تراثها الثقافي من متاحف العالم بينما يطلق الباحثون مشروعاً رقمياً لتوثيق هذه القطع وحماية تاريخ مملكة بنين عبر وورلد برس عربي.

تمثال برونزي لرأس أوبا من مملكة بنين، يعكس الفن التقليدي والتاريخ الثقافي الغني قبل النهب البريطاني عام 1897.
رأس من النحاس الأصفر يصور "أوبا"، حاكم مملكة بينين.
التصنيف:أفريقيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في عام 1897، اقتحمت قوّات الإمبراطورية البريطانية قصر مملكة بنين في غرب أفريقيا، وخرجت محمّلةً بآلاف القطع الأثرية التي كانت تُعدّ ذاكرةً حيّةً لأسلاف الملوك وسجلّاً لحضارةٍ ضاربة في القِدَم. بعد قرابة 130 عاماً، لا تزال تلك القطع موزّعةً بين متاحف أوروبا وأمريكا، فيما تتصاعد المطالبات بإعادتها إلى نيجيريا في واحدة من أبرز معارك الاسترداد الثقافي في العصر الحديث.

حضارةٌ صبّت في النحاس

مملكة بنين واحدة من أعرق الممالك في غرب أفريقيا، وقد طوّر ملوكها — المعروفون بلقب «أوبا» (Oba) — تقليداً فنّياً استثنائياً: فور تولّي الأوبا الجديد عرشه، كان يُكلّف بصنع تمثال نصفي من النحاس أو البرونز لسلفه الراحل، يُوضع على مذبح الأسلاف داخل القصر. هذه التماثيل كانت تُعرف في لغة الإيدو بـ«uhunmwun-elao»، وكانت تُتوَّج بأنياب الفيل المنقوشة التي تُوثّق إنجازات الحاكم وتحفظ سيرته للأجيال.

صنع هذه القطع حرفيّون من نقابة وراثية متخصّصة تُدعى «Igun Eronmwon»، وقد بلغ إنتاجها ذروته في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. استخدمت النقابة تقنية الشمع المفقود (lost-wax casting) لصبّ سبائك النحاس في قوالب دقيقة، وكانت مملكة بنين تستورد كميّات كبيرة من النحاس من ألمانيا لتلبية هذا الطلب. وقد أشارت وثائق Cleveland Museum of Art (CMA) إلى أنّ «ملوك بنين كانوا يُقدّرون النحاس لأنّه لا يصدأ»، وهو ما جعله مادّةً مثاليةً للتعبير عن الديمومة والسلطة.

التمثال الذي يحتفظ به Cleveland Museum of Art يبلغ ارتفاعه نحو 30 سنتيمتراً، ويعود اقتناؤه إلى ثلاثينيّات القرن الماضي حين اشتراه المتحف من تاجر الفنّ الفرنسي Louis Carré. وقد أُسيء تصنيفه في البداية باعتباره تمثالاً لأميرة، قبل أن تكشف الدراسات لاحقاً أنّه يُجسّد أوبا بعينه؛ إذ إنّ «قلائد المرجان وأغطية الرأس ذات النقش الشبكي كانت في الواقع رموزاً قويّة لسلطة الحاكم»، وفق ما أوضحه المتحف. وكان الجزء العلوي من التمثال مفتوحاً لاستقبال ناب الفيل المنقوش.

النهب الكبير وما تبعه

حين زحفت القوّات البريطانية على قصر بنين عام 1897 وضمّت المملكة قسراً إلى نيجيريا الاستعمارية، لم تكتفِ بالسيطرة السياسية؛ بل نهبت آلاف اللوحات المعدنية والمنحوتات والزخارف التي باتت تُعرف مجتمعةً بـ«برونزيّات بنين» (Benin Bronzes). وُزّعت هذه القطع على متاحف غربية كبرى، وانتهى بعضها إلى أيدي تجّار فنّ من أمثال Louis Carré الذي باعها لمتاحف أمريكية وأوروبية في عقود لاحقة.

يحتفظ British Museum وحده بأكثر من 900 قطعة من برونزيّات بنين، ما يجعله أضخم مجموعة من هذا النوع في العالم. وقد تقدّمت نيجيريا رسمياً عام 2021 بطلب استرداد هذه القطع من المتحف البريطاني، غير أنّ المتحف لم يُعِد أيّاً منها حتى عام 2025.

