اكتشاف هيدروجين طبيعي يغير مستقبل الطاقة النظيفة
اكتشاف هيدروجين طبيعي في خام الحديد بأستراليا الغربية قد يغير مستقبل الطاقة النظيفة ويجعلها مصدراً ضخماً للطاقة النظيفة في آسيا والمحيط الهادئ مع تحديات تقنية تحتاج لحلول. تعرف على التفاصيل في وورلد برس عربي.

تحت أرض أستراليا الغربية كنزٌ طاقوي لم يُستغَل بعد هكذا يصف الباحثون ما توصّلوا إليه من أدلّة على إنتاج الهيدروجين الطبيعي من خام الحديد. الاكتشاف ليس مجرّد نتيجة مختبرية عابرة؛ إذا تأكّدت قابليته للتطبيق على نطاق واسع، فقد يُعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وربّما يمتدّ أثره إلى أسواق الطاقة العالمية.
لماذا يهمّ الهيدروجين الطبيعي الآن؟
الهيدروجين وقودٌ نظيف بامتياز لا ينبعث عند احتراقه سوى بخار الماء غير أنّ الطريقة السائدة لإنتاجه تنقض هذه الميزة: نحو 95% من الهيدروجين المُنتَج عالمياً يأتي من الوقود الأحفوري، ما يجعل بصمته الكربونية مرتفعة. هنا تكمن أهمية ما رصده فريق من جامعة Edith Cowan الأسترالية: الطبيعة نفسها قادرة على توليد الهيدروجين، حين يتفاعل الماء الساخن مع معدن الماغنيتيت (Magnetite) الموجود في خام الحديد.
الماغنيتيت ليس معدناً نادراً في أستراليا الغربية بل هو مكوّنٌ وفير في رواسب الحديد الضخمة المنتشرة تحت الأرض هناك. وهذا ما يجعل الدراسة المنشورة في مجلة International Journal of Hydrogen Energy ذات وزنٍ استراتيجي يتجاوز حدود المختبر.
ما الذي جرى في المختبر بالضبط؟
لم يكتفِ الباحثون بالتجارب النظرية. أجروا تجارب معملية تحاكي الظروف الجيولوجية الفعلية تحت الأرض: درجة حرارة 200 درجة مئوية، وضغطٌ مرتفع، ومدّة 60 يوماً. والأهمّ أنّهم أدخلوا تحسيناً منهجياً جوهرياً على التجارب السابقة: معظم الدراسات السابقة استخدمت مسحوق الماغنيتيت فحسب، أمّا هذه الدراسة فأضافت عيّنات صخرية (slabs) مأخوذة من الحقل الجيولوجي الفعلي، ممّا يعكس التركيب والهندسة الحقيقية للصخور كما تتعرّض للماء في الطبيعة.
النتيجة كانت لافتة: مسحوق الماغنيتيت أنتج نحو خمسة أضعاف كمية الهيدروجين مقارنةً بالعيّنات الصخرية لكلّ غرام. لكنّ Stefan Iglauer، المهندس المتخصّص في الطاقة بجامعة Edith Cowan، يُفسّر هذا الفارق بدلالته الجيولوجية لا بوصفه عيباً: "تُظهر نتائجنا أنّ إنتاج الهيدروجين لا يعتمد فقط على كمية الماغنيتيت الموجودة، بل أيضاً على مدى سهولة وصول الماء إلى الأسطح المعدنية الطازجة عبر الشقوق والمسام والمسارات النافذة."
ويُضيف Iglauer أنّ هذا العمل "يُساعد على ردم الهوّة بين التجارب المختبرية والأنظمة الجيولوجية الحقيقية."
قيودٌ تقنية ينبغي أخذها بالحسبان
الصورة ليست وردية تماماً، وهذا ما يُميّز الدراسة الرصينة عن الادّعاءات الترويجية. التفاعل الكيميائي بين الماء والماغنيتيت يُحوّل جزءاً كبيراً من الماغنيتيت إلى هيماتيت (Hematite)، وهو معدنٌ مختلف لا يُنتج الهيدروجين بالكفاءة ذاتها. والأخطر أنّ تراكم الهيماتيت قد يسدّ المسام والشقوق التي يحتاجها الماء للوصول إلى الأسطح المعدنية، ممّا يُقيّد الإنتاج تدريجياً.
يُوضّح الباحثون في ورقتهم المنشورة أنّ "التفاعل بين أسطح الصخور والماء خلال توليد الهيدروجين يُغيّر خصائص السطح، وهو ما له تداعيات مهمّة على سلامة الصخور في تطبيقات التخزين الجيولوجي للغاز." بمعنى آخر، الاكتشاف ذو وجهين: فرصةٌ للطاقة النظيفة، وتحدٍّ هندسي في مجال تخزين الغاز تحت الأرض.
الرهان الاستراتيجي: من مُصدِّر للحديد إلى مُصدِّر للطاقة النظيفة؟
هنا يتحوّل الحديث من الكيمياء إلى السياسة الطاقوية. Alireza Keshavarz، المهندس الكيميائي في جامعة Edith Cowan، لا يُخفي حجم التفاؤل: "أستراليا قد تجلس فوق احتياطي طاقة ضخم لم يُستغَل بعد والإمكانات هائلة." ويذهب أبعد من ذلك: "ثمّة من الهيدروجين ما يكفي أستراليا لأجيالٍ قادمة، وربّما يكفي لتصبح مُصدِّراً رئيسياً للطاقة النظيفة إلى بقية العالم."
أمّا زميله Kaveh Moghanirahimi فيُركّز على بُعد الأمن الطاقوي: "إذا تمكّنّا من استثمار هذا المورد على نطاقٍ واسع، فقد يكون ذلك تحوّلاً جذرياً في مستقبلنا الطاقوي." ويُضيف: "نرى حتّى إمكانية أن تُعزّز أستراليا الغربية استقلاليّتها الطاقوية في أوقات الأزمات من خلال الوصول إلى هذا الهيدروجين المتولّد طبيعياً."
تبقى المسافة بين المختبر والحقل الجيولوجي الفعلي طويلة، وهي مسافةٌ تعرفها جيّداً أنظمة الطاقة المتجدّدة التي وعدت بالكثير قبل أن تُثبت جدواها الاقتصادية. لكنّ ما يُميّز هذا الاكتشاف هو أنّ الموردَ موجودٌ بالفعل في باطن الأرض، والسؤال الذي يتركه الباحثون مفتوحاً هو: هل يمكن استخراجه بتكلفةٍ تنافسية، وبدون أن تُقيّده قيود الهيماتيت قبل أن يُستنزف؟
أخبار ذات صلة

مركبة سيغنوس ترفع محطة الفضاء الدولية - صورة الفضاء اليومية ليوم 14 سبتمبر 2026"

هل يوجد كوكب تاسع مخفيّ في نظامنا الشمسي؟

SpaceX تطلق 3 أقمار اتصالات في الرحلة 700 لـ Falcon