موجة الاسترداد: من يُعيد ومن يُماطل؟

في المقابل، تحرّكت مؤسّسات أخرى بخطى أسرع. ففي عام 2022، نقلت المتاحف الألمانية ملكية أكثر من 1,100 قطعة من برونزيّات بنين إلى نيجيريا، في خطوة وُصفت بأنّها الأكبر من نوعها. في العام ذاته، أعادت Smithsonian's National Museum of African Art 29 قطعة إلى نيجيريا. وفي عام 2025، سلّمت هولندا 119 قطعة إلى الجانب النيجيري، فيما أعاد Museum of Fine Arts في بوسطن قطعتين مباشرةً إلى الأوبا إيووار الثاني (Oba Ewuare II)، الحاكم الحالي لمملكة بنين وحفيد الحفيد الرابع لآخر أوبا قبل الغزو البريطاني عام 1897، والمعروف بوصفه حارس الثقافة البنينية.

يبقى British Museum الغائب الأبرز عن هذه الموجة. فرغم الطلب الرسمي النيجيري منذ 2021، ورغم الضغوط المتصاعدة من منظّمات الإرث الثقافي، لم يُسجَّل حتى اليوم أيّ إعادة رسمية من المتحف لهذه القطع. وتُشير الأرقام إلى حجم الهوّة: أكثر من 900 قطعة في لندن، في مقابل عشرات القطع استُردّت من ألمانيا وأمريكا وهولندا.

الذاكرة الرقمية في مواجهة الصمت المؤسّسي

في ظلّ هذا الواقع، أطلق باحثون ومتاحف ومنظّمات أفريقية مشروع Digital Benin، الذي يُوفّر فهرساً شاملاً للقطع الملكية المنهوبة من بنين، ويُتيح للباحثين والمطالبين تتبّع مواقع هذه القطع وتوثيق مصادرها. يُمثّل هذا المشروع أداةً للضغط والتوثيق في آنٍ واحد، في مرحلة باتت فيها الشفافية سلاحاً في معركة الاسترداد.

السؤال الذي يظلّ مفتوحاً ليس عن إمكانية الإعادة، بل عن إرادتها. فالسوابق القانونية والأخلاقية تتراكم، والمتاحف الكبرى تتحرّك تدريجياً — لكنّ أضخم مجموعة في العالم لا تزال في لندن، بينما يتولّى الأوبا إيووار الثاني حراسة ثقافةٍ تنتظر أن تعود إليها صورة أسلافها كاملةً.

أخبار ذات صلة

Loading...
شباب بهلوانيون يرتدون أزياء بنقوش الفهد يؤدون عروض بهلوانية في شوارع نيروبي لجمع الإكراميات وسط حركة المرور.

البهلوانات في الشوارع، ترفيه، سائقي السيارات، عالقون في العواصم الكينية، حركة المرور سيئة السمعة

في نيروبي، بهلوانو الشوارع يحولون إشارات المرور إلى عروض مذهلة رغم تحديات البطالة وقلة الفرص. اكتشف قصصهم الملهمة وكيف يواجهون الواقع بإصرار. تابع معنا لتعرف المزيد!
أفريقيا
Loading...
مجموعة شبابية أفريقية تستمتع بوقتها في مكان اجتماعي مع تدخين الشيشة، تعكس روح التواصل الثقافي والترفيه بين الشباب.

اللغات الأفريقية الأم تستعيد حيويتها بين الشباب والعائلات

تعيش لغات أفريقيا صحوة جديدة بين الشتات بفضل منصات رقمية ومبادرات تعليمية تعيد الهوية والثقافة. اكتشف كيف يعيد الشباب إحياء تراثهم اللغوي وانضم إلى الحركة الآن!
أفريقيا
Loading...
تمثال برونزي ليوناتان نتنياهو في مطار إنتيبي القديم بأوغندا، يحيي ذكرى عملية إنتيبي وإنقاذ الرهائن عام 1976.

لماذا كشفت أوغندا عن تمثال لأخ نتنياهو

في ذكرى عملية إنتيبي يكشف الجيش الأوغندي تمثالاً لـ Yonatan Netanyahu المثير للجدل. اكتشف تفاصيل العملية وتعرف على تأثيرها في العلاقات الأفريقية الإسرائيلية. اقرأ المزيد الآن!
أفريقيا
Loading...
مسلحون سودانيون يرتدون زيّاً عسكرياً ويقفون بجانب مركبات في منطقة صحراوية، مرتبطون بتقارير عن دور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع في السودان.

الإمارات تنفي "الطموحات الإمبراطورية" في أفريقيا

الحضور الإماراتي في أفريقيا يثير جدلاً بين استثمارات استراتيجية واتّهامات بدعم قوى مسلحة. اكتشف تفاصيل الدور الاقتصادي والأمني وتأثيره المستقبلي. تابع معنا لتحصل على الصورة كاملة.
أفريقيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية